وطن-تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلغاء 810 ملايين دولار من الاعتمادات التي سبق أن أقرها الكونغرس، في خطوة فتحت مواجهة جديدة مع المشرعين حول سلطة الإنفاق الفيدرالي، فيما تستحوذ برامج اللاجئين وطالبي اللجوء وغيرهم من غير المواطنين على الجزء الأكبر من المبلغ.
وأعلنت إدارة ترامب في 25 سبتمبر/أيلول أنها تستخدم آلية نادرة تُعرف باسم «استرداد الاعتمادات الجيبي» لسحب هذه الأموال، قبل أيام من نهاية السنة المالية. وتقول الإدارة إن الخطوة تستهدف إنفاقاً تعتبره غير ضروري أو ضاراً، بينما يرى مشرعون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن الإجراء يثير تساؤلات قانونية ودستورية بشأن صلاحيات الرئيس في التعامل مع أموال أقرها الكونغرس.
567 مليون دولار لبرامج اللاجئين
وفق وثيقة البيت الأبيض الموجهة إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، يمثل 567.4 مليون دولار من إجمالي حزمة الإلغاء المبلغ الأكبر، وهو مخصص لحساب المساعدة للاجئين والوافدين التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية.
وتقول الإدارة إن هذه الأموال لم تعد ضرورية بسبب انخفاض أعداد الوافدين نتيجة سياساتها المتعلقة بالحدود والهجرة، وإنها تريد إنهاء استخدام أموال دافعي الضرائب الفيدراليين في تمويل خدمات لغير المواطنين.
وتشمل الحزمة أيضاً 25 مليون دولار لبرامج تعليمية مرتبطة بالطلاب المهاجرين، و15 مليون دولار لبرنامج تابع لوزارة العدل، إضافة إلى اعتمادات أخرى في وزارات التجارة والتعليم والأمن الداخلي والإسكان والتنمية الحضرية، فضلاً عن برامج للمساعدات الدولية.
وبذلك، فإن مبلغ 810 ملايين دولار لا يذهب بالكامل إلى برامج اللاجئين والمهاجرين، وإنما يشمل مجموعة أوسع من برامج الإنفاق الفيدرالي التي تعترض عليها الإدارة.
ما المقصود بـ«استرداد الاعتمادات الجيبي»؟
تستند إدارة ترامب إلى قانون التحكم في حجز وإلغاء الاعتمادات لعام 1974، وتستخدم آلية تُعرف باسم «الاسترداد الجيبي» لإلغاء أموال سبق أن خصصها الكونغرس.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة لأنها جاءت قبل أيام قليلة من نهاية السنة المالية، ما يترك للكونغرس فترة محدودة للتعامل مع طلب الإدارة.
وتقول الإدارة إن القانون يمنح الرئيس هذه الصلاحية، بينما يجادل منتقدوها بأن حجب الأموال التي أقرها الكونغرس يقترب من ممارسة حق «الفيتو الجزئي» على قوانين الإنفاق، وهو ما يثير مسألة حدود السلطة التنفيذية أمام سلطة الكونغرس على الميزانية.
انتقادات من داخل الحزب الجمهوري
لم تقتصر الاعتراضات على الديمقراطيين، إذ انتقدت السناتورة الجمهورية سوزان كولينز، رئيسة لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، الخطوة واعتبرتها غير قانونية، مؤكدة أنها ستعمل مع زملائها لمواجهتها.
كما انتقد مشرعون ديمقراطيون الإجراء، معتبرين أن الرئيس لا يستطيع بمفرده إعادة كتابة بنود إنفاق أقرها الكونغرس وأصبحت قانوناً.
ويتركز الخلاف الأساسي هنا على ما يسمى في الولايات المتحدة «سلطة المحفظة»، أي صلاحية الكونغرس في تحديد كيفية إنفاق الأموال العامة.
البيت الأبيض: الأموال لم تعد ضرورية
تبرر إدارة ترامب قرارها بأن بعض الاعتمادات أصبحت فائضة نتيجة انخفاض أعداد المهاجرين الذين يدخلون الولايات المتحدة، وتقول إن توجيه هذه الأموال إلى برامج تخدم غير المواطنين لا يتوافق مع أولوياتها السياسية.
وفي وثيقتها الرسمية، ربط البيت الأبيض إلغاء 567 مليون دولار من حساب المساعدة للاجئين والوافدين بسياسات الإدارة التي أدت، بحسب روايتها، إلى تقليص أعداد الوافدين. كما قالت إن إلغاء هذه الاعتمادات يتماشى مع هدفها المعلن بوقف استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم غير المواطنين ووضع الأمريكيين أولاً.
لكن هذه التبريرات لا تحسم الخلاف القانوني؛ إذ إن الأموال المعنية كانت قد خُصصت بالفعل بموجب قوانين أقرها الكونغرس.
خطوة جديدة في سياسة الهجرة
يأتي التحرك المالي في سياق أوسع من السياسات التي اتبعتها إدارة ترامب خلال ولايتها الحالية لتشديد نظام الهجرة واللجوء.
وفي فبراير/شباط 2026، أصدرت وزارة الأمن الداخلي مذكرة تسمح باحتجاز لاجئين دخلوا الولايات المتحدة بصورة قانونية ولم يحصلوا بعد على الإقامة الدائمة، بهدف إعادة فحص أوضاعهم، في تحول عن سياسة سابقة كانت توفر حماية أكبر لهذه الفئة.
كما واصلت الإدارة تشديد إجراءات التأشيرات والهجرة، في وقت أعلنت فيه وزارة الخارجية إعادة تنظيم خدمات التأشيرات في عدد من المناطق ضمن سياسة قالت إنها تهدف إلى تعزيز إجراءات التدقيق الأمني وتوجيه الموارد وفق أولوياتها.
وماذا عن الجنسية بالولادة؟
أما فيما يتعلق بمحاولة إدارة ترامب تقييد حق الجنسية بالولادة، فقد شهد هذا الملف تطوراً قضائياً مهماً خلال عام 2026.
ففي 30 يونيو/حزيران، قضت المحكمة العليا الأمريكية، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، برفض الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بهدف منع منح الجنسية تلقائياً لأطفال بعض غير المواطنين المولودين داخل الولايات المتحدة.
وأيدت أغلبية من خمسة قضاة، في رأي كتبه رئيس المحكمة جون روبرتس، مبدأ أن التعديل الرابع عشر للدستور يضمن الجنسية للأشخاص المولودين في الولايات المتحدة ضمن الفئات المعنية بالقضية.
وبالتالي، فإن القول إن المحكمة أبطلت هذا التوجه بأغلبية 5 مقابل 4 لا يعكس النتيجة النهائية للتصويت؛ فالقرار صدر بأغلبية 6 مقابل 3، مع وجود أغلبية من خمسة قضاة على الأساس الدستوري الرئيسي للحكم.
اللاجئون والمهاجرون في قلب معركة أوسع
لا تتوقف المواجهة عند مبلغ 810 ملايين دولار، بل تعكس خلافاً أوسع حول حدود السلطة التنفيذية في إدارة الأموال التي يخصصها الكونغرس.
فالبيت الأبيض يرى أن الإدارة تستطيع استخدام الصلاحيات المتاحة لها لإلغاء اعتمادات لم تعد تتوافق مع أولوياتها، خصوصاً في ملف الهجرة.
في المقابل، يرى معارضو الخطوة أن السماح للسلطة التنفيذية بحجب أموال أقرها الكونغرس قد يغيّر التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمنح البيت الأبيض نفوذاً أكبر على كيفية تنفيذ قوانين الإنفاق.
وتزداد أهمية الخلاف مع اقتراب نهاية السنة المالية، إذ يواجه الكونغرس والإدارة الآن نزاعاً يجمع بين الهجرة والإنفاق الفيدرالي وحدود السلطة التنفيذية، فيما يبقى مصير الاعتمادات وآلية إلغائها محل جدل سياسي وقانوني.
اقرأ المزيد
ترامب يصعّد حملة المهاجرين.. أكثر من 10 آلاف اعتقال خلال خمسة أيام وسط معركة دستورية جديدة
وحشية شرطة الهجرة في مينيابوليس تكشف سياسة القمع ضد المهاجرين في أمريكا

