وطن-يتوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أذربيجان في 8 نوفمبر، للمشاركة في احتفالات «يوم النصر»، في زيارة تأتي وسط توتر غير معتاد بين أنقرة وباكو، بعدما أثارت القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية خلافاً سياسياً وإعلامياً بين الحليفين.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بعد غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن قمة منظمة الدول التركية التي استضافتها أنقرة في 30 أكتوبر، رغم تلقيه دعوة شخصية من أردوغان. واعتُبر هذا الغياب مؤشراً إلى اتساع الخلاف بين البلدين، اللذين اعتادا وصف علاقتهما بعبارة «دولتان وشعب واحد». وقالت صحيفة ميدل إيست آي إن الزيارة تأتي بعد محاولات تركية لاحتواء الأزمة وإعادة الدفء إلى العلاقات، في وقت يؤكد فيه أردوغان أن الروابط بين البلدين أعمق من الخلافات السياسية العابرة.
قيود الحجاب تشعل الخلاف بين أنقرة وباكو
بدأت الأزمة في سبتمبر 2026، عندما أقرت الحكومة الأذربيجانية تعديلات على قواعد الزي المدرسي في المؤسسات التعليمية الحكومية، تمنع ارتداء ملابس إضافية تتعارض مع الزي المعتمد أو مع مبدأ العلمانية في التعليم. ورغم أن القرار لم يذكر الحجاب صراحة، فإن تطبيقه في عدد من المدارس أدى إلى منع طالبات يرتدينه من دخول الفصول، كما امتدت القيود إلى المعلمات بموجب تعليمات لاحقة تتعلق بالزي المهني.
وأثارت الإجراءات احتجاجات وانتقادات داخل أذربيجان، قبل أن تنتقل تداعياتها إلى تركيا، حيث هاجمت شخصيات سياسية ودينية وناشطون القرار، معتبرين أن منع الطالبات من الدراسة بسبب الحجاب يمس حرية المعتقد والحق في التعليم. وتصاعدت الانتقادات بعدما نشر أوكتاي سارال، مستشار أردوغان، تصريحات طالب فيها السلطات الأذربيجانية بالتراجع عن القرار، معتبراً أن منع الفتيات المحجبات من دخول المدارس يتعارض مع مبادئ العدالة والحرية الدينية.
وأثار هذا التدخل غضباً في باكو، التي اعتبرت الانتقادات التركية تدخلاً في شؤونها الداخلية، مؤكدة أن أذربيجان دولة مستقلة لها قوانينها وخياراتها الخاصة في تنظيم التعليم والحياة العامة. وتعكس الأزمة اختلافاً في مقاربة البلدين لمسألة العلمانية والرموز الدينية داخل المؤسسات التعليمية؛ ففي حين تركز أنقرة على حرية ارتداء الحجاب، تتمسك باكو بالطابع العلماني للدولة والتعليم العام.
علييف يغيب عن قمة الدول التركية
بلغ التوتر مرحلة أكثر وضوحاً مع غياب الرئيس إلهام علييف عن قمة منظمة الدول التركية التي انعقدت في العاصمة التركية أنقرة يوم 30 أكتوبر، رغم دعوة أردوغان الشخصية له. ومثّل وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف بلاده في الاجتماع، بينما تحدثت وسائل إعلام ومحللون عن أن غياب علييف يعكس استياء باكو من الانتقادات التركية، إلى جانب خلافات أوسع تتعلق بالسيادة وطبيعة العلاقة بين البلدين.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، أقال أردوغان مستشاره أوكتاي سارال، الذي كان من أبرز المنتقدين للقيود الأذربيجانية على الحجاب، كما أجرى اتصالات مباشرة مع علييف، وأوفد مسؤولين أتراكاً إلى باكو. لكن هذه التحركات لم تمنع غياب الرئيس الأذربيجاني عن القمة، وهو ما زاد التساؤلات بشأن مدى نجاح المساعي التركية في احتواء الخلاف. كما أشارت تقارير إلى أن أذربيجان اتخذت إجراءات بحق مواطنين أتراك انتقدوا سياساتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة عكست حساسية باكو تجاه الانتقادات القادمة من تركيا.
أردوغان: علاقتنا بأذربيجان تتجاوز الدبلوماسية
وفي تصريحات للصحفيين الخميس 5 نوفمبر، أعلن أردوغان عزمه زيارة أذربيجان في 8 نوفمبر للمشاركة في احتفالات يوم النصر، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين قادرة على تجاوز العقبات. وكشف الرئيس التركي عن اتصالات متواصلة مع علييف خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أنه أرسل رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية ووزير الخارجية هاكان فيدان إلى أذربيجان في إطار الجهود الرامية إلى تهدئة التوتر.
كما تحدث عن استمرار ما وصفه بـ«دبلوماسية الهاتف»، التي لا تقتصر على الاتصالات بين الرئيسين، بل تشمل أيضاً التواصل بين زوجتيهما. وأكد أردوغان أن أذربيجان تولي أهمية كبيرة لاحتفالات يوم النصر، مضيفاً أن العلاقات بين البلدين تتجاوز بكثير حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لأنها تقوم على التاريخ والثقافة والمصير المشترك. وتحمل زيارة 8 نوفمبر دلالة رمزية بالنسبة إلى باكو، إذ يرتبط يوم النصر بذكرى انتصار أذربيجان في حرب قره باغ عام 2020، وما أعقبها من تحولات في موازين القوى بجنوب القوقاز.
خلاف يتجاوز الحجاب إلى مسألة السيادة
ورغم أن القيود المدرسية كانت الشرارة المباشرة للأزمة، فإن الخلاف كشف عن حساسية أعمق في العلاقات بين البلدين، تتعلق بحدود النفوذ التركي في أذربيجان وطريقة تعامل أنقرة مع القرارات الداخلية لباكو. ففي تركيا، ينظر قطاع من السياسيين والناشطين إلى أذربيجان باعتبارها حليفاً وثيقاً تربطه بأنقرة روابط تاريخية وثقافية ودينية، وهو ما يدفعهم إلى التعبير عن مواقفهم من القضايا الداخلية الأذربيجانية.
أما في باكو، فتبرز حساسية واضحة تجاه أي انتقاد يُنظر إليه باعتباره محاولة للتأثير في القرارات السيادية للبلاد، خصوصاً أن القيادة الأذربيجانية تؤكد استقلال سياستها الداخلية والخارجية. ونقلت تقارير إعلامية عن مصدر أذربيجاني قوله إن بلاده وتركيا «دولتان»، في إشارة إلى ضرورة عدم التعامل مع العلاقات الوثيقة بينهما باعتبارها مبرراً لتجاوز استقلال القرار الأذربيجاني.
وتعكس هذه الرسالة جانباً من التوتر بين شعار «دولتان وشعب واحد» من جهة، وتمسك باكو بالتعامل مع أنقرة بوصفها شريكاً مستقلاً لا يملك حق التدخل في شؤونها الداخلية من جهة أخرى.
إسرائيل وأرمينيا.. ملفات تزيد تعقيد العلاقة
ولا تنحصر التباينات بين تركيا وأذربيجان في مسألة الحجاب، إذ تتقاطع العلاقات بين البلدين مع ملفات إقليمية أخرى، من بينها علاقات باكو الوثيقة مع إسرائيل، ومساعي أنقرة لتحسين علاقاتها مع أرمينيا. فتركيا تنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بينما تحتفظ أذربيجان بعلاقات أمنية وعسكرية واقتصادية وثيقة مع إسرائيل، وهو اختلاف يثير انتقادات داخل الأوساط التركية، ويضيف بُعداً آخر إلى النقاش بشأن طبيعة التحالف بين البلدين.
كذلك، ترتبط حسابات أنقرة في جنوب القوقاز بمساعي تطبيع العلاقات مع أرمينيا وإعادة فتح الحدود بين البلدين، وهي خطوات تتداخل مع التوازنات التي تشكلت بعد حروب قره باغ، ومع طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين تركيا وأذربيجان. ويرى محللون أن استمرار التوتر قد يؤثر في قدرة أنقرة على توسيع حضورها الإقليمي، خصوصاً في منطقة تتنافس فيها قوى عدة على النفوذ، من بينها روسيا وإيران والاتحاد الأوروبي.
هل تنجح زيارة أردوغان في إنهاء الأزمة؟
تأتي زيارة أردوغان في وقت تسعى فيه أنقرة أيضاً إلى ضمان مشاركة رفيعة المستوى من أذربيجان في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 31»، المقرر عقده في مدينة أنطاليا التركية خلال نوفمبر 2026. ولم يكن غياب علييف عن قمة الدول التركية مؤشراً كافياً على انهيار التحالف بين البلدين، إذ لا تزال المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية المشتركة تشكل أساساً قوياً للعلاقة بينهما. لكن الأزمة الحالية كشفت أن متانة الشراكة لا تمنع ظهور خلافات عندما تتقاطع القضايا الداخلية مع حساسيات السيادة والنفوذ السياسي.
ومن هنا، ستكون زيارة أردوغان إلى باكو اختباراً لمدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلاف، وإعادة تثبيت العلاقة على أساس الشراكة المتبادلة واحترام خصوصية القرار السياسي لكل دولة. وبينما يراهن أردوغان على الروابط التاريخية والثقافية لتجاوز الأزمة، تبدو باكو حريصة على تأكيد استقلال خياراتها، ما يجعل نتائج اللقاءات المرتقبة بين الرئيسين مؤشراً مهماً إلى مستقبل العلاقة بين الحليفين في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
اقرأ أيضاً
أزمة الحجاب تهز التحالف التركي الأذربيجاني.. هل دفعت باكو نحو إقالة مستشار أردوغان؟
أزمة بين تركيا وأذربيجان بسبب الحجاب.. اتهامات لهاكان فيدان بتأجيج الاضطرابات
تركيا تحتوي خلافاً مع أذربيجان بعد جدل الحجاب.. وعلييف يحذر من التدخل في شؤون بلاده

