وطن-ليس من السهل دائماً اكتشاف المعاناة النفسية لدى شخص يبدو متماسكاً من الخارج. فكثير من الرجال يفضلون إخفاء قلقهم ومخاوفهم، حتى عندما تصبح تفاصيل يومهم مرهقة وثقيلة. وقد يواصل الرجل حياته بشكل طبيعي أمام الآخرين، يبتسم ويتحدث ويذهب إلى عمله، بينما يخوض في داخله صراعاً لا يبوح به.
وبحسب ما أورده موقع «سان إي ناتيرال» الفرنسي، فإن بعض التغيرات السلوكية قد تكون مؤشراً على أن الرجل يمر بفترة صعبة، حتى إن لم يقل ذلك بشكل مباشر. فعبارة «كل شيء بخير» لا تعني دائماً أن الأمور على ما يرام، وقد تخفي وراءها ضغوطاً نفسية أو إرهاقاً عاطفياً أو شعوراً متراكماً بالإحباط. ومنذ الطفولة، ينشأ بعض الرجال على فكرة أن القوة تعني الصمت، وأن إظهار الضعف أو طلب المساعدة أمر غير مقبول. وقد تدفع هذه الصورة التقليدية عن الرجولة كثيرين إلى كتمان مشاعرهم بدلاً من التعبير عنها أو البحث عن دعم حقيقي.
ويؤكد الموقع أن الصمت لا ينبغي تفسيره دائماً على أنه استقرار نفسي؛ إذ توجد علامات صغيرة قد تبدو عادية في البداية، لكنها تكشف أحياناً عن تعب داخلي أو ضغط شديد. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة الإصابة بالاكتئاب أو القلق أو أي اضطراب نفسي آخر، لكنها تستحق الانتباه، خصوصاً إذا استمرت ورافقتها تغيرات واضحة في السلوك.
1. يكرر دائماً: «أنا بخير»
من أكثر العلامات شيوعاً أن يجيب الرجل دائماً بالعبارات نفسها عندما يُسأل عن حاله، مثل: «الحمد لله»، أو «كل شيء تمام»، أو «لا يوجد ما أشتكي منه»، أو «أنا بخير». وقد تبدو هذه الإجابات طبيعية، لكنها تتحول أحياناً إلى وسيلة دفاعية لإغلاق الحديث سريعاً.
وقال الموقع إن بعض الرجال يستخدمون هذه العبارات بشكل تلقائي حتى لا يقلقوا من حولهم، أو لأنهم لا يرغبون في الاعتراف بما يمرون به. وقد يرتبط ذلك بشعور داخلي بأن الحديث عن المشكلات نوع من الضعف أو الفشل الشخصي.
وتدعم هذا المعنى مراجعة علمية نُشرت عام 2016 في مجلة «Clinical Psychology Review»، وشملت 37 دراسة، إذ أشارت إلى أن بعض المعايير التقليدية المرتبطة بالرجولة قد تجعل التعبير عن المعاناة النفسية وطلب المساعدة أكثر صعوبة لدى الرجال.
2. اضطراب النوم وتغير نمطه
عندما يمر الرجل بفترة صعبة، قد يظهر ذلك بوضوح في نومه. فقد يبقى مستيقظاً حتى ساعات متأخرة من الليل، منشغلاً بالهاتف أو الألعاب الإلكترونية، أو يشعر بالإرهاق طوال النهار لكنه يعجز عن النوم عندما يستلقي في السرير.
وبحسب موقع «سان إي ناتيرال»، فإن القلق المهني والمشكلات المالية والتوترات العائلية أو الشخصية قد تفتح الباب أمام أفكار متكررة تمنع الاسترخاء. فالذهن يظل عالقاً في التفاصيل، ما يجعل النوم مهمة شاقة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار اضطرابات النوم دليلاً قاطعاً على مشكلة نفسية محددة؛ فهي قد تنتج عن أسباب صحية أو نفسية متعددة، لكنها قد ترافق التوتر أو القلق أو الاكتئاب، خصوصاً عندما تصبح مستمرة وتؤثر في النشاط اليومي.
3. يفقد اهتمامه بالأشياء التي كان يحبها
قد يكون الرجل شغوفاً بالرياضة ثم يتوقف فجأة عن التدريب، أو محباً للأعمال اليدوية ثم يترك مشاريعه غير مكتملة، أو اجتماعياً يحرص على لقاء أصدقائه ثم يبدأ في الانسحاب تدريجياً. وأضاف الموقع أن فقدان المتعة في الأنشطة التي كانت تمنح الشخص شعوراً جيداً قد يكون من المؤشرات المهمة على وجود معاناة نفسية. فحين يسيطر الإرهاق والإحباط، تصبح حتى الهوايات البسيطة عبئاً ثقيلاً.
وتُعرف هذه الحالة باسم «انعدام التلذذ»، أو فقدان القدرة على الاستمتاع، وهي من الأعراض التي قد تظهر لدى بعض المصابين بالاكتئاب، كما تشير ملفات طبية صادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية. لكن من المهم التمييز بين فقدان اهتمام مستمر ومقلق، وبين تغير طبيعي في الأولويات أو الأذواق مع مرور الوقت.
4. تصبح نكاته أكثر قتامة أو قسوة على نفسه
أحياناً يستخدم الرجل المزاح طريقة غير مباشرة للتعبير عن مشاعر صعبة. فقد يبدأ في إطلاق نكات متكررة عن فشله أو مستقبله أو قيمته أو مشكلاته الخاصة، وكأنه يتحدث عنها بخفة، بينما تكون هذه الموضوعات مؤلمة له فعلاً. ووفق الموقع، فإن السخرية من الذات لا تعني دائماً أن الشخص يعاني نفسياً، فهناك من يستخدمون هذا النوع من الفكاهة بطبيعتهم. لكن المؤشر المهم هو التغير: هل أصبح المزاح أكثر سوداوية؟ وهل تكرر بشكل لافت؟ وهل ترافق مع عزلة أو تراجع في النشاط أو تغير في المزاج؟ في هذه الحالة، قد يكون المزاح محاولة لقول شيء جاد من دون مواجهة مباشرة، أو وسيلة لاختبار رد فعل الآخرين قبل الاعتراف بما يشعر به.
5. يبدو مشغولاً طوال الوقت لكنه لا ينجز شيئاً مهماً
قد يملأ الرجل يومه بالمهام الصغيرة، مثل ترتيب المرآب أو تنظيم جدول الأعمال أو البحث عن خطط جديدة أو إعادة ترتيب الملفات أو التفكير في مشاريع مستقبلية. ويبدو من الخارج منشغلاً ومنتجاً، لكنه في الحقيقة لا يقترب من القرارات الأساسية التي تؤرقه.
وأوضح الموقع الفرنسي أن الانشغال الدائم قد يكون أحياناً وسيلة للهروب من مواجهة مشكلة حقيقية. فقد يقضي الرجل ساعات في البحث عن أفضل نظام رياضي من دون أن يبدأ التمرين، أو يعيد تنظيم حياته مراراً من دون أن يتعامل مع السبب الحقيقي لتوتره. ولا يعني هذا السلوك بالضرورة وجود معاناة نفسية، لكنه يستحق الانتباه إذا ترافق مع شعور بالفشل أو فقدان الحافز أو صعوبة واضحة في اتخاذ القرار.
6. تسيطر بعض العادات على حياته أكثر من السابق
قد يلجأ بعض الرجال إلى عادات تمنحهم راحة مؤقتة عندما يمرون بضغط نفسي، مثل زيادة استهلاك الكحول، أو قضاء ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية، أو الإفراط في التسوق، أو الانخراط في سلوكيات اندفاعية تتكرر بشكل ملحوظ. وبحسب ما نقله الموقع، فإن هذه السلوكيات قد تعمل كوسيلة للهروب المؤقت من المشاعر المزعجة أو الضغوط اليومية. وتبدأ المشكلة عندما تتحول إلى نمط ثابت لتجنب مواجهة الألم النفسي.
وأشارت مراجعة تحليلية نُشرت عام 2017 في مجلة «Harvard Review of Psychiatry»، وشملت 32 دراسة وأكثر من 108 آلاف مشارك يعانون من الاكتئاب، إلى أن الرجال أبلغوا في المتوسط عن معدلات أعلى من السلوكيات المرتبطة بإساءة استخدام الكحول أو المخدرات مقارنة بالنساء. ومع ذلك، لا تصلح هذه النتائج للتعميم على جميع الرجال، ولا تعني أن كل تغير في العادات مرتبط بالضرورة باضطراب نفسي.
7. يعتذر كثيراً عن المواعيد وينسى التزاماته
قد يبدأ الأمر بعشاء يُلغى في اللحظة الأخيرة، أو مناسبة عائلية تُنسى، أو وعد لا يُنفذ. وربما يبدو الأمر بسيطاً إذا حدث مرة أو مرتين، لكنه يصبح لافتاً عندما يتكرر لدى شخص كان معروفاً بالالتزام والاهتمام. وأوضح الموقع أن هذا النوع من الانسحاب قد يعكس تعباً عاطفياً أو صعوبة في التركيز. فبعض الرجال يوافقون على الدعوات حتى لا يخيّبوا ظن من حولهم، ثم يكتشفون لاحقاً أنهم لا يملكون الطاقة النفسية أو الجسدية للحضور.
ولا ينبغي تفسير الأمر سريعاً على أنه تجاهل أو قلة تقدير. فقد يكون السبب إرهاقاً شديداً أو ضغطاً نفسياً أو مشكلة صحية أو حالة من التشتت الداخلي. والأفضل هو محاولة الفهم وفتح باب الحوار بهدوء بدلاً من إطلاق الأحكام.
8. يهمل مظهره وعنايته بنفسه
قد يكون الرجل معتاداً على الاهتمام بملابسه ونظافته الشخصية ومظهره العام، ثم يبدأ فجأة في ارتداء الملابس نفسها باستمرار، أو تأجيل الحلاقة، أو إهمال مواعيد الحلاق، أو التراجع عن تفاصيل عناية يومية كان يحرص عليها. وبحسب الموقع، فإن انخفاض الحالة المعنوية قد يجعل أبسط المهام اليومية شاقة. فعندما يكون الإنسان منهكاً نفسياً، قد يحتاج إلى طاقة كبيرة لمجرد النهوض أو الاستحمام أو ترتيب ملابسه.
لكن المظهر الخارجي وحده لا يكفي للحكم على الحالة النفسية لأي شخص. والأهم هو ملاحظة التغيرات غير المعتادة والمستمرة، خاصة إذا جاءت مع علامات أخرى مثل العزلة واضطراب النوم وفقدان الاهتمام أو تراجع الثقة بالنفس.
9. يتجنب الأحاديث الشخصية والعميقة
عندما يبدأ الحديث عن مشاعره أو مستقبله أو مخاوفه، يغير الرجل الموضوع بسرعة. وقد يرد بنكتة، أو يسأل الطرف الآخر عن شيء مختلف، أو يجد عذراً لإنهاء النقاش. وقال الموقع إن تجنب الحديث الشخصي قد يعكس صعوبة في التعبير عن المشاعر، لكنه قد يكون أيضاً محاولة لحماية الخصوصية. فبعض الرجال يخافون من الحكم عليهم، أو من خيبة أمل المقربين، أو من أن يصبحوا عبئاً عاطفياً على الآخرين.
لذلك، عندما يمر الرجل بفترة صعبة، قد يحتاج الحديث عن مشاعره إلى جهد كبير. ومن الأفضل منحه مساحة آمنة للكلام من دون ضغط، بدلاً من مطالبته بتفسيرات فورية أو إجابات جاهزة.
كيف تتعامل مع رجل يمر بفترة نفسية صعبة؟
رصد هذه العلامات لا يعني الضغط على الرجل كي يتحدث، ولا يعني محاولة حل مشكلاته نيابة عنه. فأحياناً يكون الدعم الحقيقي في الحضور الهادئ، والاستماع الجيد، وعدم إصدار الأحكام. وبحسب ما يؤكد الموقع فإن المرور بفترة صعبة ليس فشلاً شخصياً. وقد يكون طلب المساعدة خطوة صحية لفهم ما يحدث والتعامل معه بطريقة مناسبة. وإذا استمرت التغيرات السلوكية أو بدأت تؤثر في العمل والعلاقات والنوم والحياة اليومية، فقد يكون من المفيد استشارة طبيب عام أو مختص في الصحة النفسية.
وفي حال وجود قلق من أفكار انتحارية، ينصح المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة بطرح السؤال بشكل مباشر وعدم تجاهله؛ فالحديث الصريح قد يفتح باب المساعدة وينقذ حياة. وفي فرنسا، يتيح الرقم 3114 خدمة وطنية مجانية للوقاية من الانتحار، تعمل على مدار الساعة وتوفر دعماً متخصصاً للأشخاص الذين يعانون ولذويهم. وفي حالات الخطر الفوري، يمكن الاتصال برقم الطوارئ 15 أو 112. أما في الولايات المتحدة، فيوفر خط 988 دعماً فورياً للأزمات النفسية والانتحارية.
في النهاية، هذه السلوكيات التسع ليست قائمة تشخيصية، وقد تظهر لدى الرجال والنساء على حد سواء ولأسباب مختلفة. لكن الأهم هو الانتباه إلى التغيرات غير المعتادة، وتجنب الاستنتاجات المتسرعة، وفتح مساحة آمنة للحوار. فخلف عبارة «أنا بخير» قد توجد أحياناً حاجة صامتة إلى من يسمع ويفهم.
قد يعجبك
لماذا يعاني البعض بصمت؟ أسباب نفسية واجتماعية تمنعهم من طلب المساعدة
3 علامات نفسية هادئة قد تشير إلى آثار تجارب صعبة في الطفولة
«حين تبدأ أجمل مراحل العمر».. عالم النفس يكشف أسرار أسعد سنوات حياتنا

