وطن-تفتح تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بشأن وجود نقاشات حول انضمام بلاده إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل التحالفات الأمنية في المنطقة، وما إذا كانت دمشق تتجه فعلاً نحو الانضمام إلى الترتيب الدفاعي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، أم أنها تسعى إلى توظيف هذا التقارب لتعزيز موقعها السياسي والتفاوضي في مواجهة إسرائيل.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار الهجمات المنسوبة إلى جماعة الحوثي على السعودية، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بما يجعل أي توسع محتمل في اتفاق مكة خطوة ذات أبعاد تتجاوز التعاون العسكري التقليدي.
الشيباني: نقاشات لتقييم انضمام سوريا إلى اتفاق مكة
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، كشف الشيباني، خلال مشاركته في جلسة حول الأمن الإقليمي ضمن مؤتمر حوار المنامة في البحرين، عن وجود «نقاشات جارية حالياً لتقييم دخول سوريا إلى تحالف مكة»، مؤكداً أن دمشق تعتبر نفسها «جزءاً لا يتجزأ» من منظومة الأمن الإقليمي.
وأوضح وزير الخارجية السوري أن بلاده ستدعم أي إطار يهدف إلى حماية الاستقرار في المنطقة، مشيراً إلى أن الشرق الأوسط بات «أكثر حاجة من أي وقت مضى» إلى تطوير أنظمة ردع ودفاع مشتركة، في ظل التحولات الأمنية المتسارعة وتداخل بؤر التوتر من اليمن إلى سوريا وفلسطين.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس، بهدف تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث. ويقوم الاتفاق، وفق ما نقلته الصحيفة، على مبدأ اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الموقعة هجوماً على الدول الثلاث، وهو ما يجعله قريباً من مفهوم الدفاع الجماعي المعتمد في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الذي يضم 32 دولة.
انضمام سوريا ليس وشيكاً.. واستعراض للقوة؟
رغم أهمية تصريحات الشيباني، فإن احتمال تحول سوريا إلى العضو الرابع في الاتفاق لا يزال، وفق تقديرات نقلتها «ميدل إيست آي»، في مراحله الأولية. ونقلت الصحيفة عن سامي عقيل، المحلل السياسي وكبير المستشارين في موقع «سيريا ريبورت»، قوله إن دمشق لا تبدو قريبة من الانضمام رسمياً خلال المدى القريب، معتبراً أن الحديث عن الاتفاق لا يزال في إطار التكهنات.
وقال عقيل: «ما زلنا في مرحلة التكهنات، ولم يُحسم أي شيء بعد. لكنني أعتقد أن الأمر يحمل قدراً من استعراض القوة من جانب السلطات السورية». وأضاف أن انضمام سوريا، إذا تحقق، سيتطلب وقتاً وتفاصيل دقيقة، موضحاً أن «النية موجودة ويتم اختبارها، لكن كل شيء سيتوقف في النهاية على البنود التفصيلية للاتفاق». وتعكس هذه القراءة أن تصريحات دمشق قد تكون جزءاً من تحرك سياسي لاختبار مواقف الأطراف المعنية، قبل الانتقال إلى أي التزامات دفاعية أو عسكرية واضحة.
تصعيد الحوثيين يعيد اتفاق مكة إلى الواجهة
تتزامن هذه النقاشات مع تصاعد المخاوف السعودية من الهجمات المنسوبة إلى جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران، والتي استهدفت خلال الفترة الماضية مطارات ومنشآت عسكرية وبنى تحتية للطاقة داخل المملكة. وذكرت «ميدل إيست آي» أن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن أعلن، يوم الجمعة، اعتراض طائرات مسيرة حوثية فوق منطقتي مكة والمدينة، بينما نفت الجماعة لاحقاً تنفيذ تلك الهجمات.
وفي هذا السياق، يرى عقيل أن توقيت تصريحات الشيباني يعكس قراءة دمشق للتحولات الإقليمية، مرجحاً ارتباطها بـ«صراع إقليمي وشيك قد يشهد جولة جديدة من التصعيد خلال الأيام المقبلة»، ومشيراً إلى أن السلطات السورية تتبع ما وصفه بـ«الموازنة الاستراتيجية» في تعاملها مع المشهد.
وفي المقابل، تسعى الرياض إلى حشد دعم إقليمي ودولي أوسع، فيما أعادت التطورات الأخيرة تسليط الضوء على البنود العسكرية في اتفاق مكة. وأبدت تركيا وباكستان دعمهما للسعودية، من دون الإعلان عن مشاركة عسكرية ميدانية ضد الحوثيين. وبحسب ما نقلته قناة «الجزيرة» عن مسؤولين أتراك، استبعدت أنقرة إرسال قوات للقتال في اليمن، في حين وافقت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي على مشروع قانون للتصديق على اتفاق مكة الدفاعي.
هل ترسل دمشق قوات إلى السعودية؟
أبدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تضامناً مع السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، وأدانت الضربات التي طالت مطارات ومنشآت مدنية، مؤكدة دعمها لجهود المملكة في حماية أمنها واستقرارها. ويأتي ذلك في سياق التقارب المتزايد بين البلدين منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، إذ برزت السعودية بوصفها أحد أبرز الشركاء الإقليميين للحكومة السورية الجديدة.
وفي 6 أكتوبر، زار الرئيس السوري أحمد الشرع الرياض، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبحث الجانبان تعزيز العلاقات الثنائية، وإعادة الإعمار والاستثمار، إلى جانب التطورات الإقليمية. وعقب الزيارة، نفت دمشق تقارير تحدثت عن طلب سعودي من سوريا إرسال قوات برية إلى المملكة للمشاركة في القتال ضد الحوثيين.
ووصف أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري، تلك التقارير بأنها «كذب ولا أساس لها من الصحة»، فيما أكدت إدارة الإعلام في وزارة الخارجية السورية أن سياسة دمشق تقوم على دعم الاستقرار والسلام والتعاون، لا فتح جبهات جديدة. ومع ذلك، لم يستبعد عقيل احتمال انخراط القوات السورية بصورة ما في الصراع، لكنه حذر من أن المشاركة القتالية المباشرة لن تكون قراراً حكيماً، بالنظر إلى اختلاف طبيعة الحرب في اليمن عن أنماط القتال التي اعتادت عليها القوات السورية.
ورجح أن تقتصر أي مساهمة سورية محتملة على دعم لوجستي أو مشاركة رمزية، على غرار ما قدمته سوريا خلال عملية «عاصفة الصحراء»، بدلاً من نشر قوات برية واسعة أو وحدات قتالية في الخطوط الأمامية.
اتفاق مكة.. ورقة تفاوضية في مواجهة إسرائيل؟
لا يقتصر اهتمام دمشق بالاتفاق، وفق تحليل «ميدل إيست آي»، على التطورات المرتبطة بالسعودية واليمن، بل قد يرتبط أيضاً بمحاولتها تعزيز موقفها في مواجهة إسرائيل. فخلال مشاركته في حوار المنامة، انتقد الشيباني العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مشيراً إلى أن سوريا تعرضت لأكثر من ألف هجوم إسرائيلي خلال أقل من عامين، أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص.
وتساءل الوزير السوري: «كيف يمكن تبرير الدعوات إلى ضبط الحدود وحصر السلاح بيد الدولة، بينما تُنتهك السيادة السورية وتُستهدف يومياً؟»، في إشارة إلى استمرار الضربات الإسرائيلية وما تعتبره دمشق انتهاكاً لسيادتها. ويرى عقيل أن اهتمام سوريا باتفاق مكة قد يكون مرتبطاً برغبتها في امتلاك «ورقة تفاوضية» يمكن استخدامها في أي محادثات مستقبلية مع إسرائيل، خصوصاً مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مواقع بجنوب سوريا.
وأضاف أن دمشق تدرك أن انسحاب إسرائيل من الجنوب السوري لا يبدو مرجحاً على المدى القصير أو المتوسط، ولذلك قد تنظر إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع قوى إقليمية مؤثرة باعتباره وسيلة لتقوية موقفها السياسي والعسكري. وبحسب هذا التحليل، فإن انضمام سوريا إلى الاتفاق قد يمنحها، في حال تفعيل بنود الدفاع المشترك، مظلة دعم إقليمية إذا تعرضت لهجوم، وهو ما قد يغير بعض حسابات التوازن في المنطقة.
دمشق تطالب بانسحاب إسرائيل وتفعيل اتفاق 1974
وفي كلمته أمام مؤتمر حوار المنامة، جدد الشيباني مطالبة دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل 8 ديسمبر 2024، كما دعا إلى تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وتسعى الحكومة السورية، من خلال تحركاتها الدبلوماسية وتقاربها مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد، إلى تعزيز موقعها الإقليمي بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، وبناء شراكات يمكن أن تدعم أمنها واستقرارها. لكن الانتقال من مرحلة النقاشات والتصريحات إلى عضوية رسمية في اتفاق مكة يظل مرتبطاً بطبيعة الالتزامات التي ستتضمنها أي صيغة انضمام، ومدى استعداد الدول الثلاث لتوسيع إطارها الدفاعي.
وبين احتمال بناء تحالف أمني جديد، واستخدام التقارب الإقليمي ورقة ضغط في مواجهة إسرائيل، يبقى السؤال الأساسي: هل تتحول مباحثات دمشق إلى التزام دفاعي فعلي، أم أنها تندرج ضمن تحرك سياسي لاختبار موازين القوى وتعزيز موقع سوريا في مفاوضات المستقبل؟
اقرأ المزيد
تعزيزات عسكرية صينية وتركية لباكستان بعد اتفاق مكة تثير قلق الهند وإسرائيل
لقاء ترامب والشرع في أنقرة.. مكسب سياسي للرئيس السوري ورسائل أمريكية تتجاوز قمة الناتو
السعودية تطلب الدعم وتركيا تتحرك.. هل يبدأ تفعيل اتفاق مكة؟
اتفاق مكة يوسّع نفوذ تركيا الإقليمي ويضعها أمام مخاطر أمنية متزايدة

