وطن-يعرف كثيرون ممن اعتادوا بدء يومهم بفنجان من القهوة ذلك الشعور المألوف قبل تناول الجرعة الأولى من الكافيين؛ إذ تبدو المهام اليومية أبطأ، ويصبح التركيز أقل حضوراً، فيما لا تكون سرعة ردود الفعل في أفضل حالاتها. لكن هل تعكس هذه الانطباعات مجرد شعور نفسي عابر، أم أن الامتناع عن القهوة صباحاً يترك أثراً يمكن قياسه على الأداء الذهني؟
قالت صحيفة «إل كونفيدينثيال» الإسبانية إن دراسة حديثة نُشرت في مجلة «هيومان سايكوفارماكولوجي: كلينيكال آند إكسبيريمينتال» سعت إلى الإجابة عن هذا السؤال، من خلال اختبار تأثير عدم تناول القهوة صباحاً لدى الأشخاص الذين اعتادوا استهلاكها يومياً.
وخلصت الدراسة إلى أن غياب القهوة الصباحية قد يؤدي إلى إبطاء سرعة الاستجابة لدى مستهلكيها المنتظمين، لكنه لا يرتبط بالضرورة بتراجع الذاكرة أو ضعف بقية القدرات المعرفية التي شملتها الاختبارات.
55 مشاركاً لاختبار تأثير الامتناع عن القهوة
شملت الدراسة 55 مشاركاً، بينهم 30 شخصاً اعتادوا شرب القهوة، و25 آخرون لا يستهلكونها بانتظام. وخضع المشاركون المعتادون على القهوة للاختبارات في حالتين مختلفتين: الأولى بعد تناول قهوتهم الصباحية كالمعتاد، والثانية بعد الامتناع عنها طوال الليل وعدم شربها قبل التقييم. أما المشاركون الذين لا يشربون القهوة بانتظام، فقد جرى تقييمهم مرة واحدة فقط.
وركزت الاختبارات على مجموعة من القدرات الذهنية، من بينها سرعة رد الفعل، وسرعة معالجة المعلومات، والذاكرة العاملة، والتعلم، والذاكرة اللفظية، إضافة إلى الوظائف التنفيذية، وهي القدرات التي تساعد الإنسان على التحكم في استجاباته التلقائية، وتحديد المعلومات المهمة، واختيار التصرف المناسب لإنجاز مهمة معينة.
بطء في ردود الفعل دون تراجع في دقة الإجابات
أظهرت النتائج أن الاختلاف الأبرز ظهر في سرعة الاستجابة؛ إذ أدى الامتناع عن القهوة طوال الليل، ثم عدم تناولها صباحاً، إلى إبطاء ملحوظ في أزمنة رد الفعل لدى مستهلكي القهوة المعتادين، مقارنة بأدائهم بعد تناول فنجانهم الصباحي. ووفقاً لما أوردته الصحيفة الإسبانية، كان هؤلاء المشاركون أبطأ أيضاً من الأشخاص الذين لا يشربون القهوة بانتظام عندما حُرموا من جرعتهم الصباحية. لكن اللافت أن هذا البطء لم يصاحبه تراجع واضح في دقة الإجابات، إذ ظل مستوى الدقة متقارباً بين المجموعات المختلفة. وهذا يعني أن التأثير ظهر أساساً في الوقت اللازم للاستجابة، لا في صحة الإجابة نفسها.
في المقابل، لم يرصد الباحثون فروقاً ذات دلالة إحصائية في بقية المهام المعرفية التي خضعت للاختبار، بما في ذلك الذاكرة والتعلم والوظائف التنفيذية. كما أن أخذ جودة النوم في الاعتبار لم يغيّر النمط العام للنتائج، ما يشير إلى أن التأثير المسجل لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه نتيجة قلة النوم أو التعب العابر.
هل تحسن القهوة الأداء الذهني أم تعالج أعراض الانسحاب؟
تطرح الدراسة تساؤلاً مهماً بشأن طبيعة تأثير الكافيين: هل يؤدي تناول القهوة فعلاً إلى تحسين الأداء الذهني، أم أنه يعيد الأشخاص المعتادين عليها إلى مستواهم الطبيعي بعد تراجع مؤقت بسبب الامتناع عنها؟ وبحسب ما نقلته «إل كونفيدينثيال»، يرى الباحثون أن بطء الاستجابة المسجل يتوافق مع تأثيرات مرتبطة بأعراض الانسحاب الخفيفة من الكافيين. وهذا يفتح المجال للتمييز بين التأثير المنشط للقهوة من جهة، وتأثير تجنب الأعراض التي قد تظهر عند التوقف المفاجئ عن استهلاكها من جهة أخرى.
ولا تسمح الدراسة وحدها بتحديد مدى مساهمة كل من العاملين في النتائج، لكنها تشير إلى أن العلاقة بين القهوة والأداء الذهني أكثر تعقيداً من الاعتقاد الشائع بأن تناولها يجعل الإنسان أكثر ذكاءً أو تركيزاً بصورة عامة.
الامتناع عن القهوة قد يؤثر في نتائج الاختبارات العلمية
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في مجال أبحاث الكافيين، إذ تطلب بعض الدراسات من المشاركين الامتناع عن القهوة والمشروبات المحتوية على الكافيين قبل الخضوع لاختبارات الإدراك والتركيز. غير أن هذا الشرط قد يؤدي، بحسب الباحثين، إلى انحياز غير مقصود عند تقييم الأشخاص المعتادين على تناول القهوة؛ لأن أداءهم قد يتأثر بالتوقف المفاجئ عن عادة يومية، وليس فقط بغياب التأثير المنبه للكافيين.
ولهذا يشدد الباحثون على أهمية مراعاة نمط استهلاك الكافيين لدى المشاركين عند تصميم اختبارات الأداء الذهني، بدلاً من فرض قاعدة موحدة للامتناع عن القهوة على الجميع، خصوصاً عندما يكون الهدف قياس القدرات المعرفية في ظروف قريبة من الحياة اليومية.
نتائج أولية تحتاج إلى دراسات أوسع
رغم أهمية النتائج، يدعو الباحثون إلى التعامل معها بحذر، نظراً إلى محدودية حجم العينة التي لم تتجاوز 55 مشاركاً، وهو عدد لا يكفي لتعميم الاستنتاجات على مختلف الفئات. كما أن عدم رصد فروق مهمة في الذاكرة أو بقية القدرات المعرفية لا يثبت انعدام أي تأثير محتمل، إذ قد تتطلب ملاحظة الفروق الدقيقة دراسات أكبر وأكثر تنوعاً.
وتشير الخلاصة إلى أن القهوة الصباحية لا تمثل بالضرورة مفتاحاً لتحسين الذاكرة أو جميع وظائف الدماغ، لكنها قد تساعد في الحفاظ على سرعة الاستجابة لدى الأشخاص الذين اعتادوا تناولها بانتظام. كما تؤكد أن تجاهل عادات استهلاك الكافيين عند إجراء اختبارات التركيز والإدراك قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس الأداء الذهني المعتاد للمشاركين.
اقرأ أيضاً
هل القهوة تضر الكلى؟ دراسة تكشف الحقيقة وتحسم الجدل حول فنجانك اليومي
بعد فنجان القهوة.. ألم تحت لوح الكتف الأيسر يطرح سؤالاً مهماً: هل المعدة هي السبب؟
7 نصائح فعالة لضبط الساعة البيولوجية بعد تغيير التوقيت الصيفي
أضرار ماء الليمون على الأسنان.. كيف يسبب تآكل مينا الأسنان؟

