وطن-لم يعد التنافس بين المغرب والجزائر مقتصراً على ملف الصحراء الغربية أو التنافس على النفوذ داخل منطقة المغرب العربي، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى منطقة الساحل الإفريقي، التي تشهد تحولات جيوسياسية وأمنية متسارعة، مع تراجع حضور عدد من الشركاء الغربيين التقليديين وصعود تحالفات جديدة.
وفي ظل بحث مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن شركاء جدد، تتحرك الرباط والجزائر لتعزيز حضورهما في المنطقة، لكن من خلال مقاربتين مختلفتين؛ إذ تراهن الجزائر على الأمن والجوار الجغرافي والخبرة في إدارة الأزمات الحدودية، بينما يعتمد المغرب على الاستثمارات والبنية التحتية والدبلوماسية الدينية ومشاريع الربط التجاري مع المحيط الأطلسي.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن الساحل أصبح ميداناً لتنافس إقليمي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والدبلوماسية، مشيرة إلى أن اختلاف أدوات البلدين لا يلغي تقاطع مصالحهما في منطقة باتت أكثر أهمية في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
الصحراء الغربية والحدود المغلقة.. جذور التنافس المغربي الجزائري
يأتي هذا التحول في سياق تاريخ طويل من التوتر بين الجزائر والمغرب، يتمحور أساساً حول الصحراء الغربية، المستعمرة الإسبانية السابقة التي تعتبرها الرباط جزءاً من أراضيها، وتسيطر على معظمها، فيما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو المطالبة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة.
ولم يقتصر الخلاف على هذا الملف، بل امتد إلى التنافس على النفوذ والزعامة الإقليمية منذ استقلال البلدين. وأسهمت هذه الخلافات في إغلاق الحدود البرية بينهما منذ عام 1994، قبل أن تقطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب عام 2021.
لكن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل دفعت هذا التنافس إلى مساحة جغرافية أوسع، حيث أصبحت الدبلوماسية والأمن والطاقة والممرات التجارية أدوات أساسية في سعي كل طرف إلى ترسيخ موقعه داخل منطقة تعاني اضطرابات سياسية وأمنية متواصلة.
الجزائر تراهن على الأمن والجوار المباشر
بالنسبة إلى الجزائر، يمثل الساحل امتداداً مباشراً لأمنها القومي، بالنظر إلى حدودها الطويلة مع مالي والنيجر، وما تشهده المنطقة من نشاط للجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتوترات سياسية وعسكرية.
وتقول «ميدل إيست آي» إن هذه الاعتبارات دفعت الجزائر إلى مراجعة تدريجية لمقاربتها التقليدية الرافضة لنشر قوات عسكرية خارج حدودها، وهي سياسة ظلت حاضرة في عقيدتها الدفاعية لعقود.
وأشارت الصحيفة إلى أن الجزائر أرسلت، في 30 أغسطس، أربع مقاتلات من طراز «سوخوي 30» إلى النيجر، بناءً على طلب السلطات المحلية، وذلك بعد يوم من محاولة انقلاب في نيامي. كما تحدثت عن موافقة البرلمان الجزائري، في 25 أكتوبر، على نشر قوات في النيجر، في خطوة وصفتها بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1973.
وبالتوازي مع التحركات الأمنية، تسعى الجزائر إلى استعادة دورها الدبلوماسي في منطقة شهد نفوذها فيها تراجعاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً على خلفية الخلافات مع مالي والنيجر.
أزمات مع مالي وتحسن في العلاقات مع النيجر
تعود الأزمة بين الجزائر ومالي إلى ديسمبر 2023، عندما اتهمت باماكو الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية، ما أدى إلى استدعاء السفراء بين البلدين. وفي يناير 2024، أعلنت السلطات المالية انسحابها من اتفاق الجزائر للسلام، الموقع عام 2015 بهدف تسوية النزاع في شمال مالي.
وتصاعد التوتر مجدداً في أبريل 2025، عقب إسقاط الجزائر طائرة مسيّرة مالية، وسط خلاف بين الطرفين بشأن المجال الجوي الذي كانت تحلق فيه. وعلى إثر ذلك، استدعت دول تحالف دول الساحل سفراءها من الجزائر، وردت الأخيرة بإجراء مماثل.
في المقابل، شهدت العلاقات الجزائرية النيجرية تحسناً لاحقاً، وفق ما أوردته الصحيفة، في مؤشر على أن الجزائر تحاول إعادة بناء شبكة علاقاتها في المنطقة، رغم استمرار الخلافات مع باماكو.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن الباحث جليل حرشاوي، المرتبط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، تحذيره من تفسير كل تحرك جزائري أو مغربي باعتباره جزءاً من الصراع الثنائي بين البلدين.
وقال حرشاوي إن الحضور المغربي مهم في مالي، لكنه أكثر محدودية في النيجر، مضيفاً أن القرارات الجزائرية في منطقة الساحل تحركها بالدرجة الأولى اعتبارات أمنية ملموسة، ولا تتخذ بالضرورة استجابة لتحركات المغرب.
ملف الطوارق يعزز أهمية الدور الجزائري
ومن بين الملفات التي قد تتيح للجزائر استعادة جزء من نفوذها في الساحل قضية الطوارق، الذين ينتشرون في شمال مالي والنيجر وجنوب الجزائر، ويطالبون منذ عقود بمزيد من الحكم الذاتي والاعتراف السياسي والثقافي.
وقد أدى التوتر بين المجموعات الطوارقية والحكومات المركزية إلى تمردات متكررة، كان أبرزها انتفاضة عام 2012 في مالي، قبل أن ترعى الجزائر اتفاق السلام الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة في شمال البلاد.
ويرى حرشاوي، وفق ما نقلته الصحيفة، أن السلطات في باماكو ونيامي باتت تنظر بجدية أكبر إلى المقاربة الجزائرية التي تدعو إلى معالجة سياسية لقضية الطوارق، بدلاً من الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها.
وتستند الجزائر في هذا الملف إلى قربها الجغرافي ومعرفتها بالتوازنات المحلية وخبرتها السابقة في الوساطة، وهي عناصر تمنحها حضوراً مختلفاً عن القوى التي تعتمد أساساً على الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية.
المغرب يوسع نفوذه عبر الاقتصاد والموانئ
في المقابل، اختار المغرب مقاربة تقوم على توسيع الشراكات الاقتصادية والدينية والثقافية، بعيداً عن التركيز على الجانب الأمني وحده.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن رضا ليعموري، الباحث في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، قوله إن الرباط تعمل باستمرار على تعزيز علاقاتها مع دول الساحل من خلال الاستثمارات والشراكات الاقتصادية والتعاون الديني والثقافي والدبلوماسي.
ويعتمد المغرب على حضور مؤسساته المصرفية واستثماراته في عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب برامج التعاون الزراعي والتدريب وتكوين الأئمة، بهدف بناء علاقات طويلة الأمد مع الحكومات والمجتمعات المحلية.
وبرزت هذه الاستراتيجية في أبريل 2025، عندما أعلنت مالي وبوركينا فاسو والنيجر، خلال اجتماع في الرباط، دعمها للمبادرة الأطلسية المغربية، التي تهدف إلى منح الدول غير المطلة على البحر منفذاً إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ والبنية التحتية المغربية.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على بعدها التجاري، بل ترتبط أيضاً بطموح المغرب إلى بناء ممر اقتصادي يربط أراضيه بغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، ويعزز موقعه بوصفه بوابة إفريقية نحو الأسواق الدولية.
ميناء الداخلة وموريتانيا.. محور الممر الأطلسي
يمثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز مكونات الرؤية المغربية، إذ يُرتقب أن يدخل الخدمة عام 2028، ليكون نقطة ارتكاز في مساعي الرباط إلى تطوير حركة التجارة والربط البحري مع دول غرب إفريقيا والساحل.
وفي هذا السياق، يكتسب التعاون مع موريتانيا أهمية خاصة. فقد وقّع البلدان، في سبتمبر، اتفاقاً إطارياً لتأهيل وتوسيع الطريق الوطني رقم 4، ضمن تصور أوسع لربط الداخلة بمعبر الكركرات الحدودي، ثم بنواذيبو ونواكشوط.
وتبرز موريتانيا هنا بوصفها حلقة استراتيجية في حسابات الربط بين المغرب والساحل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي بين الواجهة الأطلسية ودول المنطقة. كما أن تعزيز البنية التحتية والطرق العابرة للحدود قد يمنح نواكشوط دوراً أكبر في حركة التجارة الإقليمية.
وفي الوقت الذي تنظر فيه الجزائر إلى الساحل من بوابة حدودها الجنوبية وشبكاتها العابرة للصحراء، يسعى المغرب إلى تطوير مسار أطلسي يمر عبر موريتانيا. ويعكس النموذجان إدراكاً متزايداً لأهمية الممرات التجارية والبنية التحتية بوصفها أدوات للنفوذ الاقتصادي والسياسي.
مشاريع الغاز تفتح جبهة جديدة للتنافس
يمتد التنافس بين البلدين إلى قطاع الطاقة، خصوصاً عبر مشروعين لنقل الغاز النيجيري نحو الأسواق الأوروبية. والأول هو مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب، الذي يُفترض أن يمر عبر عدد من دول غرب إفريقيا، بينها موريتانيا، على امتداد يقارب ستة آلاف كيلومتر. ولا يزال المشروع بحاجة إلى استكمال ترتيبات التمويل والتنفيذ.
أما المشروع الثاني فهو خط الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، ويهدف بدوره إلى نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا. ويمثل هذا المشروع جزءاً من مساعي الجزائر لتعزيز موقعها في سوق الطاقة، مستفيدة من بنيتها التحتية وخبرتها في تصدير الغاز.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمنافسة على مسارات الأنابيب فحسب، بل بصراع أوسع حول دور كل بلد في تأمين إمدادات الطاقة الأوروبية وتعزيز علاقاته الاقتصادية مع دول غرب إفريقيا والساحل.
الإمارات حاضرة في خلفية التنافس
وتشير «ميدل إيست آي» إلى حضور الإمارات في خلفية بعض مشاريع البنية التحتية والموانئ في موريتانيا، معتبرة أن الاستثمارات الإماراتية قد تتقاطع مع مساعي المغرب إلى تعزيز الممر الأطلسي.
كما تنظر الجزائر بريبة إلى التقارب الاستراتيجي بين أبوظبي والرباط، خصوصاً في ظل دعم الإمارات للموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية.
وتأتي هذه الخلافات ضمن سياق أوسع من التوتر بين الجزائر والإمارات، والذي تصاعد خلال سبتمبر مع قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط اتهامات جزائرية لأبوظبي بالقيام بأعمال عدائية والتدخل في شؤون المنطقة.
سباق التسلح لا يعني مواجهة عسكرية مباشرة
بالتوازي مع التنافس الاقتصادي والدبلوماسي، يواصل البلدان تعزيز إنفاقهما العسكري. ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، التي استندت إليها الصحيفة، أنفقت الجزائر نحو 25.4 مليار دولار على الدفاع عام 2025، بزيادة بلغت 11% مقارنة بالعام السابق، لتظل أكبر منفق عسكري في إفريقيا.
أما المغرب، فبلغ إنفاقه العسكري نحو 6.3 مليارات دولار، بزيادة قدرها 6.6%، ليأتي في المرتبة الثانية إفريقياً.
ورغم الفارق الكبير في حجم الإنفاق، لا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن التنافس في الساحل يتجه نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين.
ونقلت الصحيفة عن عمر كيتا، السفير المالي السابق لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ورئيس معهد الساحل-إفريقيا للدبلوماسية والتأثير، تفضيله وصف ما يجري بأنه «منافسة على التموضع والنفوذ»، بدلاً من اعتباره مواجهة مباشرة.
وشدد كيتا على أن دول الساحل ليست مجرد مساحة جغرافية تتنافس القوى الخارجية على السيطرة عليها، بل تمتلك حكوماتها خياراتها ومصالحها، وتسعى إلى استثمار التنافس بين الشركاء لتعزيز هامش استقلالها.
دول الساحل تبحث عن شركاء دون تبعية جديدة
بعد تراجع علاقات مالي والنيجر وبوركينا فاسو مع فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين، اتجهت الدول الثلاث إلى تعزيز تعاونها مع روسيا، لكنها لا تزال بحاجة إلى استثمارات ومشاريع بنية تحتية ومنافذ تجارية وشراكات في الطاقة والأمن.
وفي هذا السياق، يمنح التنافس المغربي الجزائري حكومات الساحل خيارات إضافية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحدياً يتعلق بقدرتها على تجنب الارتهان لمحور واحد أو استبدال شراكات قديمة بتبعية جديدة.
ويرى كيتا أن اعتماد «دبلوماسية التنويع»، القائمة على بناء علاقات متعددة ومتوازنة، يمثل خياراً مهماً لدول المنطقة، مشيراً إلى أن النفوذ المستدام لا يتحقق بمجرد الإعلان عن المبادرات، بل يتطلب الثقة واستمرارية الالتزامات وتحقيق نتائج ملموسة للسكان.
وبينما يمتلك المغرب أدوات اقتصادية ومشاريع للربط الأطلسي، تستند الجزائر إلى القرب الجغرافي والخبرة الأمنية والدبلوماسية، خصوصاً في مالي والنيجر، فإن أياً من البلدين لا يمتلك السيطرة على مسار التحولات في الساحل.
وتبقى قدرة كل طرف على تحويل مبادراته إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، ومدى استجابة الحكومات المحلية لها، عاملين أساسيين في تحديد موازين النفوذ خلال السنوات المقبلة.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو أي البلدين سينجح في توسيع حضوره داخل الساحل، بل ما إذا كانت دول المنطقة قادرة على استثمار هذا التنافس لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتنويع شراكاتها، وتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية ملموسة.
اقرأ المزيد
مقاتلات جزائرية في النيجر.. هل بدأت الجزائر إعادة رسم سياستها في الساحل؟
الجزائر بين المغرب والإمارات وإسرائيل.. هل تتشكل خريطة نفوذ جديدة في المنطقة؟
الجزائر مجرد بداية.. كيف تحوّل النفوذ الإماراتي إلى مصدر انتقادات وعزلة إقليمية؟
بعد النيجر ومالي.. بوركينا فاسو توجّه “الضربة القاضية” لما تبقى من الوجود الفرنسي بالساحل

