وطن-على امتداد أهوار الحويزة في جنوب شرقي العراق، لم يعد الجفاف مجرد أزمة بيئية عابرة، بل تحول إلى تهديد مباشر لحياة آلاف السكان الذين اعتمدوا لأجيال على مياه الأهوار وثرواتها الطبيعية في تأمين الغذاء والعمل ومصادر الدخل. وبين تراجع تدفق المياه والتوسع في الأنشطة النفطية، تتقلص المساحات الرطبة وتتراجع تربية الجاموس وصناعة القيمر والحرف التقليدية، فيما تجد عائلات نفسها مضطرة إلى مغادرة أراضيها والانتقال إلى أطراف المدن.
وتكشف شهادات السكان وتحقيق نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني عن تداعيات متشابكة للجفاف والمشروعات الصناعية والسدود المقامة في دول الجوار، في منطقة تحظى بحماية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» باعتبارها جزءًا من الأهوار العراقية المدرجة على قائمة التراث العالمي.
وفي قرية أبو خصاف بمحافظة ميسان، تحاول حليمة فليح التمسك بما تبقى من حياة عائلتها على أطراف الأهوار. فقد بنت مع زوجها وبناتها، قبل نحو عقدين، غرفة صغيرة لاستقبال الأقارب والأصدقاء وإحياء المناسبات، لكن سقفها انهار بفعل تقلبات الطقس والإهمال، فيما تشققت الأرض المحيطة بها وجفت.
وبدل التخلي عن المكان، تخطط فليح لتحويله إلى متحف صغير يوثق حياة سكان الأهوار، المعروفين باسم «المعدان»، ويعرض أدواتهم التقليدية، من الحصائر المصنوعة من القصب إلى شباك الصيد والمجاديف المستخدمة في القوارب المحلية المعروفة باسم «المشحوف».
وتقول فليح إن هدفها هو الحفاظ على ذاكرة المجتمع الذي عاش قرونًا في انسجام مع البيئة المائية، حتى يتمكن الأبناء والزوار من التعرف على هذا التراث إذا لم تعد المياه إلى المنطقة. وبالنسبة إليها، لم يعد المشروع مجرد محاولة لإحياء غرفة متهالكة، بل وسيلة لحماية هوية ثقافية مهددة بالاندثار.
أهوار الحويزة.. نظام بيئي يواجه العطش
تقع أهوار الحويزة على الحدود العراقية الإيرانية، على بعد نحو 350 كيلومترًا جنوب شرقي بغداد، وتمتد ضمن بيئة مائية شكلت عبر آلاف السنين ملاذًا للتنوع البيولوجي ومصدرًا أساسيًا لاستقرار المجتمعات المحلية. وقد أُدرجت الأهوار العراقية على قائمة التراث العالمي لليونسكو قبل نحو عقد، تقديرًا لقيمتها الطبيعية والثقافية، ولارتباطها بتاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان والبيئة.
وكانت النساء في هذه المجتمعات يؤدين دورًا محوريًا في الاقتصاد المحلي، إذ عملن في حلب الجاموس وصناعة القيمر، وهو منتج تقليدي من القشطة، إلى جانب نسج الحصائر من القصب وجمع الأسماك وبيعها في الأسواق القريبة. لكن هذه الأنشطة باتت مهددة بفعل سنوات من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، التي تقترب أحيانًا من 50 درجة مئوية خلال الصيف، فضلًا عن تراجع تدفق المياه نتيجة السدود المقامة في منابع الأنهار والأنشطة التنموية والصناعية المتزايدة.
ويقول سكان محليون إن بعض الإجراءات الحكومية ساهمت في تفاقم الأزمة، خصوصًا إنشاء سواتر ترابية حول المنشآت النفطية والآبار، معتبرين أنها أعاقت وصول المياه إلى مناطقهم، بينما تستهلك العمليات الصناعية جزءًا من الموارد المائية المحدودة.
ويقول مصطفى، نجل حليمة فليح، إن عائلته باتت مضطرة إلى شراء مياه الشرب بعد أن كانت تحصل عليها من البيئة المحيطة، مضيفًا أن ثروات المنطقة تُستخرج بينما يضطر سكانها إلى دفع المال للحصول على أبسط احتياجاتهم من المياه.
السواتر الترابية والتوسع النفطي يثيران المخاوف
وتشير دراسة نشرها مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد في مارس الماضي إلى أن إنشاء ساتر ترابي واسع حول الأهوار عام 2022، ضمن مشروع حكومي قُدّم رسميًا باعتباره إجراءً لمكافحة تهريب المخدرات عبر الحدود، أدى إلى تقليص تدفق المياه نحو أجزاء من المنطقة، مع تداعيات على الغطاء النباتي والقطعان واستقرار السكان.
ووفق الدراسة، غادرت مئات العائلات من أربع قرى محلية مناطقها خلال السنوات الأخيرة، فيما أصبحت محافظة ميسان مصدرًا لنسبة كبيرة من النازحين لأسباب بيئية في العراق. وتشير بيانات عام 2024 إلى أن نحو خُمس النازحين العراقيين المرتبطين بالعوامل البيئية كانوا من المحافظة.
ولا تتوقف المخاوف عند الإجراءات المائية، إذ كشف تحقيق نشرته منصة «درج» عن تداخل عدد من تراخيص النفط والغاز مع مناطق محمية في جنوب العراق، بينها أجزاء من أهوار الحويزة.
ومن بين هذه المشاريع حقل «إتش دبليو زد 1»، الذي حصلت شركة «جيو جايد» الصينية على عقد لتطويره. ووفق منظمة «أنقذوا دجلة»، تتداخل منطقة استخراج النفط المرتبطة بالحقل مع نحو 300 كيلومتر مربع من النطاق المحمي المدرج ضمن موقع التراث العالمي.
كما أظهرت وثيقة من الدائرة القانونية في وزارة النفط العراقية، حصل عليها «ميدل إيست آي»، أن عقد الاستثمار الممنوح للشركة لمدة 20 عامًا دخل حيز التنفيذ عام 2023، بينما لم تُستكمل أعمال التقييم البيئي إلا في العام التالي، بعد بدء العمليات الميدانية وفق ما نقله مراقبون محليون. ولم تُنشر دراسة الأثر البيئي للرأي العام.
وفي مارس 2025، وجهت شركة الاستكشافات النفطية الحكومية كتابًا إلى وزارة الموارد المائية تطلب فيه تسهيل أعمال استكشافية داخل الأهوار، تشمل إنشاء ممرات بعرض عشرة أمتار وحفر نقاط للطاقة. وأكد رد لاحق من وزارة الموارد المائية أن موقع الأعمال المطلوبة يتداخل مع المنطقة الأساسية المحمية التابعة لليونسكو.
هذا ولم تتلقَّ «ميدل إيست آي» ردًا من وزارة النفط أو ممثلي الشركة الصينية على أسئلتها بشأن طبيعة هذه الأعمال وتوقيتها والإجراءات المتخذة للحد من آثارها البيئية.
الحكومة تنفي الإضرار بالأهوار والسكان يشكون غياب المياه
في المقابل، يقول مسؤولون عراقيون إن الحكومة تراقب الأنشطة الصناعية وتعمل على منع أي تجاوزات قد تؤثر في النظام البيئي للأهوار.
وأوضح حسين علي الكناني، المدير العام لمركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية في وزارة الموارد المائية، أن فرقًا ميدانية في ميسان تتابع مدى التزام وزارة النفط والشركات التابعة لها بالحدود المقررة، وتراقب تأثير الأنشطة على القنوات المغذية للأهوار والنظام المائي الطبيعي.
وأضاف أن لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الموارد المائية والنفط والبيئة تراجع بصورة دورية مناطق التداخل بين الامتيازات النفطية والمواقع الطبيعية المحمية، مشيرًا إلى أن أي سواتر ترابية أو منشآت نفطية يثبت أنها تعرقل تدفق المياه يفترض أن تواجه إجراءات لوقف النشاط وإصلاح الأضرار.
كما قال الكناني إن المياه المغذية للأهوار لا تُستخدم في عمليات حقن النفط، وإن الاستجابة الحكومية للأزمة تشمل إرسال صهاريج لتوفير المياه للسكان.
لكن روايات الأهالي والناشطين ترسم صورة مختلفة، إذ يؤكد سكان قرية أبو خصاف أن صهاريج المياه الحكومية لا تصل إليهم إلا نادرًا، وأن بعض العائلات تنفق ما يصل إلى 60 ألف دينار عراقي يوميًا، أي نحو 45 دولارًا، لشراء كميات محدودة من المياه عبر شاحنات خاصة، تكفي بالكاد لتلبية احتياجاتها وإبقاء ما تبقى من قطعان الجاموس على قيد الحياة.
ويقول الناشط البيئي مرتضى الجنوبي إن الجفاف استمر نحو تسعة أشهر من دون تدفق المياه في النهر، مضيفًا أن الصهاريج الحكومية زارت القرية مرة أو مرتين فقط، وقدمت المياه لجزء محدود من السكان قبل أن تتوقف.
أما مصطفى، فيقول إن أفراد عائلته يضطرون إلى نقل المياه بأنفسهم باستخدام دراجات نارية ثلاثية العجلات وعبوات بلاستيكية، في ظل غياب المساعدات التي يفترض أن توفرها الدولة.
مخاوف من تدمير التنوع البيولوجي
وتتزايد تحذيرات المنظمات البيئية من أن استمرار أعمال التنقيب والتوسع النفطي في المنطقة قد يؤدي إلى أضرار يصعب إصلاحها. ففي أبريل الماضي، وجهت منظمة «أنقذوا دجلة» رسالة إلى اليونسكو حذرت فيها من أن الأنشطة الاستخراجية في هذا النظام البيئي الهش يمكن أن تترك آثارًا مدمرة.
وأشارت المنظمة إلى أن تراجع تدفق المياه من نهر الكرخة في إيران، نتيجة بناء السدود، يتزامن مع أعمال استكشاف نفطي داخل المنطقة، مطالبة السلطات العراقية بوقف الأنشطة النفطية في محيط الأهوار، وتوفير حصص مائية كافية، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل المناطق المتضررة. كما حذرت من آثار المنشآت النفطية في حقل الحلفاية المجاور، حيث تستخدم محطات الضخ كميات من المياه العذبة، بما يزيد الضغط على الموارد المائية المحدودة.
وأظهرت صور أقمار صناعية حصلت عليها وكالة الصحافة الفرنسية من شركة «بلانيت لابز» مسارات لمركبات ثقيلة داخل المنطقة، فيما وثقت صور ومقاطع مصورة حدد موقعها الجغرافي، ونشرتها وسائل إعلام دولية، وجود آليات حفر وأنابيب داخل أجزاء من النطاق المحمي.
ويقول ناشطون إنهم جمعوا أدلة مصورة على وجود معدات ثقيلة تعمل بالقرب من المنطقة الأساسية المحمية، إلى جانب تسجيلات لتسربات نفطية في مواقع أخرى بمحافظة ميسان.
وتنص الدستور العراقي على حق المواطنين في العيش ضمن بيئة صحية، كما يتضمن أحكامًا لحماية التنوع البيولوجي. لكن منتقدين يرون أن السماح بالتوسع الصناعي قرب الأهوار، إلى جانب التلوث الناتج عن الأنشطة النفطية وحرق الغاز، يضع هذه الالتزامات أمام اختبار فعلي.
ووفق منظمة «باكس» الهولندية، تضم محافظة ميسان عشرات مصادر التلوث، فيما تُقدّر آثارها المناخية السنوية بما يعادل 22 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. كما صنفت شركة «آي كيو إير» العراق في المرتبة الحادية عشرة بين أكثر دول العالم تلوثًا بالهواء خلال عام 2025.
وقال أمير حسون، المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية، إن الوزارة تراقب مخالفات الشركات النفطية وآثارها الصحية، وتوجه إنذارات قانونية إلى الجهات غير الملتزمة، لكنه لم يقدم بيانات محددة عن عدد الإنذارات الصادرة خلال العام الماضي أو مدى استجابة الشركات لها.
النزوح يبدل حياة سكان الأهوار
لم تعد تداعيات الجفاف محصورة في تراجع المياه والثروة الحيوانية، بل امتدت إلى دفع السكان نحو النزوح من قراهم التاريخية بحثًا عن ظروف معيشية أكثر استقرارًا. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2024، نزح أكثر من 140 ألف شخص في وسط العراق وجنوبه بسبب عوامل مناخية وبيئية منذ بدء رصد هذه الظاهرة عام 2018. ومن بين أكثر من 23 ألف عائلة متضررة، تنحدر نحو 5200 عائلة من محافظة ميسان.
ومن بين هذه العائلات أبو قاسم وزوجته أم قاسم، اللذان اضطرا إلى مغادرة الأهوار عام 2022 بعد تدهور أوضاع قطيع الجاموس الذي كان يمثل مصدر رزقهما الأساسي. واستقرت الأسرة في منطقة شبه زراعية على أطراف مدينة العمارة، داخل منزل متواضع، مقابل إيجار شهري يبلغ نحو 200 دولار، وهو عبء ثقيل على عائلة فقدت معظم مصادر دخلها التقليدية.
وكانت أم قاسم تعمل في صناعة القيمر، لكنها باتت تقضي معظم وقتها في رعاية عدد قليل من الجاموس المتبقي داخل حظيرة طينية صغيرة. أما أبناؤها، فيعملون في سوق المدينة ببيع الخضروات والفواكه، بدخل يومي يتراوح في أفضل الأيام بين عشرة و25 دولارًا. وتصف أم قاسم الانتقال إلى المدينة بأنه اقتلاع من عالم اعتادت عليه طوال حياتها، مشيرة إلى أن الطرق والأضواء والازدحام وأنماط الحياة الجديدة جعلتها تشعر بالغربة.
ولا تقتصر معاناة العائلات النازحة على الخسائر الاقتصادية، إذ يقول أبو قاسم إن بعض الأحياء ترفض تأجير المنازل أو بيعها لأسر تنحدر من الأهوار، بسبب نظرة سلبية تربط وجود الجاموس بتدهور البنية التحتية والنظافة في المناطق الحضرية. ورغم صعوبة الحياة الجديدة، لا تزال الأسرة تأمل في العودة إلى موطنها إذا استعادت الأهوار مياهها.
اليونسكو تحذر من تهديد مكانة الأهوار العالمية
وتتجاوز المخاوف بشأن أهوار الحويزة مسألة النزوح وتراجع مصادر الرزق، لتصل إلى مستقبل تصنيف الأهوار العراقية ضمن قائمة التراث العالمي. فقد أعربت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، خلال العام الماضي، عن قلقها إزاء استمرار تعرض المكونات الطبيعية للأهوار للتهديد بفعل مشروعات النفط والغاز، مؤكدة أن الأنشطة الاستخراجية لا تتوافق مع متطلبات حماية مواقع التراث العالمي.
ودعت اللجنة العراق إلى الالتزام بحظر دائم للأنشطة الاستخراجية داخل حدود الموقع، وطلبت تقديم تحديث بشأن الإجراءات المتخذة بحلول ديسمبر من العام الجاري. كما أشار متحدث باسم اليونسكو إلى أن المنظمة تتابع عن كثب حالة الأهوار، وأن بعثة مراقبة مقررة لعام 2027 ستقيّم مدى تنفيذ التوصيات الخاصة بحماية الموقع، بما في ذلك إعادة النظر في احتمال إدراجه على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر. ومن شأن هذا التصنيف أن يتيح تعبئة دعم دولي فني ومالي للمساعدة في حمايته.
وفي تقييم صادر عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، تراجعت النظرة المستقبلية للأهوار الجنوبية العراقية من مستوى «مصدر قلق كبير» عام 2020 إلى مستوى «حرج» عام 2025، وهو أعلى مستوى للتهديد في هذا التقييم. ويحذر خبراء من أن إنشاء ممرات مرتفعة وواسعة داخل المناطق الرطبة قد يغير حركة المياه الطبيعية، فيؤدي إلى جفاف أجزاء وركود المياه في أجزاء أخرى، ويضر بمناطق تكاثر الأسماك والنباتات المحلية، ويجزئ الموائل التي تعتمد عليها الكائنات البرية.
كما يمكن أن تؤدي التسربات النفطية إلى تلويث المياه الجوفية والتربة بمركبات سامة، بما يضعف قدرة البيئة الطبيعية على تنقية المياه ويجعل التعافي أكثر صعوبة، وفق تحذيرات خبراء بيئيين تحدثوا للموقع البريطاني.
النساء يفقدن مصادر الرزق ومعرفة الأجيال
وتكشف الأزمة عن خسارة تتجاوز الموارد الطبيعية، إذ تهدد أيضًا المعرفة التقليدية التي تناقلتها نساء الأهوار جيلًا بعد جيل. وتتذكر حليمة فليح كيف كانت النساء يصنعن الوقود التقليدي المعروف باسم «المطال»، من روث الجاموس والأبقار بعد خلطه بالقش وتشكيله في أقراص تُترك تحت الشمس حتى تجف، لاستخدامها في الطهي والتدفئة خلال الشتاء.
كما كانت فليح تعيل أبناءها الستة بمساعدة زوجها من خلال نسج الحصائر الكبيرة المصنوعة من القصب البري، التي قد يصل طول بعضها إلى عشرة أمتار، وبيعها في الأسواق بنحو عشرة آلاف دينار عراقي، أي قرابة ثمانية دولارات للحصيرة الواحدة. لكن الجفاف لم يجفف المجاري المائية وحدها، بل حرم النساء من المواد الخام التي اعتمدن عليها في أعمالهن، وأفقدهن القدرة على مواصلة أنشطة كانت تشكل جزءًا أساسيًا من اقتصاد الأسرة وهوية المجتمع.
ويقول زوجها هاشم السراي إن آخر فترة يتذكر فيها وفرة المياه والقصب الأخضر تعود إلى عام 2021، قبل أن تتوالى موجات الجفاف. وكان يمتلك أكثر من عشرين جاموسة، لكنه فقد نصفها بسبب العطش والمرض، ثم اضطر إلى بيع عدد آخر لتوفير الأعلاف والمياه للحيوانات المتبقية.
ويضيف أن تراجع جودة الحليب نتيجة غياب الغذاء الطبيعي أدى إلى انهيار إنتاج القيمر، الذي كان يمثل مصدر دخل إضافيًا للأسرة. وباتت العائلة تستنزف مدخراتها لشراء المياه والأعلاف، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من القطيع.
أما الابن الأكبر مصطفى، البالغ 23 عامًا، فأصبح المعيل الأساسي للأسرة، إذ يقطع يوميًا مسافة طويلة بدراجته النارية للعمل في محطة كهرباء بمدينة العمارة، مقابل أجر يبلغ نحو 15 دولارًا في اليوم، بالكاد يغطي نفقات الأسرة وتعليم إخوته وشراء المياه.
وفي الحقيقة، حتى الذهاب إلى المدرسة تغير بالنسبة إلى أبناء العائلة؛ فبعد أن كانوا يستقلون قوارب المشحوف لعبور المياه والوصول إلى مدارسهم، باتوا يقطعون مسافات أطول سيرًا على الأقدام وسط الغبار والحرارة.
وبينما تحاول عائلة فليح البقاء في أرضها، يظل مستقبلها مرتبطًا بعودة المياه، ووقف الأنشطة التي تهدد النظام البيئي، ووضع سياسة تضمن حصة مائية ثابتة للأهوار. فاستمرار الجفاف والتوسع النفطي لا يهددان موطنًا طبيعيًا فحسب، بل يضعان أيضًا نمط حياة وثقافة محلية عريقة أمام خطر الاختفاء.
اقرأ المزيد
دمج «وحدات مقاومة سنجار» في مؤسسات العراق.. هل تنتهي صراعات النفوذ وتعود العائلات الإيزيدية؟
أموال النفط العراقي في نيويورك.. كيف منح نظام ما بعد 2003 واشنطن نفوذاً واسعاً على بغداد؟
مجرد عرض تلفزيوني أم معركة حقيقية؟ الشارع العراقي يترقب مصير “الرؤوس الكبيرة” في الدولة..
ملايين الدولارات وتلال من الذهب.. هل تفجر قضية طهند العباسي” أكبر زلزال فساد في العراق؟

