وطن-في خطوة تعكس توجهاً نحو إعادة رسم العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، اتفقت كندا والاتحاد الأوروبي على إطلاق إطار جديد للتعاون يحمل اسم «تحالف المستقبل»، بهدف الارتقاء بالشراكة بين الجانبين إلى مستوى أكثر عمقاً، يشمل التجارة والأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والدفاع والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.
وجاء الاتفاق، بحسب ما أوردته صحيفة «لا راثون» الإسبانية نقلاً عن وكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، في ختام القمة الحادية والعشرين بين كندا والاتحاد الأوروبي، التي استضافتها مدينة مونتريال يومي 29 و30 أكتوبر 2026، بمشاركة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
واتفق الطرفان على توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، فيما أُرجئ تحديد الصيغة السياسية النهائية للعلاقة الجديدة إلى القمة المقبلة المقرر عقدها في أوروبا عام 2027، وسط تحفظات أوروبية على استخدام وصف «العضو المشارك» لكندا.
شراكة متقدمة من دون عضوية في الاتحاد الأوروبي
ينص الإعلان المشترك الصادر في ختام القمة على أن يعمل الجانبان، قبل اجتماعهما المقبل عام 2027، على تحديد نطاق شراكة أكثر قرباً واتساعاً، من دون أن يعني ذلك انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي أو حصولها على عضوية كاملة فيه.
وتسعى بروكسل وأوتاوا من خلال هذا الإطار إلى بناء علاقة أكثر مرونة وعمقاً، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالأمن الاقتصادي، والتحولات التكنولوجية، واضطرابات سلاسل التوريد، إلى جانب الحاجة إلى تنسيق المواقف بين الشركاء الغربيين في مواجهة الأزمات الدولية.
وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، خلال افتتاح القمة، إن الهدف يتمثل في إقامة «أقرب وأعمق وأقوى شراكة أُقيمت على الإطلاق بين الاتحاد الأوروبي ودولة غير أوروبية»، معتبراً أن كندا هي، إلى حد بعيد، الدولة غير الأوروبية الأكثر قرباً من أوروبا.
وأضاف كوستا أن «تحالف المستقبل» يستهدف تعزيز اقتصاد الجانبين، وفتح فرص جديدة أمام المواطنين والشركات، فضلاً عن دعم التعددية الدولية واحترام القانون الدولي، في مرحلة تتسم باضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة.
فون دير لاين: نريد كندا أقرب ما يمكن إلى الاتحاد الأوروبي
من جانبها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إقامة علاقة وثيقة للغاية مع كندا، مشددة على أن الهدف هو الوصول بالتعاون إلى أقصى مستوى ممكن، رغم استحالة انضمام أوتاوا إلى التكتل بوصفها عضواً كاملاً.
وقالت فون دير لاين، وفقاً لما نقلته وكالة «إفي»، إن الاتحاد الأوروبي يريد أن تكون كندا «أقرب ما يمكن» إليه، مع إدراكه أن عضوية كندا الكاملة ليست خياراً مطروحاً.
وتعكس هذه التصريحات التوجه الأوروبي نحو منح أوتاوا وضعاً تعاونياً متقدماً، كان قد طُرح في نقاشات سابقة تحت وصف «العضو المشارك». غير أن هذا التعبير لم يُعتمد في الإعلان الرسمي، بعدما أثار تحفظات لدى بعض الدول الأوروبية، خشية أن يشكل سابقة تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى.
كارني: التقارب مع أوروبا يعزز السيادة الكندية
أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فركز على المكاسب العملية التي يمكن أن تحققها الشراكة الجديدة للمواطنين والشركات، مشيراً إلى أنها ستفتح أسواقاً وفرصاً إضافية، وتعزز المنافسة، وتوفر آفاقاً أوسع أمام الشباب والباحثين والقطاع الخاص.
وقدم كارني التقارب مع الاتحاد الأوروبي باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز السيادة الاقتصادية الكندية والقدرة على مواجهة الأزمات الدولية، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة ومنافسة جيوسياسية متزايدة.
وحدد رئيس الوزراء الكندي مجموعة من المجالات التي ستحتل موقعاً متقدماً في التعاون، من بينها الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، والمعادن الحيوية، والحوسبة الفائقة، والاستدامة، والوقاية من حرائق الغابات.
كما تشمل أجندة الشراكة ملفات التجارة والدفاع والأمن والبحث العلمي والتعليم والتنقل، إلى جانب تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتوسيع فرص التعاون بين المؤسسات والشركات في الجانبين.
المعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي في صدارة الأولويات
وتكتسب الشراكة أهمية استراتيجية خاصة بسبب الدور المتزايد للمعادن الحيوية في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة، إذ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين الخارجيين.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل الموارد الكندية وخبراتها في قطاع التعدين فرصة لتعزيز أمن الإمدادات الأوروبية، فيما يتيح التعاون مع الاتحاد الأوروبي أمام كندا توسيع علاقاتها التجارية والصناعية مع أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم.
ويبرز الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية كذلك ضمن المجالات الرئيسية للتحالف، في ظل سعي الجانبين إلى تعزيز قدراتهما البحثية والتكنولوجية، وتطوير بنية رقمية أكثر تنافسية واستقلالاً.
ولا تقتصر الأهداف على الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ يمتد التعاون إلى الدفاع والأمن وسلاسل الإمداد، بما يعكس رغبة الطرفين في بناء شراكة قادرة على التعامل مع التحديات الدولية المتشابكة.
قمة 2027 ستحدد شكل العلاقة المقبلة
ورغم الاتفاق على إطلاق «تحالف المستقبل»، فإن بعض تفاصيله السياسية والمؤسسية لا تزال قيد البحث، خصوصاً ما يتعلق بتحديد مستوى التقارب الذي يمكن أن تصل إليه كندا مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، من دون منحها صفة العضوية.
ومن المنتظر أن تشكل القمة المقبلة، المقرر عقدها في أوروبا عام 2027، محطة أساسية لاستكمال المفاوضات وتحديد نطاق الشراكة بصورة أكثر وضوحاً.
وبذلك تمثل قمة مونتريال بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين كندا والاتحاد الأوروبي، تقوم على توسيع المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية المشتركة، مع الإبقاء على الحدود السياسية التي تفصل بين الشراكة المتقدمة والعضوية الكاملة في التكتل الأوروبي.
اقرأ المزيد
أزمة الطاقة تضغط على أوروبا.. حروب الخليج وأوكرانيا تدفع التضخم إلى مستويات مقلقة
ميلوني تدعو لتطبيع العلاقات مع واشنطن: قوة الغرب تعتمد على بقاء التحالف بين أوروبا والولايات المتحدة

