وطن-تجد إسرائيل نفسها أمام مأزق سياسي جديد بعد انتخابات لم تمنح أي معسكر أغلبية برلمانية واضحة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، وسط ترقب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة «بوبليكو» الإسبانية في 28 أكتوبر، فإن تعثر بنيامين نتنياهو في ضمان أغلبية تتيح له تشكيل حكومة جديدة يضع قرار استئناف الحرب على إيران أمام حسابات داخلية وإقليمية متشابكة، تتجاوز حدود المنافسة السياسية الإسرائيلية إلى مستقبل الدعم الأميركي لسياسات التصعيد في الشرق الأوسط.
ولا تعني الأزمة السياسية بالضرورة تغييراً جذرياً في النهج الأمني الإسرائيلي، إذ يتبنى نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت مواقف متشددة تجاه إيران، رغم اختلافهما في بعض الخيارات السياسية وإدارة العلاقات مع الأحزاب العربية داخل إسرائيل.
انتخابات بلا أغلبية تحسم الصراع على السلطة
أظهرت النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية، التي جرت في 27 أكتوبر، تقدّم المعسكر الذي يقوده حزب الليكود بزعامة نتنياهو، من دون أن يتمكن من تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
ومع فرز نحو 90 في المئة من الأصوات، كان معسكر نتنياهو يتجه إلى الحصول على نحو 53 مقعداً في الكنيست، مقابل 48 مقعداً للمعسكر المعارض بقيادة غادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار». وتحتاج أي حكومة إلى دعم 61 نائباً على الأقل في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً.
ويواجه نتنياهو تحدياً إضافياً يتمثل في تراجع حجم المعسكر اليميني مقارنة بتركيبته السابقة، بينما يحاول آيزنكوت استثمار النتائج لتشكيل حكومة تستبعد رئيس الوزراء الحالي، رغم أن المعارضة نفسها لا تتبنى موقفاً موحداً من التحالف مع الأحزاب العربية.
الأحزاب العربية في موقع حاسم
برزت الأحزاب العربية باعتبارها أحد أهم عوامل التوازن في المشهد السياسي الجديد، بعدما أشارت النتائج الأولية إلى إمكانية حصولها مجتمعة على نحو 19 مقعداً، في تقدم لافت يمنحها وزناً تفاوضياً كبيراً.
لكن الطريق أمام أي اتفاق مع المعارضة ليس سهلاً. فقد أبدت أحزاب عدة في المعسكر المنافس لنتنياهو تحفظات على الاعتماد على النواب العرب، بينما تختلف مواقف هذه الأحزاب بشأن الحرب في غزة، والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتعامل مع إيران ولبنان.
وفي هذا السياق، دعا يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» اليساري، إلى تجاوز الانقسام بين الأصوات اليهودية والعربية، وفق ما نقلته «بوبليكو». غير أن آيزنكوت يواجه معضلة تتعلق بمواقفه الصهيونية وتأييده لخيارات عسكرية إسرائيلية، وهو ما قد يصعّب التوصل إلى تفاهم سياسي مستقر مع الأحزاب العربية.
نتنياهو يبحث عن حلفاء لتفادي الخروج من السلطة
في ظل غياب أغلبية واضحة، تبدو أمام نتنياهو عدة خيارات، من بينها استمالة نواب أو أحزاب صغيرة من خارج معسكره، أو محاولة إقناع منافسين بالانضمام إلى ائتلاف موسع. لكن هذه المساعي تصطدم بخلافات سياسية عميقة، وبالانتقادات التي يواجهها بشأن إدارته للحرب والأزمات الداخلية وملفات الفساد الملاحقة له.
وفي المقابل، قد يسعى آيزنكوت إلى استقطاب قوى إضافية من أجل تشكيل حكومة بديلة، لكنه يحتاج إلى معالجة الخلافات داخل معسكره بشأن التعاون مع الأحزاب العربية، فضلاً عن التباينات حول السياسات الأمنية.
وتشير هذه المعادلة إلى أن نتيجة الانتخابات لم تحسم الصراع على السلطة، بل نقلته إلى مرحلة المفاوضات، حيث يمكن للتحالفات الجديدة أو الانشقاقات داخل الكتل البرلمانية أن تحدد شكل الحكومة المقبلة.
الحرب على إيران بين الحسابات الإسرائيلية والضغوط الأميركية
لا تقتصر تداعيات الأزمة السياسية على مستقبل الحكومة الإسرائيلية، بل تمتد إلى قرار استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، في ظل ارتباط المواجهة بالتنسيق بين تل أبيب وواشنطن.
وبحسب تقرير «بوبليكو»، بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، ثم دخلت المواجهة مرحلة من التراجع النسبي في الهجمات المباشرة، فيما ظلت تداعياتها الإقليمية والاقتصادية قائمة، خصوصاً مع اضطراب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز وامتداد التوترات إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
ويجعل هذا الموقف موعد الانتخابات الأميركية محطة مهمة في حسابات التصعيد، لكنه لا يعني أن استئناف الحرب أصبح أمراً محسوماً بعدها؛ إذ سيظل القرار مرتبطاً بنتائج الاتصالات السياسية، والتقديرات العسكرية، ومواقف الأطراف المعنية.
آيزنكوت ليس بديلاً رافضاً للحرب
رغم تقديم آيزنكوت نفسه بوصفه بديلاً سياسياً لنتنياهو، لا تشير مواقفه، بحسب تحليل «بوبليكو»، إلى تحول جذري في السياسة الأمنية الإسرائيلية، خصوصاً في ما يتعلق بإيران.
فالمنافسة بين الرجلين لا تدور بالضرورة حول الاختيار بين الحرب والسلام، بل تشمل أيضاً إدارة المواجهة، وتحديد أهدافها، وطريقة التعامل مع الولايات المتحدة، إلى جانب الخلافات بشأن تشكيل الحكومة والتحالفات البرلمانية.
وتشير الصحيفة إلى أن آيزنكوت انتقد نتنياهو في بعض المراحل بسبب وقف الهجمات على إيران استجابة للضغوط الأميركية، لكنه قد يكون أكثر استعداداً لاستخدام المسار الدبلوماسي ضمن مقاربة أوسع. ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات للقول إن وصوله إلى رئاسة الحكومة سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء المواجهة.
حكومة وحدة وطنية أم تصعيد يفرض واقعاً جديداً؟
من بين السيناريوهات المطروحة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم قوى من المعسكرين المتنافسين، على أساس التعامل مع الملف الإيراني والتحديات الأمنية. غير أن هذا الاحتمال يواجه عقبة أساسية تتمثل في رفض آيزنكوت التحالف مع نتنياهو ما دام الأخير على رأس الحكومة.
وفي المقابل، يحذر تحليل «بوبليكو» من احتمال استغلال نتنياهو التوترات الأمنية لتعزيز موقعه السياسي، عبر الدفع نحو حكومة طوارئ أو توسيع العمليات العسكرية قبل اكتمال مفاوضات تشكيل الحكومة. لكن هذا يبقى سيناريو تحليلياً، وليس قراراً معلناً أو تطوراً مؤكداً.
وقد يؤدي أي تصعيد جديد إلى تعقيد المفاوضات الداخلية، إذ سيضع الأحزاب أمام اختبار يتعلق بمواقفها من الحرب، ومدى استعدادها لدعم حكومة تقود مواجهة إقليمية واسعة.
غزة والضفة الغربية تزيدان تعقيد المشهد
إلى جانب إيران، ستظل الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية من أبرز الملفات التي قد تؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة.
فالأحزاب العربية قد تجعل معالجة الأوضاع الإنسانية في غزة ووقف التوسع الاستيطاني من شروطها لأي تفاهم سياسي، بينما تتمسك قوى اليمين بمواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين. وقد يفتح هذا التباين الباب أمام خلافات داخل أي ائتلاف جديد، حتى إذا نجح في الحصول على دعم برلماني كافٍ.
وتشير «بوبليكو» إلى أن تعثر تشكيل الحكومة قد يدفع نتنياهو إلى محاولة استرضاء حلفائه اليمينيين عبر مواقف أكثر تشدداً في الأراضي الفلسطينية. غير أن طبيعة الخطوات المقبلة ستتوقف على موازين القوى داخل الكنيست وعلى تطورات الحرب والضغوط الدولية.
انتخابات أميركا محطة مفصلية وليست ضمانة لوقف الحرب
في المحصلة، تتداخل الأزمة السياسية الإسرائيلية مع الحسابات الأميركية والإقليمية، لتجعل مستقبل المواجهة مع إيران مرتبطاً بسلسلة من القرارات المتشابكة. فنتنياهو يحتاج إلى تجاوز مأزق الأغلبية البرلمانية، فيما يواجه ترامب ضغوطاً داخلية مرتبطة بكلفة الحرب وأسعار الطاقة وموازين القوى في الكونغرس.
وقد تؤثر نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر في هامش المناورة المتاح للإدارة الأميركية، لكن لا يمكن الجزم بأنها ستحدد وحدها مصير الحرب. فحتى مع تغير التوازنات السياسية في واشنطن أو تل أبيب، ستظل احتمالات التصعيد أو التهدئة مرتبطة بمسار المفاوضات والقرارات العسكرية ومواقف الأطراف الإقليمية.
وهكذا، لا يكمن المأزق في تعثر تشكيل الحكومة الإسرائيلية وحده، بل في تزامن هذا التعثر مع مواجهة إقليمية مفتوحة، تجعل كل تحرك سياسي داخلي قابلاً لأن ينعكس على حسابات الحرب والسلام في الشرق الأوسط.
اقرأ المزيد
واشنطن تحذّر دول الخليج من ضربة جديدة لإيران.. هل تقترب مواجهة عسكرية بعد الانتخابات الأمريكية؟
عُمان تدعو إلى ميثاق أمني موحد يجمع دول الخليج والعراق وإيران لتعزيز استقرار المنطقة
قاليباف يهدد واشنطن وعراقجي يغيّر المعادلة.. ماذا تخطط إيران لمضيق هرمز؟

