وطن-أفرجت السلطات الإسرائيلية، الأحد 25 أكتوبر 2026، عن الطبيب الفلسطيني مازن الرنتيسي، البالغ من العمر 71 عامًا، بعد نحو أربعة أشهر من اعتقاله في الضفة الغربية المحتلة، في قضية أعادت تسليط الضوء على أوضاع الأطباء الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، وسط اتهامات بسوء المعاملة والحرمان من العلاج.
وظهرت على الرنتيسي، عقب الإفراج عنه، علامات إنهاك شديد وجرح بارز في جبينه، وفق صور وتقارير إعلامية فلسطينية ودولية. وأفادت عائلته بأنه فقد نحو 25 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترة الاحتجاز، فيما تحدثت شهادات سابقة نقلتها مؤسسات فلسطينية حقوقية عن حرمانه من أدويته المعتادة وعدم الاستجابة لطلباته المتكررة لمقابلة طبيب.
ويُعرف الرنتيسي بين الفلسطينيين بلقب «طبيب الفقراء»، بعدما أمضى سنوات في تقديم الرعاية الطبية للفئات محدودة الدخل في رام الله والقرى المحيطة بها، مخففًا رسوم المعاينات، وموفرًا الأدوية للمرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج.
أربعة أشهر من الاعتقال وشكاوى بشأن ظروف الاحتجاز
اعتقلت القوات الإسرائيلية الرنتيسي خلال مداهمة لمنزله في حي الطيرة بمدينة رام الله، فجر 21 يونيو 2026، ضمن حملة اعتقالات شملت فلسطينيين آخرين في المحافظة. وأكدت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» أن الاعتقال جاء عقب اقتحام منازل وتفتيشها.
وفي 25 أكتوبر، قالت ابنته سيلفيا الرنتيسي لصحيفة «الترا فلسطين» إن المحكمة العسكرية الإسرائيلية في عوفر قررت الإفراج عن والدها، بعد أن أمضى أربعة أشهر وأربعة أيام في الاحتجاز. وكان لا يزال في سجن جانوت في النقب بانتظار استكمال إجراءات الإفراج عنه.
وخلال فترة اعتقاله، نقلت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية عن محاميته تفاصيل تتعلق بظروف احتجازه، من بينها حرمانه من أدويته المعتادة خلال الأيام العشرة الأولى، وعدم استجابة إدارة السجن لطلباته المتعلقة بالفحص الطبي.
كما تحدثت الشهادات عن نقص الطعام وسوء جودته، والاكتظاظ داخل الزنازين، والقيود والإهانات المتكررة، فضلًا عن اعتداءات جسدية خلال مداهمات غرف الأسرى. وهذه الإفادات تمثل شهادات من المعتقل ومحاميته والجهات الفلسطينية المعنية، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من كل تفاصيلها.
لماذا اعتُقل «طبيب الفقراء»؟
إلى جانب عمله الطبي، يتولى الرنتيسي رئاسة مجلس إدارة اتحاد لجان العمل الصحي، وهي مؤسسة فلسطينية غير ربحية تقدم خدمات طبية لشرائح واسعة من السكان، خصوصًا في المناطق التي تعاني نقصًا في الخدمات الصحية.
ووفق ما أوردته صحيفة «الغارديان» البريطانية في يونيو الماضي، ارتبطت خلفية الاعتقال على الأرجح بمنصبه في المؤسسة، التي صنفها الجيش الإسرائيلي «جمعية غير قانونية» عام 2020، قبل أن يغلق الجيش مقرها في البيرة عام 2022. ومع ذلك، ظلت المؤسسة مسجلة لدى وزارة الداخلية الفلسطينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات الإسرائيلية لم توضح أسباب الاعتقال عند وقوعه، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن توجيه اتهامات للرنتيسي تتصل برئاسته مجلس إدارة المؤسسة. ولم يكن مجرد توليه المنصب، في حد ذاته، دليلًا على ارتكاب مخالفة جنائية، كما أن تصنيف المؤسسة إسرائيليًا لا يلغي تسجيلها القانوني لدى السلطة الفلسطينية.
وأثار اعتقال الطبيب استياء بين مرضاه وزملائه، الذين أطلقوا حملات تضامن للمطالبة بالإفراج عنه والكشف عن ظروف احتجازه، مؤكدين أن غيابه حرم فئات محدودة الدخل من طبيب اعتادت الاعتماد عليه في الحصول على الرعاية بأسعار ميسرة.
اتهامات بالحرمان من العلاج وسوء المعاملة
كانت هيئة شؤون الأسرى والمحررين قد حذرت، في أغسطس الماضي، من تدهور أوضاع الرنتيسي الصحية والإنسانية داخل السجن، بعدما نقل محاميه إفادات عن حرمانه من الأدوية، ورفض طلباته لرؤية طبيب، وفقدانه قدرًا كبيرًا من وزنه.
ووفق روايته، لم يقتصر الأمر على صعوبات الحصول على العلاج، بل شمل ظروفًا معيشية قاسية داخل الزنزانة، بما في ذلك الاكتظاظ ونقص مستلزمات النظافة وسوء الطعام. وقالت الهيئة إن هذه الشهادات تثير مخاوف بشأن سلامة الطبيب وبقية المعتقلين.
ويعيد ظهور الرنتيسي بعد الإفراج عنه فتح التساؤلات بشأن الأثر الصحي للاحتجاز المطول، ولا سيما عندما يترافق مع شكاوى من عدم توافر العلاج اللازم أو تأخير الفحص الطبي. ومع ذلك، فإن تحديد طبيعة الإصابات التي ظهرت عليه وأسبابها الطبية يتطلب تقييمًا مستقلًا، إلى جانب التحقيق في الشهادات المتعلقة بسوء المعاملة.
اعتقال العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني
لا تأتي قضية الرنتيسي بمعزل عن مخاوف أوسع بشأن اعتقال الأطباء والممرضين والمسعفين الفلسطينيين خلال الحرب على قطاع غزة، وفي الضفة الغربية المحتلة.
وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» في بيان نشرته في 6 أكتوبر 2026 إن أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي قُتلوا خلال الحرب على غزة، وإن مئات آخرين اعتُقلوا دون توجيه اتهامات، محذرة من أن استهداف العاملين الصحيين واحتجازهم ينعكس مباشرة على قدرة المرافق الطبية على تقديم الرعاية للمرضى والجرحى.
وفي سياق متصل، دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في يوليو الماضي، إلى الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان السابق في شمال قطاع غزة، أو توجيه تهمة جنائية معترف بها إليه وضمان محاكمة عادلة. وقال المكتب إن المعلومات المتاحة لديه تشير إلى تعرضه لسوء المعاملة والعنف والحرمان من الرعاية الطبية خلال احتجازه.
وتعكس قضية أبو صفية، إلى جانب قضية الرنتيسي، المخاوف التي تثيرها منظمات حقوقية بشأن ظروف احتجاز العاملين في القطاع الصحي، وضمان وصولهم إلى الرعاية الطبية، والالتزام بالضمانات القانونية للمحتجزين.
حسام أبو صفية.. طبيب لا يزال محتجزًا
من بين أبرز الأطباء الفلسطينيين الذين ظلوا محتجزين في السجون الإسرائيلية الدكتور حسام أبو صفية، الذي كان يدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة قبل اعتقاله في ديسمبر 2024.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اعتُقل أبو صفية بعد رفضه إخلاء المستشفى بينما كان يعالج مرضى في حالة حرجة، وظل محتجزًا دون محاكمة حتى صدور آخر تحديث أممي بشأن قضيته في يوليو 2026. وطالب المكتب بتوفير رعاية طبية مستقلة له، محذرًا من أن التقارير المتعلقة بظروف احتجازه تثير مخاوف جدية بشأن سلامته الجسدية وحقوقه القانونية.
وتستمر الدعوات الحقوقية للإفراج عنه أو تقديمه إلى محاكمة تستوفي الضمانات القانونية، بالتوازي مع مطالب أوسع بالكشف عن مصير العاملين الصحيين المحتجزين وضمان حمايتهم من التعذيب وسوء المعاملة.
الإفراج عن الرنتيسي يعيد ملف المعتقلين الصحيين إلى الواجهة
يمثل الإفراج عن مازن الرنتيسي نهاية مرحلة من الاعتقال بالنسبة إليه، لكنه لا ينهي الأسئلة المتعلقة بظروف احتجازه أو بمصير بقية الأطباء والعاملين الصحيين الفلسطينيين الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية.
كما تسلط قضيته الضوء على الدور الذي تؤديه المؤسسات الطبية الفلسطينية في توفير العلاج للفئات الأكثر هشاشة، وعلى أثر اعتقال الأطباء في المرضى الذين يعتمدون عليهم، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا نقصًا في الخدمات الصحية.
وبين شهادات المعتقلين السابقين وتقارير المنظمات الطبية والحقوقية، تتواصل الدعوات إلى التحقيق في ادعاءات التعذيب والإهمال الطبي، وضمان حصول جميع المحتجزين على العلاج والرعاية اللازمة، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، بما يتفق مع أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان.
اقرأ المزيد
وفاة معتقل فلسطيني في سجن عوفر بعد 11 شهراً من الاعتقال الإداري.. عائلة معتز الأطرش تنتظر تفسيراً
“أحضروني لكي يقتلوني”.. صرخة الطبيب حسام أبو صفية من داخل السجن تثير صدمة ومخاوف حقوقية
برداء طبيب وزنزانة “مقاتل غير قانوني”.. كيف يواجه حسام أبو صفية التصفية الجسدية في سجن نفحة؟

