وطن-مع اقتراب الحديث عن مرحلة ما بعد عام 2030، فتحت مبادرة رقمية أطلقها ناشطون مصريون من حركة «جيل زد» نقاشاً مبكراً حول هوية الرئيس المقبل لمصر، بعدما دعت المواطنين إلى ترشيح شخصيات يرونها جديرة بتولي الرئاسة، عبر بوتات على تطبيق تلغرام، قالت الحركة إن أحدها تعرض للحجب داخل البلاد.
وتأتي المبادرة بعد أيام من إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن ولايته ستنتهي عام 2030، بالتزامن مع طرحه برنامجاً لتأهيل قيادات محتملة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، قد يكون من بينها مرشحون لتولي الرئاسة ومناصب قيادية أخرى في الدولة.
وبين المسار الذي اقترحه السيسي لإعداد كوادر مؤهلة، والمبادرة الرقمية التي أطلقها ناشطون لجمع أسماء مرشحين من الجمهور، يبرز سؤال سياسي يتجاوز هوية الرئيس المقبل: كيف ستُحدَّد خيارات المصريين في مرحلة ما بعد السيسي، وما الدور الذي ستلعبه المؤسسات الرسمية والمواطنون في رسم ملامحها؟
السيسي يحسم موقفه من 2030 ويطرح برنامجاً لإعداد القيادات
في 17 أكتوبر 2026، أعلن السيسي، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، أن ولايته الرئاسية ستنتهي في عام 2030، مؤكداً أنه لا يعتزم تعديل الدستور لتمديد بقائه في منصبه. وقال، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية: «في 2030 ستنتهي مدتي في حكم البلد، إذا كنت عايش، وهذا الأمر محسوم تماماً ولن نتحدث فيه مرة أخرى».
لكن الإعلان عن موعد انتهاء الولاية جاء مصحوباً بمقترح لإعداد جيل جديد من القيادات. إذ تحدث السيسي عن برنامج تأهيلي يمتد 30 شهراً داخل الأكاديمية العسكرية، ويستهدف مرشحين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً، من حاملي شهادات الدكتوراه من جامعات مصرية أو أجنبية مرموقة، مع إخضاع المتقدمين لاختبارات قبول.
وأوضح أن البرنامج لن يقتصر على إعداد مرشحين محتملين للرئاسة، بل سيشمل تأهيل أشخاص لتولي مناصب حكومية وقيادية، من بينها الوزارات والمحافظات والبرلمان ومؤسسات الدولة المختلفة.
وبحسب التفاصيل التي نشرتها صحيفة «الأهرام أونلاين»، اقترح السيسي تشكيل لجنة يشرف عليها رئيس مجلس النواب، وتضم شخصيات فكرية وسياسية ووزيري التعليم العالي والعدل، لوضع معايير الاختيار وإعداد مشروع قانون ينظم العملية. كما أشار إلى إمكان إعفاء من عملوا في الوزارات ست سنوات أو أكثر من بعض متطلبات البرنامج، بسبب خبرتهم العملية.
ورغم إعلان هذه الخطوط العامة، فإن المقترح لا يعني أن قائمة رسمية ونهائية للمرشحين قد أُعدت بالفعل، كما أن تحديد شروط الترشح وآليات الاختيار والانتقال من البرنامج التدريبي إلى المنافسة الانتخابية يتطلب تفاصيل قانونية وإجرائية إضافية.
«جيل زد» تطلق مبادرة لترشيح الرئيس المقبل
في المقابل، أطلق ناشطون مرتبطون بحركة «جيل زد» المعروفة باسم «GenZ002» مبادرة رقمية لاستقبال ترشيحات المصريين للشخصيات التي يرون أنها مؤهلة لتولي رئاسة الجمهورية. واعتمدت المبادرة على بوتات عبر تطبيق تلغرام، تتيح للمستخدمين اقتراح أسماء في المرحلة الأولى، تمهيداً لفرز الترشيحات واختيار مجموعة من الشخصيات للانتقال إلى تصويت إلكتروني لاحق، وفق الخطة التي أعلنها القائمون على المبادرة.
وتقول الحركة إن هدفها إتاحة مساحة للمواطنين للتعبير عن خياراتهم بشأن مرحلة ما بعد 2030، بدلاً من حصر النقاش في الأسماء التي قد تطرحها المؤسسات الرسمية أو الدوائر السياسية التقليدية. ووفق ما أعلنه الناشط المصري أنس حبيب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، تلقت المبادرة آلاف الترشيحات خلال الساعات الأولى من إطلاقها. وقال إن العدد تجاوز عشرة آلاف ترشيح خلال عشر ساعات، ثم ارتفع إلى أكثر من 15 ألفاً عبر بوتين خلال 48 ساعة.
وتظل هذه الأرقام معلنة من جانب القائمين على المبادرة، ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة. كما أنها تشير إلى عدد الترشيحات التي قال المنظمون إنهم تلقوها، ولا تمثل بالضرورة عدد أشخاص مختلفين شاركوا أو نسبة من المصريين يؤيدون مرشحاً بعينه. وتخطط الحركة، بحسب ما أعلنته، لاستمرار استقبال الأسماء لمدة ثلاثة أيام قبل إطلاق موقع للتصويت على قائمة يجري إعدادها بعد مرحلة الترشيح.
الحركة تقول إن بوتاً حُجب داخل مصر
لم يتوقف الجدل عند إطلاق المبادرة، إذ أعلن أنس حبيب أن بوت استقبال الترشيحات الأصلي تعرض للحجب داخل مصر، قبل أن يعلن القائمون على المبادرة إطلاق بدائل رقمية لاستمرار استقبال الأسماء. وتناولت تقارير منشورة في مواقع معارضة مصرية هذه التطورات، ونقلت ادعاء الحركة بأن البوت الأول لم يعد متاحاً للمستخدمين داخل البلاد، وأنها اضطرت إلى إنشاء بوتات بديلة لمواصلة المبادرة. لكن لم يظهر تأكيد مستقل يحدد الجهة التي نفذت الحجب أو يثبت صدور قرار رسمي بهذا الشأن.
كما لم يُعلن تفسير رسمي يوضح سبب عدم إتاحة البوت، إن كان ذلك نتيجة حجب متعمد أو مشكلة تقنية أخرى. ومن ثم، فإن الأدق وصف ما حدث بأنه حجب قالت الحركة إنها تعرضت له، لا الجزم بأن السيسي أصدر شخصياً أمراً بحظر البوتات أو بأن السلطات استهدفتها رسمياً بسبب المبادرة. ومع ذلك، فإن الانتقال السريع إلى بدائل رقمية يوضح أن القائمين على الحملة يسعون إلى مواصلة جمع الترشيحات رغم العقبات التي يقولون إنهم واجهوها.
هل يمثل التصويت الرقمي انتخابات رئاسية موازية؟
تستخدم الحركة تعبير «الانتخابات الرئاسية المؤقتة» لوصف مبادرتها، لكن المرحلة المعلنة حتى الآن تقوم على استقبال الترشيحات ثم تنظيم تصويت إلكتروني بين الأسماء التي ستُختار لاحقاً. وهذا النوع من المبادرات يختلف عن الانتخابات الرئاسية الرسمية؛ فهو لا يشكل إجراءً دستورياً لاختيار رئيس الجمهورية، ولا يحل محل الآليات القانونية المنظمة للترشح والاقتراع وإعلان النتائج.
وتكمن أهميته السياسية في قدرته على فتح نقاش عام حول الشخصيات التي يراها المشاركون مناسبة للقيادة، وإظهار الأسماء التي تحظى باهتمام داخل الدائرة التي تصل إليها المبادرة. لكن نتائجها، حتى إن حصدت مشاركة واسعة، لا يمكن اعتبارها تمثيلاً شاملاً لإرادة الناخبين المصريين من دون معرفة حجم المشاركة، وتركيبة المشاركين، وطريقة التحقق من الأصوات، ومدى منع التكرار أو التلاعب.
كما أن الترشيح الشعبي عبر بوت لا يعني أن الشخص المقترح وافق على الترشح رسمياً أو أنه يستوفي الشروط القانونية اللازمة لخوض الانتخابات الرئاسية. وبذلك، فإن المبادرة تمثل محاولة للتأثير في النقاش بشأن الخلافة السياسية، بينما تظل الانتخابات الرسمية خاضعة للقواعد الدستورية والقانونية المعمول بها في مصر.
من يحدد ملامح مرحلة ما بعد السيسي؟
تتقاطع المبادرة الرقمية مع مقترح الأكاديمية العسكرية في نقطة أساسية: كلاهما يفتح باب النقاش بشأن الأشخاص الذين قد يتولون قيادة الدولة بعد انتهاء ولاية السيسي المعلنة.
لكن المسارين يختلفان في طبيعة الاختيار. فالمقترح الرئاسي يبدأ بتحديد شروط للقبول في برنامج تأهيلي، يشمل العمر والمؤهلات العلمية أو الخبرة الحكومية، ثم يتحدث عن إتاحة مجموعة مؤهلة للمصريين للاختيار من بينها.
أما مبادرة «جيل زد»، فتبدأ من ترشيحات يقدمها المستخدمون، ثم تعتزم الانتقال إلى تصويت إلكتروني غير رسمي. ولا توجد حتى الآن معلومات كافية لإثبات وجود تنسيق بين المسارين أو أن قائمة المرشحين التي ستنتجها المبادرة الرقمية ستكون مرتبطة بأي برنامج حكومي.
وقد تناول محللون إعلان السيسي باعتباره تطوراً غير معتاد في طريقة الحديث عن الخلافة السياسية، خصوصاً أن البرنامج المقترح يجري داخل مؤسسة عسكرية. واعتبر تحليل نشره مركز تشاتام هاوس أن المؤسسة العسكرية ستظل ذات نفوذ مهم في عملية اختيار القيادة المقبلة، بينما أشار إلى أن التفاصيل المتعلقة بالآليات القانونية وشروط الدخول في المنافسة ما زالت غير مكتملة.
لكن تحديد مدى تأثير البرنامج فعلياً في الانتخابات المقبلة يتوقف على قواعده النهائية، وطريقة اختيار المقبولين، وما إذا كان التأهيل سيُعامل بوصفه مساراً تفضيلياً للترشح أم تدريباً عاماً للقيادات.
خلفية من القيود على النشاط الرقمي
تأتي المبادرة في سياق سبق أن أثار فيه نشاط حركة «GenZ002» على الإنترنت اهتماماً واسعاً. ففي يوليو 2026، دعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى الإفراج عن عشرات الأشخاص الذين قالت إنهم اعتُقلوا بسبب ارتباطهم بمجموعة للحركة على منصة «ديسكورد» ودعواتها إلى التغيير السياسي.
وذكرت المنظمة أن السلطات احتجزت ما لا يقل عن 50 شخصاً، بينهم تسع نساء، على خلفية ارتباطهم بالمجموعة، وأن بعضهم خضع للتحقيق في قضايا تتضمن اتهامات متعلقة بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة. وهذه الوقائع تتعلق بملف سابق، ولا تثبت أن هناك اعتقالات مرتبطة مباشرة بمبادرة ترشيح الرئيس التي أُطلقت في أكتوبر.
ويضيف هذا السياق بعداً مهماً للنقاش بشأن المبادرات السياسية الرقمية في مصر، حيث يمكن لأدوات التواصل أن تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم وتنظيم النقاش، لكنها قد تواجه أيضاً مخاطر تتعلق بالخصوصية أو القيود على النشاط السياسي. ومن جهة أخرى، فإن ضمان سرية المشاركات وأمانها الرقمي يحتاج إلى إجراءات واضحة، خصوصاً حين تتعلق البيانات بأسماء أشخاص يطرحون خيارات سياسية أو يبدون مواقف بشأن مستقبل السلطة.
معركة الخلافة تبدأ بالنقاش.. لكن حسمها تحكمه القواعد
بعد إعلان السيسي أن ولايته ستنتهي عام 2030، وطرحه برنامجاً لإعداد القيادات داخل الأكاديمية العسكرية، أظهرت مبادرة «جيل زد» أن النقاش بشأن الرئيس المقبل بدأ يظهر أيضاً خارج المؤسسات ا لرسمية، عبر أدوات رقمية تسعى إلى جمع ترشيحات المواطنين.غير أن حجم الترشيحات المعلن لا يحسم وحده مدى تمثيل المبادرة للرأي العام، كما أن ادعاء حجب بوتات الترشيح لا يثبت بمفرده الجهة المسؤولة أو دوافعها.
ويبقى الاختبار الأهم في السنوات المقبلة متعلقاً بالقواعد التي ستنظم المنافسة على الرئاسة: هل سيكون الوصول إلى الترشح متاحاً وفق شروط قانونية واضحة ومتساوية، وهل سيتمكن الناخبون من الاختيار بين مرشحين متعددين في منافسة فعلية؟
وبين إعداد قيادات عبر برنامج حكومي ومبادرة رقمية تجمع أسماء مرشحين مقترحين، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: من سيحدد الخيارات المتاحة للمصريين في انتخابات 2030، وكيف ستُترجم هذه الخيارات إلى منافسة انتخابية رسمية؟
اقرأ أيضاً
السيسي يحسم موقفه من الرحيل في 2030: «الدستور المصري لن يُمس»
الديون والضرائب وتراجع الجنيه.. من يتحمل كلفة السياسات الاقتصادية في مصر؟
من «السيد الرئيس» إلى «فخامة الرئيس الزعيم».. جدل جديد حول الخطاب الإعلامي في مصر

