وطن-هل يمكن أن تساعد الشخصية الإنسان على التقدم في العمر بصحة أفضل؟ إلى جانب العوامل الوراثية والغذاء والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية، بدأ الباحثون يدرسون دور السمات النفسية في الشيخوخة الناجحة. ومن بين السمات التي لفتت الانتباه الانفتاح على التجربة، أي الفضول والرغبة في التعلم وتقبّل الأفكار والأنشطة الجديدة.
وأظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة كالياري الإيطالية على كبار السن في جزيرة سردينيا أن المقيمين في ما يُعرف بـ«المنطقة الزرقاء» سجلوا مستويات أعلى من الانفتاح على التجربة، إلى جانب مهارات أفضل في التعامل مع الضغوط وممارسة أنشطة ترفيهية وذهنية أكثر تنوعًا. لكن الباحثين لم يثبتوا أن هذه السمات تطيل العمر مباشرة؛ إذ ركزت الدراسة على الشخصية والرفاه النفسي وجودة الحياة لدى كبار السن.
في سردينيا.. كبار السن الأكثر انفتاحًا يمارسون أنشطة أكثر
نشرت مجلة «المجلة الدولية لعلم النفس الإيجابي التطبيقي» في يوليو 2026 دراسة أجرتها باحثون من جامعة كالياري الإيطالية، بهدف فهم العلاقة بين سمات الشخصية وجودة الحياة والرفاه النفسي في مراحل العمر المتقدمة.
وشملت الدراسة 125 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 71 و101 عام، بمتوسط عمر بلغ نحو 80 عامًا. وكان 55 مشاركًا من سكان المنطقة الزرقاء في سردينيا، بينما أقام 70 آخرون في منطقة ريفية مجاورة لا تُصنّف ضمن المناطق الزرقاء. وخضع المشاركون لاختبارات معرفية واستبيانات تناولت الشخصية والصحة والأنشطة اليومية والرفاه النفسي.
وبلغ متوسط الوقت المخصص لهذه الأنشطة 11.3 ساعة أسبوعيًا لدى المشاركين من المنطقة الزرقاء، مقابل 6.8 ساعات لدى سكان المنطقة الريفية المجاورة. وشملت الأنشطة القراءة والبستنة وغيرها من الهوايات التي تحفز النشاط الذهني والجسدي.
ومع ذلك، لم تجد الدراسة فرقًا ذا دلالة إحصائية في جودة الحياة المرتبطة بالصحة بين المجموعتين. كما أن حجم العينة وطبيعة الدراسة، التي رصدت المشاركين في فترة زمنية محددة، لا يسمحان باستنتاج أن الانفتاح على التجربة هو السبب المباشر لطول العمر.
ما معنى الانفتاح على التجربة؟
يُعد الانفتاح على التجربة أحد أبعاد نموذج السمات الخمس الكبرى في علم النفس، إلى جانب الانبساط، والقبول، والضمير الحي، والعصابية. ويشير هذا البعد إلى الميل إلى الفضول واستكشاف الأفكار الجديدة وتقبّل التجارب غير المألوفة والرغبة في التعلم. وقد يظهر في الاهتمام بالقراءة، أو تعلم مهارة جديدة، أو تجربة هواية مختلفة، أو بناء علاقات اجتماعية خارج الدائرة المعتادة.
وتوضح نتائج دراسة سردينيا أن الانفتاح على التجربة كان مرتبطًا بممارسة أنشطة أكثر وبمستويات أفضل من الرفاه النفسي لدى المشاركين عمومًا، بعد مراعاة العمر والمستوى التعليمي. كما ارتبطت سمة الضمير الحي، التي تشمل التنظيم والمثابرة وتحمل المسؤولية، بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة. في المقابل، ارتبطت العصابية، أي الميل إلى القلق والمشاعر السلبية، بجودة حياة صحية أقل.
لكن هذه الارتباطات لا تعني أن سمة شخصية بعينها تحدد مصير الإنسان الصحي، أو أن الأشخاص الأكثر انفتاحًا سيعيشون بالضرورة مدة أطول من غيرهم.
ماذا وجدت دراسة المعمّرين في طوكيو؟
لا تقتصر الأبحاث المتعلقة بالشخصية والعمر المتقدم على سردينيا. فقد تناولت دراسة يابانية نُشرت عام 2006 العلاقة بين سمات الشخصية وطول العمر لدى معمّرين من سكان طوكيو.
وشملت الدراسة 70 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 100 و106 أعوام، ويتمتعون بسلامة معرفية، إلى جانب مجموعة مقارنة ضمت 1812 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 60 و84 عامًا. واستخدم الباحثون استبيان السمات الخمس الكبرى لتقييم الشخصية ومقارنة النتائج بين المجموعات.
وافترض الباحثون أن هذه السمات قد ترتبط بسلوكيات مفيدة للصحة، وبالتعامل مع الضغوط والتكيف مع تحديات التقدم الشديد في العمر. لكن الدراسة لا تثبت أن تلك السمات هي التي تسببت في طول أعمار المشاركين، ولا يمكن الجزم بأن نتائجها تنطبق على جميع المجتمعات أو الفئات العمرية.
كيف قد يرتبط الفضول بالشيخوخة الناجحة؟
هناك عدة تفسيرات محتملة للعلاقة بين الانفتاح على التجربة والرفاه النفسي في العمر المتقدم، أولها أن الأشخاص الأكثر فضولًا قد يكونون أكثر استعدادًا لممارسة أنشطة ذهنية وبدنية، وتجربة هوايات جديدة، والحفاظ على التواصل الاجتماعي. ويمكن لهذه الأنشطة أن تمنحهم بنية يومية وشعورًا بالهدف والانتماء. أما التفسير الثاني، فيتعلق بالقدرة على التكيف. فالرغبة في تجربة أساليب جديدة والتعامل بمرونة مع التغيرات قد تساعد كبار السن على إيجاد بدائل تناسب قدراتهم وظروفهم المتغيرة.
ويتمثل التفسير الثالث في إدارة المشاعر والضغوط؛ إذ أظهرت دراسة سردينيا ارتباطًا بين سمات شخصية معينة والرفاه النفسي واستراتيجيات المواجهة، ما يشير إلى أن طريقة التعامل مع الصعوبات قد تكون جزءًا من تجربة الشيخوخة الناجحة. ومع ذلك، تبقى هذه التفسيرات احتمالات مدعومة بعلاقات إحصائية، وليست دليلًا على أن الفضول وحده يحمي من المرض أو يزيد عدد سنوات الحياة.
هل يمكن تنمية الفضول في أي عمر؟
الجانب العملي في هذه النتائج هو أن الفضول يمكن تشجيعه من خلال عادات يومية بسيطة، من دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة أو مكلفة. كما يمكن أن يبدأ ذلك بالقراءة المنتظمة، أو تعلم لغة أو مهارة جديدة، أو ممارسة البستنة، أو الانضمام إلى نشاط جماعي، أو تخصيص وقت أسبوعي لهواية تتطلب التفكير والحركة. كما أن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وتبادل الخبرات مع الآخرين قد يمنحان الحياة اليومية قدرًا أكبر من التنوع والمعنى.
لكن هذه الممارسات ينبغي النظر إليها باعتبارها وسائل محتملة لتعزيز النشاط والرفاه في العمر المتقدم، لا وصفة مضمونة لإطالة العمر. فالصحة وطول العمر يتأثران أيضًا بالوراثة والبيئة والرعاية الصحية والنشاط البدني والغذاء والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
هل الفضول هو سر العمر الطويل؟
تشير دراستا سردينيا وطوكيو إلى أن الانفتاح على التجربة يظهر لدى مجموعات من كبار السن والمعمّرين، وأنه قد يرتبط بأنشطة أكثر تنوعًا وببعض مؤشرات الرفاه النفسي. لكن طبيعة هذه الدراسات لا تثبت أن الفضول هو السبب المباشر في بلوغ المئة عام.
كما أن دراسة سردينيا الحديثة لم تجد فرقًا ذا دلالة إحصائية في جودة الحياة المرتبطة بالصحة بين سكان المنطقة الزرقاء والمجموعة الريفية المقارنة، رغم اختلافهما في بعض السمات النفسية والأنشطة اليومية.
لذلك، لا تكمن الرسالة الأساسية في وجود «سر واحد» لطول العمر، بل في أهمية فهم الشيخوخة بوصفها نتيجة تداخل عوامل كثيرة. وقد يكون الاحتفاظ بالفضول، ومواصلة التعلم، والحفاظ على نشاط ذهني واجتماعي مناسب، جزءًا من حياة أكثر حيوية ورضا في مراحل العمر المتقدمة، حتى وإن لم يكن ذلك ضمانًا للعيش مدة أطول.
اقرأ المزيد
كيف تتغير البشرة مع التقدم في العمر؟ نصائح فعالة لمقاومة التجاعيد وعلامات الشيخوخة
دراسة: علاج الشيخوخة قد يضاعف عمر الإنسان.. لكن القلب والدماغ يفرضان سقفاً للحياة
هل يساعد الفول السوداني على تقوية الذاكرة؟ إليك ما وجدته دراسة حديثة
هل كل نسيان يعني ألزهايمر؟ علامات مبكرة وخرافات يجب التوقف عن تصديقها
لماذا يصبح بعض الأشخاص أكثر حدة بعد سن الستين؟ ما علاقة الغضب بفقدان الاستقلالية

