وطن-تثير الفجوة بين إحصاءات الشرطة ونتائج استطلاعات الضحايا في بريطانيا تساؤلات بشأن الطريقة التي تُقاس بها جرائم الكراهية ضد المسلمين، ومدى قدرة الأرقام الرسمية على تقديم صورة متكاملة عن حجم الاعتداءات المرتبطة بالدين والعرق.
ففي حين تُظهر سجلات الشرطة أن اليهود يسجلون أعلى معدل للفرد في جرائم الكراهية الدينية المُبلّغ عنها، تشير بيانات مسح الجريمة في إنجلترا وويلز إلى أن المسلمين أكثر عرضة للإبلاغ عن تعرضهم لجرائم كراهية دينية عند قياس التجربة المباشرة للضحايا. ويزداد المشهد تعقيداً لأن السجلات الرسمية لا تنشر ديانة ضحايا الجرائم المسجلة بدافع الكراهية العرقية، ما يحد من القدرة على تحديد حجم الاعتداءات التي تستهدف المسلمين بسبب تداخل هويتهم الدينية والعرقية.
وسلّط موقع «ميدل إيست آي» البريطاني الضوء على هذه الفجوة، مشيراً إلى أن الاعتماد على أرقام الشرطة وحدها قد يؤدي إلى استنتاجات لا تعكس جميع أبعاد الظاهرة، خصوصاً عندما تُستخدم الأرقام في التصريحات السياسية والتغطيات الإعلامية من دون توضيح حدود كل مصدر إحصائي.
أرقام الشرطة تكشف ارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين
أظهر التقرير السنوي لوزارة الداخلية البريطانية، المنشور في 8 أكتوبر 2026، تسجيل 146 ألفاً و825 جريمة كراهية في إنجلترا وويلز خلال السنة المنتهية في مارس 2026، بزيادة بلغت 7% مقارنة بالسنة السابقة.
وارتفعت الجرائم المسجلة بدافع الكراهية الدينية بنسبة 13%، فيما زادت الجرائم المستهدفة للمسلمين بنسبة 15%، من 4,479 إلى 5,132 جريمة. كما ارتفعت الجرائم المستهدفة لليهود بنسبة 10%، لتصل إلى 3,162 جريمة.
وتُظهر هذه الأرقام أن الاعتداءات المعادية للمسلمين تشكل جزءاً كبيراً من جرائم الكراهية الدينية التي تصل إلى الشرطة. لكن المقارنة بين الجماعات الدينية تتغير عندما تُحسب الجرائم نسبةً إلى عدد أفراد كل جماعة، بدلاً من الاكتفاء بالأعداد الإجمالية.
ففي السنة المنتهية في مارس 2026، سجلت الشرطة 117 جريمة كراهية دينية لكل 10 آلاف شخص من السكان اليهود، مقابل نحو 13 جريمة لكل 10 آلاف شخص من السكان المسلمين. وبناءً على هذا المؤشر تحديداً، ظل المعدل المسجل لدى اليهود أعلى بكثير.
غير أن هذه الأرقام تقيس الجرائم التي وصلت إلى الشرطة وسُجلت لديها، ولا تقيس بالضرورة جميع الاعتداءات التي تعرضت لها كل جماعة. كما أن اختلاف معدلات الإبلاغ وطبيعة الجرائم المسجلة يمكن أن يؤثر في المقارنة بين الفئات.
استطلاعات الضحايا ترسم صورة مختلفة
تقدم بيانات مسح الجريمة في إنجلترا وويلز مؤشراً مختلفاً. فقد أظهر المسح المجمع للفترة الممتدة من السنة المنتهية في مارس 2023 إلى السنة المنتهية في مارس 2025 أن نحو 0.8% من المسلمين تعرضوا سنوياً لجريمة كراهية دينية في المتوسط، مقارنة بـ0.4% من اليهود.
ويختلف هذا التقدير عن معدلات الشرطة، لكنه لا يعني بالضرورة أن أحد المصدرين خاطئ؛ فلكل منهما منهجية ونطاق تغطية مختلفان.
تعتمد سجلات الشرطة على الجرائم التي أُبلغ عنها أو وصلت إلى علم السلطات وسُجلت بوصفها جرائم كراهية. أما مسح الجريمة، فيسأل الأفراد مباشرة عن تجاربهم، بما يسمح برصد بعض الوقائع التي لم تصل إلى الشرطة.
ومع ذلك، لا يشمل المسح جميع أنواع الجرائم التي تسجلها الشرطة، ومن بينها كثير من جرائم النظام العام التي تشكل أكثر من نصف الجرائم المسجلة بدافع الكراهية. كما أنه لا يغطي بعض الفئات، مثل الأشخاص المقيمين في المؤسسات أو الزوار لفترات قصيرة، ولا يشمل جرائم القتل وبعض الجرائم التي لا يكون لها ضحية فردية محددة.
وتوضح وزارة الداخلية البريطانية أن الفروق بين المصدرين قد تعود إلى اختلاف احتمالات الإبلاغ عن الجرائم، وتباين نطاق التغطية، وطريقة احتساب التجارب. فالمسح يحصي ما إذا كان الشخص قد تعرض لجريمة واحدة على الأقل خلال الفترة المرجعية، بينما قد تسجل الشرطة عدة جرائم مرتبطة بالضحية نفسها.
لذلك، فإن استخدام أحد المؤشرين بمعزل عن الآخر قد يقدم صورة ناقصة عن حجم المشكلة، بينما تتيح قراءتهما معاً فهماً أفضل للاختلاف بين الجرائم المسجلة والتجارب التي يبلغ عنها الأفراد في الاستطلاعات.
الجرائم العرقية تكشف ثغرة إضافية
تظهر إحدى أبرز مشكلات البيانات في طريقة تصنيف جرائم الكراهية. فالشرطة البريطانية تسجل هذه الجرائم ضمن فئات متعددة، من بينها العرق أو الإثنية، والدين، والتوجه الجنسي، والإعاقة، والهوية المتحولة جنسياً.
لكن البيانات المنشورة لا توضح ديانة الضحايا في الجرائم المسجلة بدافع الكراهية العرقية. وهذا يعني أن الاعتداء الذي يستهدف شخصاً مسلماً بسبب مظهره أو أصوله العرقية قد يُسجل ضمن فئة العرق، من دون أن يظهر في الإحصاءات الخاصة بجرائم الكراهية الدينية.
وتكتسب هذه الثغرة أهمية لأن العداء ضد المسلمين لا يستهدف المعتقد الديني وحده بالضرورة، بل قد يرتبط أيضاً بالأسماء أو لون البشرة أو الملابس أو الأصول التي ينسبها المعتدي إلى الضحية.
ووفق ما أورده «ميدل إيست آي»، تشير بيانات مسح الجريمة إلى أن المسلمين يتعرضون لجرائم كراهية مصنفة ضمن الفئتين الدينية والعرقية، بما يوسع نطاق الصورة مقارنة بالإحصاءات التي تركز على الدافع الديني فقط.
غير أن غياب بيانات تفصيلية عن ديانة ضحايا الجرائم العرقية لا يكفي وحده لإثبات أن المسلمين هم الأكثر تعرضاً لجميع أنواع جرائم الكراهية عند جمع الفئات المختلفة؛ بل يؤكد الحاجة إلى بيانات تسمح بتحديد التداخل بين الدوافع الدينية والعرقية من دون احتساب الوقائع نفسها مرتين.
دعوات إلى تطوير طريقة تسجيل الجرائم
أوصت جهات معنية بجودة الإحصاءات في بريطانيا باستخدام بيانات الشرطة إلى جانب نتائج مسح الجريمة، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد عند تقييم جرائم الكراهية.
وتشير مجموعة «الصوت اليهودي من أجل التحرير»، التي ناقشت هذه المسألة مع مكتب تنظيم الإحصاءات، إلى أن بيانات الشرطة تتأثر بمعدلات الإبلاغ وبطريقة تسجيل الوقائع، فضلاً عن عدم نشر ديانة الضحية في الجرائم المصنفة ضمن الكراهية العرقية.
ودعت المجموعة إلى تحسين البيانات الرسمية المتعلقة بهوية الضحايا، بما يسمح بتكوين صورة أوضح عن أنواع الاعتداءات والفئات المستهدفة، وإلى نشر نتائج المسوح بصورة منتظمة ضمن تقارير الحكومة.
وقال جون ماكدونيل، النائب العمالي، بحسب ما نقل الموقع البريطاني، إن عدم التعامل مع الفجوات في تسجيل الجرائم ضد المسلمين قد يؤدي إلى تشويه السياسات المخصصة لحماية المجتمعات المتضررة.
وتتمثل المسألة الأساسية هنا في أن دقة الإحصاءات ليست قضية تقنية فقط؛ فالبيانات التي تعتمدها الحكومة تحدد كيفية توزيع الموارد، وأولويات برامج الوقاية والحماية، وطبيعة التدخلات المطلوبة لمواجهة الكراهية.
النساء المسلمات أكثر عرضة لبعض أشكال الاستهداف
تبرز النساء المسلمات بصورة خاصة في النقاش حول التمييز والاعتداءات، إذ قد يتعرضن لمضايقات مرتبطة بالدين والجنس والمظهر في الوقت نفسه، ولا سيما في الأماكن العامة ووسائل النقل.
وفي تقرير نشرته لجنة النساء والمساواة في البرلمان البريطاني في يناير 2026، أشارت اللجنة إلى أن النساء المسلمات يتعرضن لأشكال من الإساءة والتمييز قد تدفعهن إلى تجنب بعض الأماكن أو تقليص مشاركتهن في الحياة العامة.
وأورد التقرير نتائج استطلاع تناول تجارب المسلمين في وسائل النقل العام، أظهرت أن 12.5% فقط من الحوادث التي شملها الاستطلاع أُبلغ عنها. ولا ينبغي تعميم هذه النسبة على جميع جرائم الكراهية ضد المسلمين؛ فهي تخص الحوادث التي تناولها ذلك الاستطلاع تحديداً.
ويكشف انخفاض الإبلاغ عن هذه الحوادث عن أهمية توفير وسائل آمنة وواضحة لتقديم الشكاوى، إلى جانب معالجة أسباب تردد الضحايا، مثل الاعتقاد بأن البلاغ لن يؤخذ على محمل الجد أو أن الإجراءات لن تؤدي إلى نتيجة.
كما أن تطوير الإحصاءات ينبغي ألا يقتصر على الدين والعرق، بل يمكن أن يشمل عوامل أخرى، مثل جنس الضحية ومكان وقوع الاعتداء وطبيعته، بما يساعد على فهم الأنماط المختلفة للكراهية والتعامل معها.
ارتفاع الاعتداءات يثير مخاوف المنظمات الحقوقية
إلى جانب البيانات الرسمية، تعتمد منظمات مدنية على قنواتها الخاصة لتسجيل الحوادث المعادية للمسلمين، بما فيها الوقائع التي لا تُبلّغ بها الشرطة. وتفيد هذه الجهات بأن تقارير الضحايا يمكن أن تكشف أنماطاً من المضايقات والتهديدات والاعتداءات لا تظهر كاملة في السجلات الجنائية.
وأعلنت مؤسسة «بريتش مسلم تراست»، المكلفة بمراقبة الكراهية المعادية للمسلمين، تسجيل 78 حادثة مرتبطة بالمساجد بين 21 يوليو 2025 و30 يوليو 2026. وقالت المؤسسة إن 62.7% من الحوادث المسجلة منذ نوفمبر 2025 تضمنت أشكالاً خطيرة، بينها التهديد بالقتل أو استخدام الأسلحة أو الحرق المتعمد أو العنف المباشر أو التهديد بإيقاع أذى جماعي.
وتظل هذه البيانات مؤشراً مهماً على طبيعة المخاطر التي تواجه بعض المجتمعات المسلمة، لكنها تختلف في نطاقها وتعريفاتها عن الإحصاءات الجنائية الحكومية، ولذلك ينبغي قراءتها بوصفها مصدراً مكملاً لا بديلاً مباشراً عن السجلات الرسمية.
وفي المقابل، شهدت بريطانيا ارتفاعاً في الجرائم المعادية للسامية أيضاً، وهو ما يعزز الدعوات إلى مواجهة الكراهية الدينية بمختلف أشكالها، من دون التقليل من خطورة الاعتداءات التي تستهدف أي جماعة.
الحكومة البريطانية تؤكد التزامها بمواجهة الكراهية
أكد متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية، وفق ما نقله «ميدل إيست آي»، أن المسلمين في البلاد يواجهون مستويات مقلقة من جرائم الكراهية، مشيراً إلى التزام الحكومة بتعزيز حماية المجتمعات الدينية ومكافحة الاعتداءات.
وتشمل الجهود الحكومية توفير تمويل لإجراءات الحماية الأمنية للمساجد والمراكز الإسلامية، وتحسين قنوات الإبلاغ، ودعم الجهات التي تساعد الضحايا على تسجيل الوقائع والوصول إلى الخدمات المناسبة.
لكن المنظمات المعنية بمكافحة الكراهية ترى أن حماية المجتمعات لا تعتمد على التمويل الأمني وحده؛ إذ تتطلب أيضاً بيانات دقيقة، وسياسات واضحة، ومحاسبة على الاعتداءات، وموقفاً سياسياً وإعلامياً يرفض التحريض والتعميم والتمييز.
وتكشف الفجوة بين سجلات الشرطة ومسح الجريمة عن تحدٍ أساسي في تقييم الإسلاموفوبيا داخل بريطانيا: ليس من الممكن الاعتماد على رقم واحد لإثبات الحجم الكامل للظاهرة، كما لا يصح تجاهل الإحصاءات التي تظهر اختلافاً بين الجماعات في معدلات التعرض أو الإبلاغ.
وتبقى الأولوية لتطوير أنظمة الرصد بحيث تلتقط التداخل بين الكراهية الدينية والعرقية، وتوضح حدود كل مصدر إحصائي، وتساعد على توجيه إجراءات الحماية وفق أدلة أكثر اكتمالاً، بما يضمن التعامل مع الاعتداءات ضد المسلمين واليهود وغيرهم من الفئات على قدم المساواة.
اقرأ المزيد
مراهقة بثّت هجوم مسجد سان دييغو تواجه اتهامات بالقتل والتآمر بعد مقتل 3 مصلين
أكثر من 70 اعتداءً على المساجد في بريطانيا خلال عام.. تصاعد الإسلاموفوبيا يثير المخاوف
تهديد بقنبلة يخلي مدرسة إسلامية في برمنغهام.. تحقيقات أمنية وسط مخاوف من استهداف الطلاب المسلمين
إرهاب المستوطنين يتصاعد.. إحراق دور عبادة ومنشآت ومطالب بفرض عقوبات دولية

