وطن-دخلت الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة رسمياً سباق خلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعد إعلان أبوظبي ترشيحها للمنصب في 21 أكتوبر 2026، لتضيف اسماً جديداً إلى المنافسة التي لم تسفر جولاتها الاستطلاعية داخل مجلس الأمن عن مرشح يحظى بتوافق القوى الخمس الدائمة العضوية.
وقدّم رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ترشيح نسيبة في رسالة إلى رئيسي الجمعية العامة ومجلس الأمن، وفق ما أعلنته وكالة أنباء الإمارات الرسمية. وتشغل نسيبة منصب وزيرة دولة في وزارة الخارجية الإماراتية، وسبق أن مثّلت بلادها لدى الأمم المتحدة لأكثر من عقد.
ويأتي ترشيحها قبل انتهاء ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، وسط انقسامات دولية بشأن هوية الأمين العام المقبل، وتنافس على المنصب بين مرشحين من مناطق مختلفة. وإذا اختيرت نسيبة، فستصبح أول امرأة تتولى قيادة المنظمة الدولية، وثاني أمين عام من منطقة الشرق الأوسط بعد المصري بطرس بطرس غالي.
لكن دخولها المتأخر إلى السباق أثار نقاشاً حول السياسة الخارجية الإماراتية، ولا سيما علاقات أبوظبي بإسرائيل والاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
ترشيح رسمي وسط انسداد في سباق الخلافة
أعلنت الإمارات ترشيح نسيبة بعد ست جولات من الاقتراعات الاستطلاعية غير الرسمية داخل مجلس الأمن، لم يتمكن خلالها أي من المرشحين من تفادي الاعتراضات الصادرة عن أعضاء دائمين يملكون حق النقض.
وكانت ريبيكا غرينسبان، نائبة الرئيس السابقة في كوستاريكا والأمينة العامة السابقة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، قد تصدرت معظم الجولات السابقة، بحسب تقارير إعلامية. غير أن الاقتراعات أظهرت أن المرشحين المطروحين واجهوا اعتراضات من عضوين دائمين أو أكثر، ما أبقى فرص التوافق غير محسومة.
وفي الاقتراع الذي أُجري في 16 أكتوبر، حصلت غرينسبان على تسعة أصوات مؤيدة، لكنها واجهت أيضاً صوتين معارضين من الأعضاء الدائمين، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي». كما واجهت أسماء أخرى، من بينها كارولين رودريغز بيركيت ورافائيل غروسي، اعتراضات داخل المجلس.
وفي أعقاب إحدى الجولات، انسحب الرئيس السنغالي السابق ماكي سال من السباق. وأدى دخول نسيبة إلى توسيع قائمة الخيارات، في وقت كان فيه التنافس يميل إلى مرشحين من أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
ويُعد التناوب الجغرافي بين المناطق تقليداً غير رسمي في اختيار الأمين العام، وليس قاعدة ملزمة. أما القرار النهائي، فيتطلب توصية من مجلس الأمن ثم اعتماد الجمعية العامة، ما يجعل مواقف الأعضاء الدائمين عاملاً حاسماً في مسار الاختيار.
ما الذي تعِد به لانا نسيبة؟
قالت نسيبة، في بيان إطلاق حملتها، إنها تسعى إلى تعزيز قدرة الأمم المتحدة على التحرك المبكر لمنع النزاعات، وجمع الأطراف المختلفة حول حلول عملية، وتحويل التعهدات الدولية إلى نتائج ملموسة. وأكدت أن الدبلوماسية تظل أداة أساسية لمعالجة الأزمات، محذرة من أن اتساع الفجوة بين ما تتعهد به المنظمة وما تنفذه على أرض الواقع يقوض الثقة بها.
وأعلنت نسيبة أخذ إجازة من منصبها الحكومي للتفرغ لحملتها، وفق ما نقلته تقارير صحفية. كما عرضت رؤيتها لإصلاح المنظمة، مع التركيز على منع النزاعات وتعزيز التعاون الدولي وتطوير أداء مؤسسات الأمم المتحدة.
وتستند حملتها إلى خبرة طويلة داخل المنظمة الدولية؛ فقد قادت البعثة الإماراتية لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وشاركت في ملفات تتعلق بإصلاح مجلس الأمن وتجديد عمل الجمعية العامة، كما ترأست المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وشغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة.
وخلال عضوية الإمارات غير الدائمة في مجلس الأمن عامي 2022 و2023، ترأست نسيبة المجلس مرتين. كما ارتبط اسمها بالجهود الدبلوماسية التي سبقت اعتماد القرار 2720 في ديسمبر 2023، بشأن تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
خبرة دبلوماسية وخلفية عائلية فلسطينية
وُلدت لانا نسيبة عام 1978، وتنحدر عائلتها من القدس. وهي ابنة زكي نسيبة، المسؤول الإماراتي المعروف الذي شغل مناصب رفيعة في الدولة، وحفيدة أنور نسيبة، السياسي الفلسطيني الذي تولى مناصب حكومية في الأردن خلال فترة الإدارة الأردنية للضفة الغربية والقدس الشرقية.
درست التاريخ في جامعة كامبريدج، ثم حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية والشتات اليهودي من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن.
وقبل تعيينها مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة عام 2013، عملت في وزارة الخارجية الإماراتية وأسهمت في تأسيس إدارة التخطيط السياسي فيها. وبعد مغادرتها منصب المندوبة الدائمة في عام 2024، تولت منصب وزيرة دولة ومهام دبلوماسية أخرى.
وتمنحها خبرتها في المؤسسات متعددة الأطراف معرفة مباشرة بآليات الأمم المتحدة، لكن تولي منصب الأمين العام يتطلب، إلى جانب الخبرة الدبلوماسية، قبولاً سياسياً دولياً واسعاً وقدرة على التعامل مع مصالح الدول الأعضاء المتعارضة.
اتفاقات أبراهام تثير أسئلة بشأن علاقتها بإسرائيل
أثار ترشيح نسيبة انتقادات مرتبطة بدور الإمارات في التقارب مع إسرائيل، خصوصاً منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين البلدين.
وبحسب «ميدل إيست آي»، لعبت نسيبة دوراً مهماً في المسار الدبلوماسي الإماراتي الذي أفضى إلى الاتفاقات. كما أثارت دراساتها الأكاديمية في التاريخ الإسرائيلي والصهيونية اهتماماً في بعض التغطيات التي تناولت خلفيتها ومواقفها السياسية.
وفي سبتمبر 2025، ومع تصاعد النقاش بشأن احتمال ضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، قالت نسيبة إن الإمارات تنظر إلى اتفاقات أبراهام باعتبارها وسيلة لدعم الفلسطينيين، ودعت الحكومة الإسرائيلية إلى تعليق خطط الضم.
ويضع هذا السجل ترشيحها أمام نقاش حول مدى قدرة الأمين العام المقبل على التعامل مع النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باستقلالية، في ظل مواقف الدول الأعضاء وتحالفاتها الإقليمية. لكن الانتقادات السياسية الموجهة إلى سياستها أو إلى دولة الإمارات لا تثبت بذاتها كيفية تصرفها مستقبلاً في المنصب، إذا جرى اختيارها.
السودان في صلب الجدل حول الترشيح
يُعد ملف السودان من أبرز القضايا التي قد تحيط بترشيح نسيبة بالنقاش والاعتراض، بسبب الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، بينها عمليات قتل جماعي وعنف عرقي في دارفور.
وكان مراقبو العقوبات التابعون للأمم المتحدة قد وصفوا تقارير عن تقديم الإمارات دعماً لقوات الدعم السريع بأنها «ذات مصداقية»، فيما تنفي أبوظبي تقديم أسلحة أو دعم عسكري لأي من طرفي الحرب السودانية.
كما اتهمت الحكومة السودانية الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، على خلفية مزاعم تتعلق بدعم قوات الدعم السريع. غير أن المحكمة رفضت النظر في القضية في مايو 2025 لعدم اختصاصها، ولم تفصل في صحة الاتهامات من حيث الموضوع.
ويشير منتقدو ترشيح نسيبة إلى أن تولي مسؤولة حكومية إماراتية منصب الأمين العام قد يثير تساؤلات حول استقلالية المنظمة في التعامل مع الأزمة السودانية، خصوصاً أن الأمم المتحدة تضطلع بدور محوري في الاستجابة الإنسانية وتوثيق الانتهاكات والدفع نحو تسوية سياسية.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن خبير القانون الدولي عادل حق انتقادات تتعلق بدور الإمارات في السودان، كما أورد موقع «باس بلو» تصريحات لناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، عبّر فيها عن مخاوف من تداعيات اختيار نسيبة على عمل الأمم المتحدة في السودان واليمن والمنطقة.
وتظل هذه المواقف انتقادات صادرة عن خبراء ومراقبين، فيما تنفي الإمارات الاتهامات الموجهة إليها. كما أن الجدل بشأن السياسة الخارجية للدولة المرشِّحة يختلف قانونياً عن إثبات مسؤولية شخصية على المرشحة نفسها، إذ لم ترد في التقارير المشار إليها اتهامات شخصية مثبتة ضد نسيبة بشأن نقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع.
هل تمنح علاقات أبوظبي الدولية نسيبة أفضلية؟
تأتي الخطوة الإماراتية في وقت لم يبرز فيه مرشح حظي بقبول جميع القوى الكبرى، بحسب التقارير المتعلقة بجولات الاقتراع غير الرسمية. وفي هذه الظروف، قد تكون شبكة العلاقات الدبلوماسية الإماراتية عاملاً في تسويق ترشيح نسيبة، لكن الوصول إلى المنصب سيظل مرتبطاً بنتيجة المفاوضات ومواقف أعضاء مجلس الأمن.
وتتمتع الإمارات بعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وبقية القوى الدائمة العضوية، إلا أن هذه العلاقات لا تضمن الحصول على توافق داخل المجلس، لا سيما في ظل اختلاف مصالح الدول الكبرى بشأن ملفات الأمن الدولي والحروب والعقوبات وإصلاح المنظمة.
وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت عن اتصالات أجراها مؤيدون لترشيح نسيبة مع بعثات دبلوماسية في الأمم المتحدة قبل الإعلان الرسمي، بهدف جسّ نبض الدول الأعضاء بشأن فرصها.
كما أفادت تقارير بأن اقتراعاً استطلاعياً جديداً كان متوقعاً في الأسبوع نفسه قد أُجّل لإتاحة المجال أمام تقديم الترشيح الإماراتي رسمياً. ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح المجال أمام أعضاء المجلس لإعادة تقييم الخيارات المطروحة، من دون أن تعني حسم المنافسة لمصلحة مرشح بعينه.
ما الخطوات المقبلة لاختيار الأمين العام؟
وفق ميثاق الأمم المتحدة، يوصي مجلس الأمن باسم مرشح واحد، ثم تتولى الجمعية العامة اعتماد تعيينه. وتتكون الجمعية العامة من 193 دولة عضواً، لكن اختيار الأمين العام يتوقف أولاً على تأمين دعم كافٍ داخل مجلس الأمن وتفادي استخدام حق النقض من أي عضو دائم.
ويعني ذلك أن حصول أي مرشح على تأييد واسع من عدد من الدول لا يكفي وحده لضمان الفوز، إذا واجه اعتراضاً حاسماً من إحدى القوى الخمس الدائمة العضوية.
ومع اقتراب نهاية ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، تتزايد أهمية التوصل إلى اسم توافقي يضمن انتقالاً منظماً للقيادة ابتداءً من يناير 2027.
ويضع ترشيح لانا نسيبة الإمارات في صلب المنافسة على قيادة المنظمة الدولية، لكنه يفتح أيضاً نقاشاً حول تأثير التحالفات الإقليمية والاتهامات المرتبطة بالحروب على اختيار الأمين العام المقبل. وبين خبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف والاعتراضات التي أثارتها السياسة الخارجية لبلادها، سيظل مستقبل ترشيحها مرهوناً بمفاوضات مجلس الأمن ومواقف أعضائه.
اقرأ المزيد
هل انتهى زمن الأمان الإسرائيلي في الإمارات؟ الحروب تدفع الجالية إلى الحذر
من المكاتب المؤقتة إلى مبنى من 15 طابقاً.. الإمارات تثبّت حضورها الدبلوماسي في إسرائيل
أسلحة الإمارات في يد تيغراي.. ماذا يحدث في شمال إثيوبيا؟
خاص: وزير خارجية إريتريا يتهم الإمارات بـ”إمبريالية الموانئ” لتوسيع نفوذها في أفريقيا

