وطن-في خطوة تعكس استمرار ترسيخ العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وافقت لجنة التخطيط والبناء في منطقة تل أبيب على مخطط إنشاء المقر الدائم لسفارة الإمارات في مدينة هرتسليا، ضمن مشروع يتيح تشييد مبنى يصل ارتفاعه إلى 15 طابقاً، وبمساحة بناء تبلغ نحو 15 ألف متر مربع.
ويأتي القرار بعد ست سنوات من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين أبوظبي وتل أبيب بموجب اتفاقيات أبراهام عام 2020، وفي وقت تتحدث فيه تقارير إسرائيلية عن توترات بين الجانبين على خلفية تداعيات حادثة رحلة «فلاي دبي».
مبنى دبلوماسي من 15 طابقاً
بحسب المخطط الذي أُقر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سيُقام مقر السفارة الإماراتية في شارع سابير بمنطقة هرتسليا بيتواح، على أرض تبلغ مساحتها نحو 2.5 دونم، فيما تصل مساحة البناء الإجمالية المسموح بها إلى قرابة 15 ألف متر مربع.
ولا يقتصر المشروع على المكاتب الدبلوماسية، بل يشمل أيضاً مساكن للسفير وأفراد الطاقم الدبلوماسي، على أن تُخصص لهذه الاستخدامات السكنية نسبة تصل إلى 20% من حقوق البناء المقررة.
ويمنح المخطط السفارة مقراً دائماً بدلاً من المكاتب المؤقتة التي تعمل منها حالياً، في خطوة تعزز حضور البعثة الإماراتية وتوفر لها منشأة مخصصة للأنشطة الدبلوماسية والإدارية والسكنية.
وتشير تفاصيل المشروع إلى أن الأمر يتجاوز إنشاء مكاتب اعتيادية؛ إذ يتعلق بمجمع دبلوماسي متكامل يجمع بين العمل الرسمي وإقامة السفير والموظفين، بما يعكس توجهاً نحو تثبيت الوجود المؤسسي الإماراتي في إسرائيل.
من اتفاقيات أبراهام إلى تثبيت الحضور الدبلوماسي
بدأ المسار الرسمي للعلاقات الإماراتية الإسرائيلية عام 2020، عندما وقّع الطرفان اتفاق إقامة العلاقات الدبلوماسية ضمن اتفاقيات أبراهام، التي رعتها الولايات المتحدة وشملت أيضاً دولاً عربية أخرى.
وفي يوليو/تموز 2021، افتتحت الإمارات سفارتها في إسرائيل، لتدخل العلاقات بين الجانبين مرحلة جديدة من التمثيل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي والتجاري.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت مجالات التواصل بين الطرفين لتشمل قطاعات مختلفة، من بينها التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة. ويأتي مشروع المقر الدائم امتداداً لهذا المسار، إذ ينقل التمثيل الدبلوماسي من مقار مؤقتة إلى منشأة مخصصة له على المدى الطويل.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع جوانب العلاقة تسير من دون خلافات، لكنه يشير إلى استمرار الإجراءات المؤسسية المرتبطة بها، حتى في ظل التوترات الإقليمية والتباينات التي قد تظهر بين الحين والآخر.
التوترات لا توقف مشروع السفارة
تكتسب المصادقة على المخطط أهمية إضافية بسبب توقيتها؛ فقد تزامنت مع تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن توتر في العلاقات مع الإمارات عقب تداعيات حادثة رحلة «فلاي دبي».
وفي حين أثارت هذه التقارير تساؤلات بشأن طبيعة الخلاف بين الطرفين، فإن الموافقة على المقر الدائم للسفارة تمثل تطوراً منفصلاً على المستوى الإداري والدبلوماسي، ولا تكفي وحدها للحكم على حجم الخلافات أو مدى تأثيرها في الملفات السياسية والأمنية.
لكن استمرار المشروع في هذه الظروف يوضح أن المسار الدبلوماسي لم يتوقف عند حدود التوتر المعلن، وأن ترتيبات إقامة المقر الدائم تمضي قدماً وفق الخطة التي أقرتها الجهات المختصة.
ويبقى السؤال بشأن ما إذا كان ذلك يعكس رغبة في احتواء الخلافات، أم أن المصالح المشتركة تدفع الطرفين إلى مواصلة التعاون رغمها، سؤالاً تحليلياً لا تحسمه المصادقة على المشروع وحدها.
ماذا يعني المقر الدائم لمستقبل العلاقات؟
لا تُقاس العلاقات الدبلوماسية بالتصريحات والاتفاقيات فقط، بل أيضاً بالبنية المؤسسية التي تدعم استمرارها. ومن هذا المنطلق، يشكل إنشاء مقر دائم للسفارة الإماراتية خطوة إضافية في تثبيت العلاقات الرسمية بين أبوظبي وتل أبيب.
وفي المقابل، فإن حجم المبنى أو عدد طوابقه لا يكفيان وحدهما لتحديد اتجاه العلاقة مستقبلاً؛ إذ يتوقف ذلك أيضاً على تطورات المنطقة، وطبيعة المصالح الاقتصادية والأمنية، وكيفية تعامل الطرفين مع الخلافات المحتملة.
وبينما يتيح المشروع للإمارات حضوراً دبلوماسياً دائماً في هرتسليا، تظل دلالاته السياسية مرتبطة بالسياق الأوسع للعلاقات بين الجانبين، وبمدى قدرتهما على مواصلة التعاون في ظل التوترات الإقليمية.
وختامًا، يُعتبر بناء خمسة عشر طابقاً لمقر السفارة الإماراتية الجديد، خطوة عمرانية ذات دلالة دبلوماسية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع: إلى أي مدى ستواصل العلاقات الإماراتية الإسرائيلية التقدم رغم الخلافات والتحديات المحيطة بها؟
اقرأ المزيد
اتفاق مكة وتحالف الإمارات وإسرائيل.. مقارنة تكشف معادلة السرعة والعمق في تحالفات المنطقة
تحليل لديفيد هيرست: الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل يطبّعون مع “الحرب الدائمة” في المنطقة
«اعتراف رسمي وتجاهل للحروب».. الإمارات تؤكد زيارة نتنياهو.. وتحذيرها لهجوم 7 أكتوبر
الإمارات وفلسطين وإسرائيل.. بين الاحتفاء بالقضية واستمرار العلاقات مع تل أبيب

