وطن-أثارت فعالية جماهيرية أقيمت في مدينة إكسبو دبي للاحتفاء بفلسطين وثقافتها وتراثها نقاشاً حول طبيعة السياسة الإماراتية تجاه القضية الفلسطينية، في ظل استمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل منذ توقيع اتفاق التطبيع بين البلدين عام 2020.
وشهدت الفعالية، التي حضرها نحو 50 ألف شخص، عروضاً فنية وموسيقية بمشاركة عدد من الفنانين الفلسطينيين، من بينهم محمد عساف وعماد فراجين، إلى جانب حضور واسع للأعلام الفلسطينية والشعارات الداعمة لفلسطين.
لكن هذا المشهد الاحتفالي يأتي في وقت تواصل فيه الإمارات وإسرائيل تطوير علاقاتهما الاقتصادية والتجارية، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية توازن أبوظبي بين دعمها المعلن للقضية الفلسطينية وبين علاقاتها المتنامية مع تل أبيب.
التطبيع الإماراتي الإسرائيلي
أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل عام 2020 في إطار «اتفاقيات أبراهام»، التي فتحت الباب أمام تعاون متزايد بين الجانبين في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والطيران والتكنولوجيا والطاقة.
وفي عام 2023 دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وإسرائيل حيز التنفيذ، متضمنة تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من خطوط التعرفة، بما يغطي نحو 99% من قيمة تجارة السلع بين البلدين.
ووفق البيانات التي أوردها الجانب الإماراتي، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3.254 مليارات دولار في عام 2024، قبل أن يسجل نحو 3.209 مليارات دولار في عام 2025.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار النشاط التجاري بين الطرفين رغم الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، والتداعيات السياسية والإقليمية التي خلفتها.
العلاقات الاقتصادية مستمرة رغم الحرب
لم تقتصر العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب على التجارة المباشرة، إذ توسعت خلال السنوات الماضية لتشمل الاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا والسياحة والنقل الجوي.
وفي قطاع الطيران، حافظت شركات إماراتية على تشغيل رحلاتها إلى إسرائيل خلال الحرب، في وقت أوقفت فيه شركات دولية أخرى بعض رحلاتها بسبب المخاوف الأمنية.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة، نفذت «فلاي دبي» أكثر من 1800 رحلة منذ أكتوبر 2023، فيما استمرت «الاتحاد للطيران» في تشغيل رحلاتها إلى إسرائيل.
وقد جعل استمرار الرحلات الجوية الإماراتية من الإمارات إحدى نقاط الاتصال المهمة بين إسرائيل والأسواق الدولية خلال فترة شهدت اضطرابات كبيرة في حركة الطيران الإقليمي.
حضور ثقافي إماراتي إسرائيلي
امتد التقارب بين البلدين كذلك إلى المجال الثقافي والإعلامي. ففي ديسمبر 2021، استضاف تلفزيون دبي الحاخام ليفي دوشمان في برنامج تناول ما وصف بـ«المطبخ الإسرائيلي»، في خطوة عكست طبيعة الانفتاح الثقافي الذي رافق مرحلة ما بعد التطبيع.
كما ظهرت أعمال فنية إماراتية تناولت التقارب مع إسرائيل، من بينها أغنية حملت عنوان «خذني زيارة لتل أبيب»، في مؤشر على انتقال العلاقات من المستوى السياسي والاقتصادي إلى المجال الثقافي والشعبي.
فلسطين في الفعاليات والإمارات في المعادلة السياسية
في المقابل، تؤكد الإمارات في مواقفها الرسمية دعمها للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولة مستقلة، كما شاركت في مبادرات ومساعدات إنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.
وتظهر الفعاليات التي تحتفي بالثقافة الفلسطينية داخل الإمارات جانباً آخر من هذا الموقف، إذ تحظى القضية الفلسطينية بحضور في الفعاليات الثقافية والإعلامية، فيما يستمر المسار الدبلوماسي والاقتصادي مع إسرائيل. وهنا تظهر المفارقة التي أثارت الجدل: كيف يمكن الجمع بين خطاب داعم لفلسطين وعلاقات استراتيجية واقتصادية متنامية مع إسرائيل؟
بالنسبة إلى الإمارات، لا تبدو المسألة بالضرورة متناقضة؛ إذ ترى أبوظبي أن الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل يمنحها قناة مباشرة للتأثير السياسي والدبلوماسي، إلى جانب إمكانية استخدام هذه العلاقات في دعم الجهود الإنسانية والضغط من أجل التوصل إلى حلول سياسية.
لكن منتقدي سياسة التطبيع يرون أن استمرار العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل، في ظل استمرار الاحتلال والحرب في غزة، يضعف أدوات الضغط العربية، ويجعل الحديث عن دعم القضية الفلسطينية أقل تأثيراً عندما لا يرافقه تغيير ملموس في العلاقات مع إسرائيل.
أكثر من 14 مليار دولار منذ التطبيع؟
وتتداول تقارير وتصريحات مختلفة تقديرات لحجم التجارة الإماراتية الإسرائيلية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، مع اختلاف الأرقام بحسب الفترة الزمنية وطريقة احتساب التجارة والاستثمارات والخدمات.
وبناءً على الأرقام الواردة في المادة، فإن التبادل التجاري السلعي خلال عامي 2024 و2025 وحدهما تجاوز 6.4 مليارات دولار، فيما تتضمن التقديرات التراكمية منذ التطبيع سنوات أخرى وقطاعات اقتصادية مختلفة.
لذلك، فإن رقم «أكثر من 14 مليار دولار» يحتاج إلى تحديد دقيق لما يشمله من تجارة وخدمات واستثمارات والفترة الزمنية المستخدمة في احتسابه، حتى لا تختلط قيمة التجارة الثنائية بقيمة العلاقات الاقتصادية الشاملة.
بين المصالح الاقتصادية والموقف السياسي
تعكس العلاقات الإماراتية الإسرائيلية نموذجاً أكثر تعقيداً من مجرد دعم أو رفض للتطبيع. فأبوظبي تنظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً وأمنياً محتملاً، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على دور سياسي وإقليمي في الملف الفلسطيني.
أما على الجانب الآخر، فينظر منتقدو هذه السياسة إلى استمرار العلاقات الاقتصادية خلال الحرب باعتباره تناقضاً مع المواقف المعلنة بشأن حماية حقوق الفلسطينيين.
وفي النهاية، لا يتعلق الجدل فقط بما إذا كانت الإمارات تدعم فلسطين أم لا، بل بطبيعة الأدوات التي تستخدمها لتحقيق هذا الدعم، ومدى استعدادها لاستخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي عندما تتعارض المصالح مع المواقف السياسية.
فبينما تستمر الفعاليات التي تحتفي بفلسطين داخل الإمارات، تستمر أيضاً التجارة والرحلات الجوية والاستثمارات والعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
وبين الصورتين، يبقى السؤال الأوسع مطروحاً: هل تستطيع الدول العربية الجمع بين علاقات طبيعية مع إسرائيل ودعم فعّال للقضية الفلسطينية، أم أن استمرار التطبيع الاقتصادي والسياسي يفرض في النهاية حدوداً على قدرتها على ممارسة الضغط؟
اقرأ المزيد
التطبيع لم يكن مطروحًا خلال مفاوضات النووي السعودي الأمريكي.. والاتفاق أصبح رهينة إسرائيل
ترامب يربط الاتفاق النووي مع السعودية بالتطبيع مع إسرائيل.. شرط جديد يغيّر مسار المفاوضات
هديل عويس وجدلية تلميع صورة الإمارات عبر منصة جسور نيوز ودور الإعلام في التطبيع
خلف الحبتور ينتقد تصريحات بن غفير عن قتل الفلسطينيين ويتساءل عن جدوى السلام مع إسرائيل

