وطن-في أعماق البحار، يعيش كائن صغير وشفاف يمتلك قدرة استثنائية على العودة من مرحلة البلوغ إلى مرحلة مبكرة من حياته، في ظاهرة تثير اهتمام العلماء الباحثين عن أسرار تجديد الخلايا ومقاومة الشيخوخة. ويُعرف هذا الكائن باسم قنديل البحر الخالد، أو Turritopsis dohrnii، وقد أصبح محور دراسات علمية تسعى إلى فهم آليات بيولوجية قد تساعد مستقبلاً في إصلاح الأنسجة التالفة ومواجهة بعض الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
وبحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، يستطيع هذا القنديل، عند تعرضه للإجهاد أو الظروف غير الملائمة، الرجوع من شكله البالغ إلى مرحلة مبكرة من دورة حياته، بدلاً من مواصلة مسار النمو المعتاد. ولا يعني ذلك أنه لا يموت أبداً، بل إنه يمتلك قدرة نادرة على إعادة تنظيم خلاياه والبدء من مرحلة سابقة في دورة حياته.
وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تتيح للباحثين دراسة كيفية تغيير الخلايا المتخصصة لوظائفها، وكيف يمكن للكائن الحي إعادة بناء أنسجته بعد تعرضه للضرر. وهي أسئلة قد تحمل مستقبلاً تطبيقات في الطب التجديدي، وإن كان تحويل هذه المعرفة إلى علاجات بشرية لا يزال بعيداً.
كيف يعود قنديل البحر إلى مرحلة الشباب؟
عندما يتعرض قنديل البحر الخالد لظروف قاسية، قد يتوقف عن الحركة ويفقد شكله البالغ المعروف باسم «الميدوزا»، الذي يتميز بجسم يشبه القبة ولوامس تحيط به. ثم يدخل في مرحلة تتغير خلالها بنيته، قبل أن تتكون منه مرحلة مبكرة تُعرف باسم «البوليب».
ومن هذه المرحلة تنمو مستعمرة قادرة على إنتاج قناديل بحر جديدة. ويمكن للقنديل الناتج أن يمر بدوره بالعملية نفسها عندما تتوافر الظروف المناسبة، ما يمنح هذا النوع قدرة استثنائية على تكرار دورة حياته.
وتشير عالمة الأحياء البحرية ماريا ميغلييتا، من جامعة تكساس إيه آند إم في غالفستون، إلى أن هذا الكائن أظهر قدرة لافتة على البقاء في ظروف صعبة خلال التجارب المخبرية. لكن نجاح عملية التجدد ليس مضموناً في كل مرة، ولا يعني أن القنديل محصّن ضد جميع أسباب الموت.
اكتشاف علمي بدأ بملاحظة غير متوقعة
تعود الملاحظات الأولى المعروفة بشأن قدرة هذا القنديل على الرجوع إلى مرحلة مبكرة من حياته إلى تسعينيات القرن الماضي. ووفقاً لتقرير «بي بي سي»، لفتت ملاحظة ظهور بوليبات جديدة في حاوية مختبرية انتباه الباحثين، بعدما كان المتوقع أن تكون الكائنات الموجودة فيها قد نفقت.
وساهم عالم الأحياء الإيطالي ستيفانو بيرينو في تطوير الأبحاث المتعلقة بهذه الظاهرة، التي ترتبط بعملية تُعرف باسم تغيير التمايز الخلوي. وخلال هذه العملية، تستطيع بعض الخلايا البالغة تغيير هويتها ووظيفتها لتصبح أنواعاً أخرى من الخلايا يحتاج إليها الكائن لإعادة تكوين أنسجته.
وتختلف هذه الآلية عن التجدد المعروف لدى بعض الحيوانات، مثل إعادة إنماء الأطراف أو الأجزاء المفقودة؛ فقنديل البحر الخالد يستطيع الرجوع من مرحلة البلوغ إلى مرحلة سابقة من دورة حياته، وهي قدرة نادرة في عالم الحيوان.
ماذا تكشف جينات القنديل عن الشيخوخة؟
يتجه جانب مهم من الأبحاث إلى دراسة الجينات التي تسمح لقنديل البحر الخالد بإعادة تنظيم خلاياه وصيانة مادته الوراثية. ويأمل الباحثون أن تساعدهم هذه الدراسات على تحديد المسارات الجزيئية التي تحمي الخلايا من بعض أشكال التلف المرتبط بالتقدم في العمر.
وفي دراسة نُشرت عام 2022، قارن فريق من الباحثين الشفرة الوراثية لهذا القنديل بالشفرة الوراثية لنوع قريب لا يُعرف بامتلاكه القدرة نفسها على تجديد دورة حياته. وشارك في الدراسة عالم الأحياء الجزيئية والمعلوماتية الحيوية فيكتور كيسادا، من جامعة أوفييدو الإسبانية.
وأظهرت الدراسة اختلافات وراثية لافتة، من بينها وجود نسخ إضافية من بعض الجينات المرتبطة بإصلاح الحمض النووي والاستجابة للتلف الخلوي. كما رصد الباحثون جينات مرتبطة بصيانة التيلوميرات، وهي تراكيب تقع عند أطراف الكروموسومات وتساعد على حماية المادة الوراثية.
وتقصر التيلوميرات عادة مع انقسام الخلايا وتقدمها في العمر، وإن كانت هذه العملية تختلف بحسب نوع الخلية والظروف البيولوجية. ولذلك يدرس العلماء ما إذا كانت آليات صيانتها لدى القنديل تسهم في قدرته على التجدد، من دون أن يعني ذلك أن إطالة التيلوميرات وحدها كافية لإيقاف الشيخوخة.
هل يمكن الاستفادة من هذه القدرة في علاج البشر؟
يرى الباحثون أن فهم آليات التجدد لدى قنديل البحر الخالد قد يساعد على تطوير أساليب جديدة لإصلاح الأنسجة التالفة، وتحسين التعافي من بعض الإصابات، ودراسة الأمراض المرتبطة بالعمر. لكن هذه الاحتمالات لا تزال في إطار البحث العلمي، ولا توجد أدلة تثبت أن القنديل يقدم علاجاً جاهزاً للشيخوخة لدى البشر.
وتكمن الصعوبة في أن الخلايا البشرية لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها خلايا هذا الكائن البحري. كما أن إعادة برمجة الخلايا أو تغيير وظائفها تنطوي على مخاطر محتملة، من بينها اضطراب نمو الخلايا وزيادة خطر تكوّن الأورام إذا لم تُضبط العمليات البيولوجية بدقة.
ويبحث العلماء حالياً في الجينات التي تنشط خلال المرحلة التي يتحول فيها القنديل إلى كتلة خلوية قبل تكوين البوليب، أملاً في فهم كيفية إعادة توجيه الخلايا نحو وظائف جديدة. كما رصدت دراسات سابقة تغيرات في نشاط جينات مرتبطة بإصلاح الحمض النووي وصيانة التيلوميرات، إلى جانب جينات لا تزال وظائفها غير واضحة تماماً.
وتشير هذه النتائج إلى وجود مسارات بيولوجية تستحق المزيد من الدراسة، لكنها لا تثبت أن الإنسان يستطيع استنساخ دورة حياة القنديل أو استعادة شبابه بالطريقة نفسها.
لماذا لا يُعد القنديل خالداً فعلياً؟
رغم اللقب الذي اكتسبه، لا يعني وصف قنديل البحر الخالد أنه يعيش إلى الأبد. فقد يموت بسبب الافتراس أو المرض أو نقص الغذاء أو تغير الظروف البيئية، كما أن قدرته على العودة إلى مرحلة مبكرة من حياته لا تنجح بالضرورة في جميع الحالات.
وتوضح الأبحاث أن بعض القناديل قد لا يتمكن من التجدد في ظروف معينة، فيما لا تزال حدود تكرار هذه العملية وأسباب فشلها موضع دراسة. كذلك، فإن الحفاظ على هذا الكائن في المختبر يتطلب ظروفاً دقيقة، وهو ما يجعل متابعته لفترات طويلة أمراً صعباً.
وتشير الباحثة الإسبانية ماريا باسكوال تورنر، التي شاركت في دراسة عام 2022، إلى أن قدرة الكائن على تجديد نفسه لا تلغي هشاشته أمام البيئة المحيطة. فحتى الكائن الذي يستطيع الرجوع إلى مرحلة مبكرة من حياته يظل معرضاً لعوامل قد تنهي حياته.
من أعماق البحار إلى مستقبل الطب التجديدي
يمثل قنديل البحر الخالد نموذجاً علمياً مهماً لفهم حدود التجدد البيولوجي، إذ يتيح للعلماء دراسة كيفية تغيير الخلايا لوظائفها وإعادة بناء الأنسجة، والبحث عن الآليات التي قد تساعد على الحد من بعض الأضرار المرتبطة بالشيخوخة.
ولا تعني هذه الأبحاث أن البشرية باتت قريبة من اكتشاف علاج للخلود أو إيقاف الشيخوخة، لكنها تفتح أسئلة جديدة حول إمكانية تحسين قدرة الخلايا البشرية على الإصلاح والتعافي.
وبينما لا يزال الطريق طويلاً قبل الوصول إلى تطبيقات طبية مؤكدة، قد تساعد دراسة هذا الكائن الصغير في توسيع فهم العلماء للشيخوخة وتجديد الخلايا، وربما تمهد مستقبلاً لتطوير علاجات أكثر فاعلية لبعض الإصابات والأمراض التنكسية.
اقرأ أيضاً
طبيب أعصاب يحذر: عادة يومية يجب الإقلاع عنها لتقليل خطر الإصابة بالخرف
دراسة: علاج الشيخوخة قد يضاعف عمر الإنسان.. لكن القلب والدماغ يفرضان سقفاً للحياة
10 عادات عائلية تُسرّع الشيخوخة.. العلم يكشف كيف يستهلك المنزل عمرك بصمت
كيف تتغير البشرة مع التقدم في العمر؟ نصائح فعالة لمقاومة التجاعيد وعلامات الشيخوخة

