وطن-طلب الناشط الفلسطيني محمود خليل من المحكمة العليا الأميركية النظر في نزاعه القانوني مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، في قضية قد تؤثر في حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية في احتجاز المهاجرين، ومدى قدرة المحاكم على التدخل عندما يُشتبه في استخدام قوانين الهجرة لمعاقبة نشاط سياسي أو تقييد حرية التعبير.
وقال موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إن الالتماس الذي تقدم به خليل يركز على صلاحية المحاكم الفيدرالية في مراجعة قانونية احتجازه، رغم استمرار إجراءات الهجرة التي تتخذها الحكومة الأميركية بحقه. وقد تكون للقضية تداعيات تتجاوز وضعه الشخصي، لتشمل غير المواطنين الذين يواجهون إجراءات حكومية على خلفية نشاطهم المؤيد لفلسطين، ومن بينهم الباحث في جامعة جورجتاون بدر خان سوري.
ما الذي يطلبه محمود خليل من المحكمة العليا؟
يستند الالتماس، بحسب الموقع البريطاني، إلى تفسير قانون الهجرة والجنسية الأميركي، ويجادل بأن القانون لا ينبغي أن يُفهم على أنه يمنع المحاكم الفيدرالية من النظر في طلبات المثول أمام القضاء، المعروفة قانونياً باسم «هَبِيَس كوربَس»، عندما يتعلق الأمر باحتجاز يُشتبه في أنه عقابي أو انتقامي.
ويتيح هذا الإجراء القانوني للمحتجز الطعن في مشروعية احتجازه أمام القضاء، ومطالبة السلطات بتبرير الأساس القانوني لسلب حريته. ويُعد من الضمانات المهمة لمواجهة الاحتجاز غير القانوني، ولا يقتصر مبدؤه على المواطنين الأميركيين.
ويجادل فريق خليل بأنه إذا فُسّر القانون على نحو يحرم المحاكم من مراجعة هذا النوع من الاحتجاز، فقد يثير ذلك إشكالات دستورية. ويتمحور النزاع، وفق هذا الطرح، حول مدى قدرة القضاء الفيدرالي على مراقبة قرارات السلطة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بحرية الأفراد وحقوقهم الأساسية.
الإفراج عن خليل بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الاحتجاز
اعتقلت سلطات الهجرة الأميركية محمود خليل في مارس 2025، على خلفية دوره في الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين في جامعة كولومبيا. وجاء اعتقاله ضمن حملة أطلقتها إدارة ترامب ضد ما وصفته بالخطاب المناهض لإسرائيل بين غير المواطنين.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أمر قاضٍ فيدرالي في ولاية نيوجيرسي بالإفراج عن خليل في يونيو 2025، بعدما أمضى أكثر من ثلاثة أشهر في الاحتجاز. وخلص القاضي، وفق التقرير، إلى أنه لا يشكل خطراً على المجتمع ولا يُرجح أن يفر، كما أبدى تحفظات بشأن الأساس الذي استندت إليه الإدارة في احتجازه.
لكن الحكومة الأميركية طعنت في القرار، معتبرة أن القاضي لم يكن يملك صلاحية التدخل في ظل استمرار إجراءات الهجرة المتعلقة بخليل، فيما كانت الإدارة تسعى إلى ترحيله من البلاد.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بسبب الاختلاف بين قضاة الهجرة والقضاة الفيدراليين. فقضاة الهجرة يعملون ضمن منظومة إدارية تابعة لوزارة العدل، بينما يتمتع القضاة الفيدراليون باستقلال قضائي دستوري، وتتمحور القضية حول حدود اختصاص كل جهة في مراجعة قرارات الاحتجاز والترحيل.
محاميه: هل تستطيع الحكومة سجن المعارضين لإسكاتهم؟
قال باهر عزمي، المحامي الدستوري الذي يمثل خليل، خلال إفادة صحفية افتراضية يوم الاثنين، إن السؤال المطروح لا يقتصر على دستورية استخدام سلطات الهجرة في هذه القضية، بل يشمل أيضاً قدرة القضاء على التصدي للإجراءات التنفيذية التي يراها غير قانونية.
ونقل «ميدل إيست آي» عن عزمي قوله إن من الصعب تصور أن يكون من القانوني أن تسجن الحكومة المعارضين بهدف إسكاتهم وإسكات الآخرين، مشيراً إلى أن جوهر القضية يتمثل في معرفة ما إذا كانت المحاكم الفيدرالية تستطيع استخدام إجراء المثول أمام القضاء لمراجعة مثل هذه القرارات.
وتعكس هذه الحجة محور النزاع القانوني: فبينما تتمسك الحكومة بصلاحياتها في تطبيق قوانين الهجرة، يرى فريق خليل أن هذه الصلاحيات لا ينبغي أن تحجب الرقابة القضائية، خصوصاً إذا كان الاحتجاز مرتبطاً بخطاب سياسي تحميه التعديلات الدستورية الأميركية.
إقامة دائمة واحتجاز استمر 104 أيام
كان خليل، وفق المعلومات التي أوردها الموقع، يحمل الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، المعروفة باسم «البطاقة الخضراء»، ومتزوجاً من مواطنة أميركية. وأفاد التقرير بأن عناصر من سلطات الهجرة أبلغوه عند اعتقاله بإلغاء وضعه القانوني، بما في ذلك إقامته الدائمة.
واحتُجز خليل لمدة 104 أيام في مركز تابع لسلطات الهجرة، وهي فترة حرمته من حضور ولادة طفله الأول. وأُفرج عنه لاحقاً بموجب قرار قضائي، بينما واصلت الحكومة إجراءاتها القانونية الرامية إلى ترحيله.
وكان قد صدر قرار بترحيله، إلا أنه يطعن فيه. ووفق ما أورده التقرير، فإن قرار الإفراج القضائي يشكل عاملاً أساسياً في وضعه الحالي، إذ يحد من إمكانية إعادة احتجازه خلال استمرار النزاع، وفق شروط الحكم والإجراءات ذات الصلة.
دعوى ضد جامعة كولومبيا
بالتوازي مع معركته أمام المحاكم بشأن الاحتجاز والترحيل، رفع خليل دعوى فيدرالية ضد جامعة كولومبيا، متهماً إياها بالتقصير في التعامل مع ما وصفه بالتمييز والمضايقات التي استهدفته واستهدفت آخرين بسبب نشاطهم المؤيد لفلسطين.
وذكر «ميدل إيست آي» أن الدعوى تضم أيضاً «مجموعة العمل من أجل فلسطين»، وهي منظمة طلابية مرتبطة بكلية الشؤون الدولية والعامة في الجامعة، إلى جانب رئيسها محمد إبراهيم زبيري.
وتقول الشكوى إن الجامعة أبدت «لامبالاة متعمدة» تجاه حالات وصفتها بأنها مضايقات شديدة ومستمرة ومنسقة. ويربط المدعون، وفق ما جاء في الدعوى، بين تلك الوقائع ونشاطهم المؤيد لفلسطين، وانتمائهم الديني أو أصولهم الوطنية، ووضعهم كمهاجرين غير مواطنين.
وتشير الدعوى إلى أن خليل مسلم فلسطيني يحمل جواز سفر جزائرياً، فيما يحمل زبيري جواز سفر باكستانياً. وتظل هذه الاتهامات جزءاً من ادعاءات المدعين التي يتعين النظر فيها عبر الإجراءات القضائية، ولا تعني بذاتها صدور حكم نهائي يثبت مسؤولية الجامعة.
قضية تتجاوز مصير ناشط فلسطيني
تسلط قضية محمود خليل الضوء على التداخل بين قوانين الهجرة وحرية التعبير والاحتجاج السياسي في الولايات المتحدة. فإذا نظرت المحكمة العليا في الالتماس، فقد يتاح لها توضيح حدود قدرة المحاكم الفيدرالية على مراجعة احتجاز المهاجرين في ظروف مماثلة.
لكن الأثر القانوني النهائي سيعتمد على المسائل التي تقبل المحكمة بحثها، والأسس التي تستند إليها في قرارها، وما إذا كانت ستصدر حكماً يحدد نطاق الرقابة القضائية في قضايا الاحتجاز المرتبطة بإجراءات الهجرة.
وبينما تتمسك الحكومة الأميركية بصلاحياتها في تطبيق قوانين الهجرة، يثير خليل وفريقه سؤالاً دستورياً أوسع بشأن الضمانات المتاحة لغير المواطنين عندما تتداخل إجراءات الترحيل مع نشاط سياسي محمي. ولا يتعلق النزاع بمستقبل خليل وحده، بل أيضاً بحدود السلطة التنفيذية ودور القضاء في حماية الحقوق والحريات داخل الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
قاضٍ أمريكي يجيز ترحيل صلاح صرصور.. معركة قضائية جديدة بعد 3 عقود في الولايات المتحدة
دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بالتمييز ضد الفلسطينيين وملاحقة النشاط المؤيد لغزة

