وطن-كشفت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية أن شركات إنشاءات مصرية أجرت أعمال مسح ميداني داخل أنقاض مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، تمهيداً لمشروع سكني جديد يحمل اسم «رفح الخضراء»، وفقاً لمصادر مصرية نقلت عنها الصحيفة. وقالت المصادر إن المهندسين المصريين عملوا في مناطق بشرق رفح تحت إشراف الجيش الإسرائيلي ومراقبة جوية، في تطور يفتح تساؤلات بشأن ترتيبات إعادة الإعمار ومستقبل السكان الفلسطينيين في المنطقة.
وبحسب مصدر عسكري مصري رفيع في شمال سيناء، دخل مهندسون مصريون إلى مواقع عدة في شرق رفح لإجراء أعمال المعاينة والمسح، بمرافقة القوات الإسرائيلية طوال فترة وجودهم داخل القطاع، قبل مغادرتهم المنطقة.
وكانت رفح، قبل الحرب الإسرائيلية على غزة، موطناً لنحو 250 ألف فلسطيني، وتضم أسواقاً شعبية ومخيمات سكنية ومناطق زراعية. لكن العمليات العسكرية والدمار الواسع غيّرا معالم المدينة، فيما فقد عدد كبير من سكانها منازلهم واضطروا إلى النزوح.
مشروع سكني يستوعب 20 ألف فلسطيني في مرحلته الأولى
قال المصدر العسكري، الذي تحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته، إن المرحلة الأولى من مشروع «رفح الخضراء» يُفترض أن تستوعب نحو 20 ألف فلسطيني، ضمن ترتيبات يُتوقع أن تشارك فيها قوة متعددة الجنسيات في إطار خطة أوسع لمستقبل قطاع غزة.
وأضاف أن بدء إزالة الركام وأعمال البناء قد يتأخر إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، خشية أن تتحول الخطوة إلى مادة في التجاذبات السياسية الداخلية.
وتتقاطع هذه المعلومات مع تقارير سابقة نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية عن موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس على تنفيذ أعمال بنية تحتية في شرق رفح، داخل منطقة تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية قرب ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». وتشمل الأعمال المقترحة تجهيز الموقع وربطه بشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
شركات مرتبطة بإبراهيم العرجاني في واجهة التحركات
ونقلت «ميدل إيست آي» عن مصدر مصري يعمل مع مجموعة الأورغاني أن إدارة المجموعة طلبت إرسال فريق إلى رفح لمعاينة الموقع المقترح لإنشاء مبانٍ سكنية.
ويرتبط اسم رجل الأعمال السيناوي إبراهيم العرجاني بشبكة من الشركات العاملة في الإنشاءات والخدمات والنقل. كما أثار توسع أعماله وعلاقاته بالمؤسسات الأمنية المصرية اهتمام وسائل إعلام دولية، خصوصاً في ما يتعلق بدوره في الأنشطة التجارية المرتبطة بمعبر رفح وحركة الأشخاص والبضائع بين مصر وقطاع غزة.
وأكد المصدر العامل مع مجموعة الأورغاني أن فريق المسح كان برفقة الجيش الإسرائيلي، مضيفاً أن نتائج المعاينة سُلّمت تمهيداً لإعداد الرسومات الهندسية والدراسات اللازمة، بما يشمل إزالة الركام وتسوية الأرض قبل بدء الإنشاءات.
وأشار المصدر إلى أن المشروع يُفترض أن يخضع لإدارة دولية، وأن شركات مصرية مرتبطة بالعرجاني قد تحصل على جزء من أعمال إعادة الإعمار المخصصة للشركات المصرية، مع احتمال إسناد بعض الأعمال إلى شركات أصغر من الباطن.
وقالت الصحيفة إنها تواصلت مع مجموعة الأورغاني والهيئة العامة للاستعلامات المصرية للحصول على تعليق، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى موعد نشر التقرير.
«رفح الخضراء» ضمن خطط إعادة تشكيل جنوب غزة
لا يقتصر الجدل حول المشروع على أعمال البناء، بل يمتد إلى موقعه وطبيعة السيطرة الأمنية والإدارية عليه. فبحسب التقارير الإسرائيلية، يقع الموقع في منطقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ويُفترض أن يكون مخصصاً لإقامة فلسطينيين في نطاق خارج سيطرة حركة حماس، مع دور محتمل لقوة دولية.
وفي أغسطس الماضي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن نتنياهو وكاتس وافقا على دفع أعمال البنية التحتية في المنطقة، رغم تصريحات سابقة ربطت إعادة إعمار غزة بنزع سلاح حماس. وقال مكتب نتنياهو، وفق ما نقلته تقارير إعلامية، إن المشروع تجريبي ومدعوم من الإمارات، وإن العمل عليه بدأ قبل الإعلان عن التحركات الميدانية الأخيرة.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة في ظل استمرار النزوح والدمار، وغياب تفاصيل واضحة بشأن الجهة التي ستتولى إدارة المشروع، ومعايير اختيار المستفيدين من المساكن الجديدة، والضمانات المتعلقة بحقوق السكان الأصليين.
دعم أمريكي محتمل.. من دون إعلان رسمي عن تفاصيل المشروع
ونقلت «ميدل إيست آي» عن المصدر العسكري المصري قوله إن عمليات المسح حظيت بدعم أمريكي، وإن تعليمات بشأن التحركات في رفح نُقلت عبر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف خلال زيارة إلى مصر.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد التقى راتكليف في القاهرة يوم 20 سبتمبر، بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد. ووفق البيان الرسمي المصري، تناول اللقاء تطورات غزة وضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
لكن البيان العلني بشأن الاجتماع لم يذكر مشروع «رفح الخضراء» أو تفاصيل أعمال المسح والبناء في شرق رفح.
وفي سياق متصل، سبق أن كشفت وكالة رويترز عن خطط لإنشاء مجمع سكني ممول من الإمارات قرب رفح، بالتعاون بين شركة إنشاءات فلسطينية وشركتين مصريتين، في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وقالت الوكالة إن المشروع يستهدف إسكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين النازحين، لكن تنفيذ الخطة كان يواجه عقبات مرتبطة بالموافقات الإسرائيلية.
فجوة التمويل تعقّد إعادة إعمار غزة
تأتي التحركات الميدانية في وقت تتجاوز فيه احتياجات غزة لإعادة الإعمار قدرات التمويل المعلنة حتى الآن. ووفق تقديرات وردت في تقارير دولية، يحتاج القطاع إلى عشرات المليارات من الدولارات للتعافي وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية والمرافق العامة التي دمرتها الحرب.
ولا تتعلق المسألة بتوفير مساكن جديدة فحسب، بل بضمان إعادة بناء المدن والأحياء بما يحفظ حقوق السكان، ويتيح لهم العودة إلى مناطقهم، ويؤمّن الخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم.
وبينما تبرز «رفح الخضراء» بوصفها أحد المشاريع المطروحة لإيواء النازحين، فإن الغموض المحيط بملكية الأرض، والجهة المشرفة، ومعايير إسكان الفلسطينيين، وطبيعة السيطرة الأمنية على الموقع، يجعل المشروع جزءاً من نقاش أوسع حول شكل غزة بعد الحرب، ومن يملك حق تقرير مستقبلها.
اقرأ أيضاً
71.5 مليار دولار لإعادة إعمار غزة.. تقرير أممي يرصد انهيار الاقتصاد الفلسطيني
كوشنر يقرّ بتأخر خطة غزة.. وتمويل أولي محدود بـ2.45 مليار دولار لإعادة الإعمار
واشنطن تضغط لخطة جديدة في غزة.. إعادة إعمار قبل نزع سلاح حماس؟
غزة بعد عام من وقف إطلاق النار.. مرضى يموتون بلا علاج ومأوى يهدد النازحين

