وطن-قدّرت الأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.5 مليار دولار، في وقت وثّق فيه تقرير حديث للأمم المتحدة حجم الانهيار الذي أصاب الاقتصاد الفلسطيني بعد الحرب، مع تضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في القطاع.
وجاءت الأرقام في أحدث تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» حول تطورات الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذي عُرض في 24 سبتمبر/أيلول 2026، وسط تحذيرات من أن إعادة بناء غزة لن تقتصر على تشييد المباني والبنية التحتية، وإنما ستتطلب أيضاً إعادة بناء القدرات الإنتاجية والمالية والاقتصادية للقطاع.
71.5 مليار دولار فاتورة التعافي وإعادة الإعمار
وفق التقرير، تبلغ الاحتياجات الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار في غزة نحو 71.5 مليار دولار. ويأتي هذا التقدير في تقييم سريع للأضرار والاحتياجات أعدّه البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
ويقدّر التقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تصل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى نحو 22.7 مليار دولار حتى أوائل عام 2026، مع احتمال ارتفاع فاتورة إعادة الإعمار إذا استمر تسجيل أضرار جديدة.
ويشير التقرير إلى أن قطاع الإسكان يمثل أكبر فئة من الأضرار، وكذلك أكبر احتياجات إعادة الإعمار، فيما تعرضت قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والبنية الإنتاجية لخسائر واسعة.
اقتصاد غزة عند جزء ضئيل من حجمه السابق
يكشف التقرير عن حجم الانكماش الذي أصاب اقتصاد القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد تراجع الناتج المحلي الحقيقي في غزة بنسبة 83% خلال عام 2024، قبل أن يسجل نمواً إحصائياً بنسبة 34.2% في 2025، لكنه جاء من قاعدة اقتصادية شديدة الانخفاض.
وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة 212 دولاراً فقط عام 2025، أي ما يعادل نحو 58 سنتاً يومياً، ولم يتجاوز 17% من مستواه في عام 2022.
كما تراجعت حصة غزة من الناتج المحلي الفلسطيني من 17.4% قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أقل من 4% في عام 2025.
أما البطالة، فقد بلغت 78% في القطاع، في حين خسر الاقتصاد الفلسطيني مئات الآلاف من الوظائف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تقدير خسائر دخل العمل المتراكمة بنحو 2.8 مليار دولار.
92% من المنشآت الاقتصادية تضررت أو دُمرت
بحسب الأونكتاد، تضررت أو دُمرت نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولم تقتصر الخسائر على المنشآت التجارية والصناعية، إذ تعرضت القطاعات الإنتاجية الرئيسية لانكماش حاد. وكان قطاع البناء الأكثر تضرراً، بعدما أصبح إنتاجه في 2025 أقل بنحو 99% من مستواه في 2022، بينما تراجع إنتاج الزراعة والصناعة بنحو 94% لكل منهما.
كما بقي مستوى الأسعار في غزة عام 2025 أعلى بنسبة 274% مقارنة بعام 2022، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها السكان والاقتصاد المحلي.
الإسكان والصحة والزراعة أمام مهمة إعادة بناء ضخمة
يمثل قطاع الإسكان أكبر بند في احتياجات إعادة الإعمار، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالمساكن والمنشآت المدنية، وفي القطاع الصحي، أصبحت أكثر من نصف المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية خارج الخدمة، وفق التقرير.
أما الزراعة، فقد تضررت بصورة بالغة، إذ لم يبقَ سوى أقل من 1.5% من الأراضي الزراعية في غزة متاحاً وغير متضرر، الأمر الذي زاد اعتماد السكان على المساعدات الغذائية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن إعادة تشغيل الاقتصاد ستحتاج إلى أكثر من إزالة الركام وإعادة بناء المباني، إذ يتعين أيضاً استعادة شبكات الطاقة والمياه والخدمات الأساسية، وإعادة بناء قطاعات الزراعة والصناعة والتشييد والتكنولوجيا.
الأونكتاد: إعادة الإعمار تحتاج إلى دعم دولي واسع
أكد التقرير أن التعافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يحتاج إلى مساعدات مالية وفنية دولية واسعة النطاق، مع التركيز على إعادة بناء القدرات الإنتاجية وليس فقط إعادة الاقتصاد إلى مستوى ما قبل الحرب.
وحدد التقرير ثلاث أولويات فورية، هي تحويل الإيرادات الفلسطينية المحتجزة، وحماية النظام المصرفي، ومواءمة المساعدات المخصصة لإعادة الإعمار مع الحجم الفعلي للأضرار والخسائر الموثقة.
كما حذر من الضغوط المتزايدة على المالية العامة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الاقتطاعات والإيرادات المحتجزة بين يناير/كانون الثاني 2019 ومارس/آذار 2026 تجاوزت، وفق تقديرات التقرير، 3.67 مليار دولار.
الضفة الغربية.. أزمة اقتصادية تتسع
لم يحصر التقرير تداعيات الأزمة في قطاع غزة، بل رصد أيضاً تدهوراً متزايداً في اقتصاد الضفة الغربية. وأشار الأونكتاد إلى تراجع وصول الفلسطينيين إلى الأراضي والموارد الطبيعية في ظل توسع المستوطنات، إلى جانب ارتفاع معدلات النزوح وتزايد القيود الاقتصادية.
وذكر التقرير أن 38 تجمعاً فلسطينياً أُفرغ من سكانه منذ عام 2023، كما تجاوز عدد حالات النزوح المسجلة خلال الربع الأول من عام 2026 إجمالي العدد المسجل خلال عام 2025. وفي الوقت نفسه، سجلت الضفة الغربية ضغوطاً متزايدة على النشاط الاقتصادي، في ظل القيود على الحركة والوصول إلى الأراضي والموارد.
أزمة تتجاوز إعادة بناء المباني
ويخلص تقرير الأونكتاد إلى أن حجم الدمار يجعل التعافي الاقتصادي في غزة تحدياً طويل الأمد، لا مجرد عملية لإعادة تشييد المباني والمنشآت المدمرة.
فالاقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية، فيما تراجعت فرص العمل وتضررت قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة، وأصبحت إعادة بناء رأس المال المادي والبشري والمؤسسات الاقتصادية شرطاً لاستعادة النشاط.
ويرى التقرير أن إعادة بناء القدرات الإنتاجية في الزراعة والصناعة والتشييد والطاقة والتكنولوجيا ستكون عنصراً أساسياً في أي تعافٍ يتجاوز مجرد العودة إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي ظل تقدير احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بـ71.5 مليار دولار، يضع التقرير المجتمع الدولي أمام مهمة تتجاوز توفير الأموال لإعادة البناء، إلى توفير الظروف الاقتصادية والمؤسساتية التي تسمح للاقتصاد الفلسطيني باستعادة قدرته على العمل والنمو.
اقرأ المزيد
عشرات الشهداء والجرحى في غزة مع استمرار القصف الإسرائيلي على المدنيين
كوشنر يقرّ بتأخر خطة غزة.. وتمويل أولي محدود بـ2.45 مليار دولار لإعادة الإعمار
فيلسوف إسباني: إسرائيل “بقايا أسوأ ما في أوروبا”.. وغزة نقطة تحول حضارية

