وطن-افتتحت كولومبيا، الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول، سفارتها في القدس الغربية، في خطوة تمثل تحولاً جديداً في سياستها الخارجية تجاه إسرائيل، وتعيد إلى الواجهة الخلاف الدولي بشأن الوضع القانوني للمدينة ومكانتها في أي تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وشارك في مراسم الافتتاح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ونظيره الكولومبي عمر بولا إسكوبار، وفق تقارير إعلامية. وبذلك أصبحت كولومبيا، بحسب الجانب الإسرائيلي، الدولة العاشرة التي تقيم سفارة لها في القدس، في وقت لا تزال فيه غالبية الدول تحتفظ ببعثاتها الدبلوماسية في تل أبيب.
وجاءت الخطوة في ظل توجه جديد تتبناه حكومة الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الذي تولى منصبه في أغسطس/آب الماضي، لإعادة بناء العلاقات مع إسرائيل بعد القطيعة التي شهدتها فترة سلفه غوستافو بيترو.
تنديد فلسطيني وتحذير من تداعيات القرار
في المقابل، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية افتتاح السفارة في القدس المحتلة، معتبرة الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، واعتداءً على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
وقالت الوزارة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، إن الإجراءات الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة «باطلة ولاغية»، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.
وأشارت إلى أن افتتاح السفارة يتعارض، وفق موقفها، مع قراري مجلس الأمن الدولي رقمي 476 و478، محذرة من أن الخطوة تقوض التوافق الدولي بشأن وضع القدس، وتشجع على فرض وقائع جديدة على الأرض.
وطالبت الخارجية الفلسطينية الحكومة الكولومبية بالتراجع عن قرارها، ودعت الدول والمنظمات الدولية إلى اتخاذ خطوات لحماية الحقوق الفلسطينية، مؤكدة أن تحقيق السلام العادل يرتبط بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.
ولم يقتصر الاعتراض على الجانب الفلسطيني؛ إذ دانت وزارة الخارجية الأردنية افتتاح السفارة، واعتبرت الخطوة خرقاً للقانون الدولي والقرارات الدولية، مشددة على أن أي إجراءات تستهدف تغيير الوضع القانوني للقدس تفتقر إلى الشرعية والأثر القانوني. وجددت عمّان موقفها الداعي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
إسرائيل ترحب بعودة العلاقات إلى مسارها السابق
رحب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بالخطوة، معتبراً أنها تعكس تحسناً سريعاً في العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر خلال حكم غوستافو بيترو.
ونقلت وسائل إعلام عن ساعر قوله إن الجانبين تمكنا خلال شهرين من عكس معظم الآثار السلبية التي خلفتها الإدارة السابقة على العلاقات بين البلدين، كما شكر الرئيس دي لا إسبرييلا على مساعيه الرامية إلى رفع مستوى التعاون بين بوغوتا وتل أبيب.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مساعٍ إسرائيلية لتوسيع علاقاتها الدبلوماسية في أميركا اللاتينية، في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية متزايدة على خلفية حربها على قطاع غزة.
استئناف التعاون التجاري والدبلوماسي
تزامن افتتاح السفارة مع خطوات أخرى لإعادة تنشيط العلاقات بين البلدين، بعدما أعلنت كولومبيا وإسرائيل استعادة العلاقات الدبلوماسية في أغسطس/آب 2026، عقب قطعها في مايو/أيار 2024 خلال حكومة بيترو. كما أشارت تقارير إعلامية إلى استئناف العمل باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، في إطار مساعي الحكومة الكولومبية الجديدة لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري مع إسرائيل.
وكانت وزارة الخارجية الكولومبية قد أعلنت، قبل الافتتاح، أن زيارة الوزير عمر بولا إسكوبار إلى إسرائيل تهدف إلى تعزيز الحوار السياسي وتوسيع مجالات التعاون، بما يشمل الأمن والدفاع والأمن السيبراني والابتكار والاستثمار والتبادل التجاري.
وخلال مراسم الافتتاح، قدم المسؤولون الإسرائيليون والكولومبيون الخطوة باعتبارها محطة جديدة في العلاقات الثنائية، بعد مرحلة اتسمت بالخلافات السياسية والدبلوماسية بشأن الحرب على غزة.
من سياسة غوستافو بيترو إلى توجه جديد
كان الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو من أبرز المنتقدين لإسرائيل في أميركا اللاتينية على خلفية الحرب على غزة. وخلال ولايته، قطعت حكومته العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو/أيار 2024، في خطوة عكست اتساع الخلاف بين الجانبين بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعياتها الإنسانية.
أما الرئيس الحالي أبيلاردو دي لا إسبرييلا، فقد اتجه منذ توليه السلطة إلى إعادة بناء العلاقات مع إسرائيل، وهو تحول ظهر في استعادة العلاقات الدبلوماسية، ثم افتتاح السفارة في القدس، إلى جانب التحركات الرامية إلى تعزيز التعاون التجاري والأمني.
وتعكس هذه القرارات تغييراً في أولويات السياسة الخارجية الكولومبية مقارنة بالإدارة السابقة، كما تمنح إسرائيل شريكاً دبلوماسياً إضافياً في أميركا اللاتينية.
القدس في قلب الخلاف الدولي
يتجاوز الخلاف بشأن افتتاح السفارة مسألة العلاقات الثنائية، إذ يرتبط بالموقف الدولي من وضع القدس، التي يطالب الفلسطينيون بأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية.
وتعارض غالبية الدول نقل سفاراتها إلى القدس، في ظل الخلاف بشأن وضع المدينة والاحتلال الإسرائيلي للجزء الشرقي منها. ويُعد قرار كولومبيا خطوة دبلوماسية ذات دلالة سياسية، لكنه لا ينهي الجدل الدولي بشأن الوضع النهائي للمدينة.
وفي ظل التنديد الفلسطيني والأردني، يضع افتتاح السفارة الحكومة الكولومبية أمام انتقادات مرتبطة بقرارات الأمم المتحدة وموقفها من الحقوق الفلسطينية، بينما تنظر إليه الحكومة الإسرائيلية بوصفه مؤشراً على تحسن علاقاتها الخارجية واتساع دائرة الدول التي تقيم بعثات دبلوماسية في القدس.
اقرأ أيضاً
كولومبيا تستأنف تصدير الفحم إلى إسرائيل بعد الاعتراف بسيادتها على الجولان السوري المحتل
كولومبيا تنقلب على إرث بيترو.. إلغاء التأشيرات مع إسرائيل يعكس تحولاً واسعاً في سياسة بوغوتا
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟

