وطن-من حماية الحدود والدفاع عن الأمن القومي إلى إنتاج الأغذية وإدارة المشروعات والمشاركة في قطاعات مدنية متعددة، يثير الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية في مصر نقاشاً متجدداً حول حدود العلاقة بين الجيش والاقتصاد، وانعكاسات هذه العلاقة على طبيعة المؤسسة العسكرية والمنافسة داخل السوق.
ويستند منتقدو هذا التوسع إلى أن القوات المسلحة ينبغي أن تركز على مهامها الدفاعية، وأن تخضع الأنشطة الاقتصادية المدنية لقواعد المنافسة والشفافية والمحاسبة نفسها التي يخضع لها القطاع الخاص. وفي المقابل، تبرر الجهات الرسمية جانباً من هذه الأنشطة بالمساهمة في توفير السلع، واستغلال القدرات الإنتاجية، وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة.
لكن جوهر النقاش لا يتعلق بقدرة الجيش على الإنتاج فحسب، بل بمدى وضوح حسابات الشركات التابعة له، وطبيعة الامتيازات التي تحصل عليها، وتأثير وجودها في فرص الشركات الخاصة، فضلاً عن الحدود الفاصلة بين المهام العسكرية والنشاط التجاري.
من الصناعات العسكرية إلى الأسواق المدنية
لم يبدأ الحضور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بل تعود جذوره إلى عقود سابقة. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن مشاركة القوات المسلحة في الإنتاج المدني توسعت منذ ستينيات القرن الماضي، ثم تعززت مؤسسياً مع إنشاء جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عام 1979. ومع مرور الوقت، امتدت أنشطة شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى قطاعات متنوعة، تشمل الصناعات الغذائية والأسمنت والأسمدة والوقود والإنشاءات، إلى جانب منتجات استهلاكية أخرى.
ووفق تقرير لصندوق النقد الدولي صدر عام 2025، توجد نحو 80 شركة مملوكة للمؤسسة العسكرية، تتبع ثلاث جهات رئيسية، من بينها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة القومية للإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع. وأشار التقرير إلى أن هذه الشركات تنشط في أسواق مدنية متعددة، وأن محدودية المعلومات المنشورة عن أوضاعها المالية تجعل تقييم حجم دورها الاقتصادي بدقة أمراً صعباً.
وبذلك، فإن الجدل بشأن دخول الجيش إلى الأسواق المدنية يتجاوز مسألة إنتاج سلعة بعينها، ليشمل طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يشارك فيه الجيش، وحدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه مؤسساته خارج نطاق الدفاع والتصنيع العسكري.
المكرونة والأسماك والمواد الغذائية.. لماذا يثير النشاط التجاري الجدل؟
تظهر منتجات غذائية واستهلاكية مرتبطة بشركات عسكرية في السوق المصرية، إلى جانب أنشطة في مجالات البناء والطاقة والخدمات. وقد أثار هذا التنوع انتقادات بشأن مدى ملاءمة انخراط المؤسسة العسكرية في قطاعات يستطيع القطاع الخاص العمل فيها.
ويرى منتقدون أن إنتاج المكرونة والألبان والأسماك وغيرها من السلع المدنية يطرح سؤالاً أساسياً: هل ينبغي أن تتولى مؤسسات عسكرية هذه الأنشطة بصورة مباشرة، أم أن الأفضل إتاحة المجال للشركات المتخصصة والمنافسة على أساس قواعد واضحة؟
وفي المقابل، تقول المبررات الرسمية المرتبطة بهذا النموذج إن الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية تستطيع استغلال الأراضي والمعدات والقدرات الإنتاجية المتاحة، والمساهمة في توفير بعض السلع بأسعار مناسبة، فضلاً عن دعم الإنتاج المحلي.
لكن تقييم هذه المبررات يتطلب بيانات واضحة عن تكلفة الإنتاج، والأسعار، والضرائب، والأجور، وحجم الدعم أو الامتيازات، ومدى استفادة المستهلكين فعلياً. فمجرد وجود منتجات في الأسواق لا يثبت وحده أنها أقل تكلفة أو أكثر كفاءة من المنتجات المنافسة.
المنافسة والامتيازات.. سؤال القطاع الخاص
من أبرز القضايا التي يثيرها التوسع الاقتصادي للمؤسسات العسكرية مسألة تكافؤ الفرص بين الشركات. ويشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن شركات مملوكة للمؤسسة العسكرية استفادت من مزايا تشمل إعفاءات ضريبية خاصة، وإمكانية الوصول إلى أراضٍ ذات مواقع مهمة، وتجاوز بعض الإجراءات التنظيمية المعقدة، فضلاً عن الاستفادة من العمالة منخفضة التكلفة في بعض الأنشطة.
ويرى الصندوق أن هذه الظروف، إلى جانب محدودية الشفافية المالية، قد تؤثر في قدرة الشركات الخاصة على المنافسة، وتضعف الحوافز الاستثمارية عندما يشعر المستثمرون بأن قواعد السوق لا تطبق بالطريقة نفسها على جميع الأطراف.
ولا يعني ذلك أن كل شركة تابعة للمؤسسة العسكرية تحقق أرباحاً أو تحتكر قطاعاً كاملاً؛ فالأثر يختلف من نشاط إلى آخر، كما أن حجم الحصة السوقية ليس المؤشر الوحيد على المنافسة. فقد يكون دخول جهة تتمتع بامتيازات مؤثرة في قرارات الاستثمار والتوسع لدى منافسيها، حتى إذا لم تكن صاحبة الحصة الأكبر في السوق.
ومن هنا تبرز أهمية إخضاع الأنشطة التجارية لقواعد معلنة، ونشر البيانات المالية الأساسية، وتوضيح طبيعة الإعفاءات والتعاقدات، بما يسمح بتقييم الأداء على أسس اقتصادية قابلة للمقارنة.
هل يؤدي التوسع الاقتصادي إلى إبعاد الجيش عن مهمته الأساسية؟
يتمحور أحد أبرز الانتقادات حول احتمال أن يؤدي اتساع الأنشطة التجارية إلى تشتيت الموارد والاهتمام بعيداً عن الوظيفة الدفاعية للمؤسسة العسكرية. فإدارة المصانع والمزارع والمشروعات الإنشائية تتطلب موارد بشرية وإدارية ومالية، كما تضع المؤسسات العاملة فيها أمام أهداف تتعلق بالإنتاج والتكاليف والإيرادات.
ويرى أصحاب هذا الانتقاد أن تركيز القوات المسلحة على التدريب والاستعداد والمهام الدفاعية ينبغي أن يظل أولوية، وأن إدارة القطاعات المدنية يمكن أن تُترك لشركات متخصصة تعمل في إطار المنافسة والرقابة المدنية. لكن إثبات أن نشاطاً اقتصادياً بعينه أضعف الاستعداد العسكري يحتاج إلى أدلة محددة بشأن توزيع الموارد والأفراد والميزانيات، ولا يكفي الاستناد إلى وجود شركات مدنية تابعة للمؤسسة العسكرية وحده لاستخلاص هذه النتيجة.
لذلك، يتمثل السؤال الأهم في كيفية الفصل المؤسسي بين متطلبات الدفاع وإدارة الأعمال، وضمان ألا تتعارض الأولويات التجارية مع الجاهزية العسكرية، وألا تتحول الأنشطة الاقتصادية إلى بديل عن الرقابة والمحاسبة.
دور تاريخي يتجاوز عهد السيسي
توسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية في مصر خلال السنوات الماضية، لكنه لم ينشأ مع وصول السيسي إلى الحكم. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن دور الشركات العسكرية اتسع بعد عام 2011، ثم تعزز مع مشروعات البنية التحتية والإنشاءات التي شهدتها البلاد منذ منتصف العقد الماضي.
وفي دراسة نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الاقتصاد المصري، ورد أن مؤسسات عسكرية شاركت تاريخياً في إنتاج سلع مدنية، وأن دور الدولة في الإنتاج والتعاقدات توسع خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع مشروعات بنية تحتية واسعة.
وتشير هذه الخلفية إلى أن النقاش لا يتعلق بقرار منفرد أو مرحلة سياسية واحدة، بل بنموذج اقتصادي أوسع تتداخل فيه ملكية الدولة مع دور المؤسسات العسكرية في الإنتاج والاستثمار وإدارة الأصول. ومع ذلك، يظل من المهم التمييز بين المراحل التاريخية المختلفة، وعدم افتراض أن حجم الأنشطة أو طبيعة إدارتها ظلا ثابتين عبر العقود.
الحكومة تتحدث عن توسيع دور القطاع الخاص
في المقابل، أعلنت الحكومة المصرية في مناسبات متعددة عن خطط لطرح شركات مملوكة للدولة، بينها شركات تابعة للقوات المسلحة، أمام المستثمرين أو في سوق الأوراق المالية، ضمن برنامج أوسع يستهدف زيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد. وفي مايو 2026، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء متابعة خطط لطرح شركات حكومية، بما فيها شركات تابعة للقوات المسلحة، ضمن مراجعة سياسة ملكية الدولة وتعزيز مساهمة القطاع الخاص.
وتثير هذه الخطط تساؤلات عن مدى تنفيذ الطروحات، وطبيعة الملكية التي ستبقى للدولة، ومستوى الإفصاح المالي، وشروط المنافسة بعد دخول مستثمرين جدد. فالإعلان عن الطرح لا يعني بالضرورة إتمامه، كما أن تغيير هيكل الملكية لا يضمن وحده تحقيق المنافسة ما لم تصاحبه قواعد رقابية واضحة.
ومن ثم، فإن تقييم الإصلاحات الاقتصادية يتطلب متابعة النتائج الفعلية، بما في ذلك ما تم طرحه، وحجم الاستثمارات التي جرى جذبها، ومدى تحسن بيئة الأعمال أمام الشركات الخاصة.
الفصل بين الدفاع والاقتصاد.. حماية للمؤسسات أم تغيير للنموذج؟
لا يعني النقاش حول الدور الاقتصادي للجيش التشكيك في أهمية المؤسسة العسكرية أو في دورها الدفاعي. بل يتعلق بتحديد الاختصاصات، وضمان الشفافية، ومنع تضارب المصالح، وتوفير بيئة اقتصادية تتيح للشركات المنافسة وفق قواعد مشتركة.
ويستند أنصار تقليص النشاط التجاري العسكري إلى أن ترك إدارة المشروعات المدنية للجهات المتخصصة يمكن أن يخفف العبء الإداري عن المؤسسة العسكرية، ويزيد وضوح المسؤوليات، ويعزز الرقابة على الإنفاق العام. أما المؤيدون لاستمرار هذا الدور، فيشيرون إلى قدرة المؤسسات العسكرية على تنفيذ بعض المشروعات بسرعة، وتعبئة الموارد، والمساهمة في توفير منتجات للسوق.
والفصل بين الموقفين يتطلب بيانات موثوقة عن النتائج والتكاليف، لا الاكتفاء بالشعارات أو الافتراضات. فالمعيار الأساسي ينبغي أن يكون مدى خدمة النشاط للمصلحة العامة، وكفاءته الاقتصادية، وشفافيته، وعدم تعارضه مع الوظيفة الدفاعية.
الجيش بين متطلبات الأمن القومي وحسابات السوق
يبقى السؤال المطروح في مصر هو كيفية تحقيق التوازن بين الاحتياجات الدفاعية ومتطلبات الاقتصاد المدني. فالمؤسسة العسكرية تؤدي دوراً أساسياً في حماية البلاد، بينما تحتاج الأسواق إلى منافسة عادلة ومعلومات مالية واضحة ومحاسبة فعالة.
وإذا كان الهدف هو تعزيز قوة الجيش واستقرار الاقتصاد معاً، فإن النقاش يحتاج إلى قواعد تحدد طبيعة الأنشطة العسكرية والتجارية، وتضمن شفافية حساباتها، وتوضح مسؤوليات إدارتها، وتحمي المنافسة من الامتيازات غير المتكافئة.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس أداء المؤسسة العسكرية بعدد المصانع أو المشروعات التي تديرها، كما لا يُقاس إصلاح الاقتصاد بمجرد نقل ملكية الشركات. بل يتطلب الأمر تحديداً واضحاً للاختصاصات، ورقابة فعالة، ومنافسة منصفة، وتوجيهاً للموارد بما يخدم الأمن القومي والتنمية الاقتصادية معاً.
اقرأ المزيد
واشنطن توافق على صفقات أسلحة لمصر والكويت والإمارات بأكثر من ملياري دولار.
واشنطن تفرج عن 320 مليون دولار لمصر بعد إعفاء حقوقي.. عندما تتقدم اعتبارات الأمن القومي

