وطن-فشل زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر البريطاني، في الفوز بالمقعد البرلماني عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس في لندن، بعدما تفوقت عليه مرشحة حزب العمال ساغال عبدي والي في الانتخابات الفرعية التي جرت الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول. لكن النتيجة لم تكن خسارة انتخابية عادية؛ إذ حقق الخضر قفزة كبيرة في حصتهم من الأصوات، في دائرة ارتبطت طويلاً بحزب العمال وشغل مقعدها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر.
وحصلت عبدي والي على 12,292 صوتاً، بنسبة 45.2%، مقابل 8,928 صوتاً لبولانسكي، الذي نال 32.8% من الأصوات. وبلغ الفارق بين المرشحين 3,364 صوتاً، فيما ارتفعت حصة الخضر بنحو 22.4 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات عام 2024، بينما تراجعت حصة العمال بنحو 3.7 نقطة.
وتضع هذه الأرقام الحزبين أمام قراءتين مختلفتين للنتيجة: العمال احتفظوا بالمقعد الذي شغله ستارمر، فيما أثبت الخضر قدرتهم على المنافسة بقوة في إحدى الدوائر البارزة بالعاصمة. أما مستقبل بولانسكي داخل حزبه، فقد عاد إلى واجهة النقاش في أعقاب الهزيمة، وسط انتقادات تتعلق بقيادته وطريقة تعامله مع الخلافات الداخلية.
العمال يحتفظون بمقعد ستارمر
جاءت الانتخابات الفرعية بعد استقالة كير ستارمر من مقعده البرلماني في سبتمبر/أيلول 2026، عقب مغادرته رئاسة الحكومة. وأتاح شغور المقعد فرصة لاختبار شعبية حزب العمال تحت قيادة رئيس الوزراء آندي بيرنهام، الذي تولى المنصب في يوليو/تموز.
وفازت ساغال عبدي والي، زعيمة مجلس كامدن المحلية واللاجئة السابقة التي وصلت إلى بريطانيا من الصومال في طفولتها، بالمقعد لصالح العمال. ولم يكن فوزها مجرد احتفاظ بمقعد تقليدي للحزب؛ فقد جاء في وقت يسعى فيه العمال إلى استعادة ثقة الناخبين الذين اتجه بعضهم إلى قوى سياسية أخرى، بينها حزب الخضر.
ومع ذلك، فإن تراجع حصة العمال مقارنة بانتخابات 2024 يوضح أن الفوز لم يُنهِ المنافسة على أصوات الناخبين التقدميين في الدائرة. فالفارق البالغ 3,364 صوتاً منح العمال المقعد، لكنه جاء أقل من الأغلبية التي حققها ستارمر في الانتخابات العامة السابقة، والبالغة 11,572 صوتاً.
بولانسكي يخسر المقعد ويعزز حضور الخضر
على الرغم من خسارة بولانسكي، سجل حزب الخضر تقدماً انتخابياً لافتاً في الدائرة. فقد حصل زعيم الحزب على نحو ثلث الأصوات، بعدما كانت حصة الخضر أقل بكثير في الانتخابات العامة لعام 2024.
وتعكس هذه القفزة قدرة الحزب على استقطاب ناخبين يبحثون عن بديل أكثر تقدمية من حزب العمال، خصوصاً في ملفات العدالة الاجتماعية والبيئة والسياسة الخارجية والقضية الفلسطينية. لكنها لا تكفي وحدها للقول إن الخضر أصبحوا قوة مهيمنة على المستوى الوطني، إذ ينبغي التمييز بين أداء الحزب في دائرة محددة واتجاهات التصويت في بريطانيا ككل.
وكان الخضر قد عززوا حضورهم في الأشهر الماضية، مستفيدين من تراجع الثقة بحكومة ستارمر ومن اعتراضات على مواقفها في عدد من القضايا الداخلية والدولية. كما حقق الحزب مكاسب في انتخابات فرعية ومحلية سابقة، ما ساعده على توسيع حضوره خارج قاعدته التقليدية.
لكن صعود آندي بيرنهام إلى رئاسة الحكومة غيّر المشهد الذي تحرك فيه بولانسكي. فوجود قيادة عمالية جديدة قد يستعيد بعض الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب في عهد ستارمر، ويقلص المساحة التي استفاد منها الخضر باعتبارهم بديلاً يسارياً لحكومة العمال السابقة.
غزة والسياسة الخارجية في قلب المنافسة
لم تقتصر المنافسة في هولبورن وسانت بانكراس على القضايا المحلية، بل تداخلت مع الجدل حول موقف الأحزاب البريطانية من إسرائيل والحرب في غزة.
ووفق تحليل نشرته صحيفة «ميدل إيست آي»، ربما أسهمت مواقف حكومة بيرنهام المتعلقة بالمستوطنات الإسرائيلية في استعادة بعض ثقة الناخبين الذين شعروا بالاستياء من سياسات حكومة ستارمر. غير أن تحديد حجم تأثير هذا العامل في النتيجة يحتاج إلى أدلة انتخابية أكثر تفصيلاً، ولا يمكن استخلاصه من الأرقام وحدها.
وتحظى القضية الفلسطينية باهتمام سياسي في أوساط من الناخبين البريطانيين، لكن التصويت يتأثر أيضاً بقضايا الإسكان وتكاليف المعيشة والخدمات العامة والثقة بالقيادة الحزبية. لذلك، لا يمكن تفسير فوز العمال أو تقدم الخضر بعامل واحد.
وتُظهر النتيجة أن حزب العمال استطاع الاحتفاظ بالمقعد رغم التحدي الأخضر، فيما تمكن حزب بولانسكي من توسيع قاعدة دعمه داخل الدائرة. ويبقى السؤال ما إذا كان هذا التقدم سيتكرر في دوائر أخرى، أم أنه مرتبط بخصوصية المنافسة المحلية والظروف السياسية التي أحاطت بهذه الانتخابات.
جدل الصهيونية يضغط على قيادة الخضر
جاءت الانتخابات في وقت يواجه فيه حزب الخضر جدلاً داخلياً وإعلامياً بشأن قرار اتخذه مؤتمره الحزبي حول الصهيونية، بعد تصويت الأعضاء على مقترح يصفها بأنها شكل من أشكال العنصرية. وأثار القرار انتقادات داخل الحزب وخارجه، وسط خلافات بشأن صياغته وتداعياته السياسية.
وبحسب التغطية الصحفية البريطانية، أصبحت القضية محوراً للنقاش في الأيام الأخيرة من الحملة، ووجهت شخصيات من داخل الحزب انتقادات إلى بولانسكي بشأن طريقة تعامله مع المقترح وموقفه منه. كما أعادت هذه التطورات طرح سؤال أوسع حول مدى قدرة قيادة الخضر على ضبط رسالتها السياسية في ظل نظام تنظيمي يمنح أعضاء الحزب دوراً كبيراً في صياغة المواقف والسياسات.
ومع ذلك، لا توجد أرقام تثبت أن الجدل حول الصهيونية كان العامل الحاسم في خسارة بولانسكي. فقد تداخلت الحملة مع عوامل أخرى، منها قوة مرشحة العمال محلياً، وتغير المزاج السياسي بعد رحيل ستارمر، وطبيعة المنافسة في دائرة ذات تاريخ عمالي طويل.
وتكشف القضية عن معضلة تنظيمية تواجه الخضر: كيف يحافظ الحزب على مشاركة أعضائه وتأثيرهم في صياغة السياسات، وفي الوقت نفسه يقدم خطاباً واضحاً ومتسقاً للناخبين في الانتخابات العامة والفرعية؟
هل يواجه بولانسكي خطر فقدان القيادة؟
أعادت الهزيمة فتح النقاش بشأن مستقبل بولانسكي على رأس حزب الخضر. فقد رأى منتقدون أن خسارته فرصة لدخول البرلمان، بالتزامن مع الجدل الداخلي، تضع قيادته تحت مزيد من التدقيق. في المقابل، يعتبر مؤيدوه أن النتيجة لا تبرر الدعوة إلى تغييره، خاصة أن الحزب رفع حصته من الأصوات بصورة كبيرة في دائرة صعبة.
وتنقل «ميدل إيست آي» عن شخصيات داخل الحزب أن النتيجة تمثل انتكاسة، لكنها لا تعني نهاية مشروع الخضر أو نهاية قيادة بولانسكي. ويرى هؤلاء أن الحزب أصبح منافساً أكثر جدية للعمال في بعض الدوائر، وأن تقدمه الانتخابي ينبغي أن يُقيّم على مدى أطول، لا من خلال نتيجة واحدة.
ويظل التحدي الأساسي أمام بولانسكي هو تحويل المكاسب الانتخابية إلى قاعدة دعم مستدامة، مع معالجة الخلافات الداخلية وتقديم مواقف واضحة بشأن القضايا التي تثير انقساماً داخل الحزب أو بين الناخبين.
نتيجة تكشف تقلب السياسة البريطانية
تؤكد انتخابات هولبورن وسانت بانكراس أن الاحتفاظ بالمقعد لا يعني بالضرورة استعادة الهيمنة السياسية، كما أن خسارة السباق لا تمحو التقدم الذي يحققه الحزب المنافس. فقد فاز العمال بالمقعد عبر عبدي والي، لكن حصتهم من الأصوات تراجعت مقارنة بانتخابات 2024. وفي المقابل، خسر بولانسكي، غير أن الخضر حققوا زيادة كبيرة في التصويت لهم داخل الدائرة.
وتبقى دلالة النتيجة مرتبطة بما ستكشفه الانتخابات المقبلة عن قدرة العمال على تثبيت دعمهم تحت قيادة بيرنهام، وقدرة الخضر على الحفاظ على مكاسبهم خارج الدوائر التي يتمتعون فيها بحضور قوي.
وبينما يواجه بولانسكي أسئلة بشأن قيادته، يواجه حزب العمال بدوره تحدي إثبات أن الفوز في دائرة ستارمر السابقة يعكس تجدد الثقة بالحزب، لا مجرد نجاح في احتواء منافسة محلية. وفي الحالتين، تُظهر الأرقام أن المنافسة على أصوات الناخبين البريطانيين لم تستقر بعد، وأن نتائج دائرة واحدة لا تكفي وحدها لحسم اتجاه المشهد السياسي بأكمله.
اقرأ المزيد
حزب الخضر البريطاني يصف الصهيونية بالعنصرية ويشعل جدلاً دولياً..
مرشحة حزب العمال في لندن تنتقد قرار الخضر بشأن الصهيونية وسط تدقيق في مواقفها من غزة

