وطن-أثار حزب الخضر في إنجلترا وويلز جدلاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً بعد تصويت أعضائه خلال المؤتمر السنوي للحزب في مدينة برايتون لصالح اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش السياسي البريطاني والدولي، والمتعلقة بالحدود الفاصلة بين انتقاد الصهيونية، ومعاداة السامية، والموقف من مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي» نقلاً عن تحقيقات وتقارير مرتبطة بالمؤتمر، أصبح حزب الخضر في إنجلترا وويلز أول حزب بريطاني رئيسي يتبنى رسمياً هذا الموقف، إلى جانب دعمه إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة تضمن حقوقاً متساوية لمختلف المجموعات العرقية والدينية، بدلاً من حل الدولتين الذي ظل لعقود الإطار الأكثر حضوراً في المواقف الدبلوماسية الدولية.
إسرائيل ترد بمنع زعيم الحزب من الدخول
وجاء الرد الإسرائيلي سريعاً، إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية منع زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، وهو يهودي، من دخول إسرائيل، متهمة الحزب بتبني مواقف معادية للسامية.
كما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستجري اتصالات مع الحكومة البريطانية بشأن موقف الحزب، في إشارة إلى أن واشنطن تنظر إلى القرار باعتباره مسألة مرتبطة أيضاً بالنقاش حول معاداة السامية.
وفي المقابل، سارع حزب الخضر الأوروبي إلى النأي بنفسه عن قرار فرع إنجلترا وويلز، مؤكداً دعمه حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الذي يتبناه تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
انقسام داخل بريطانيا وداخل الحزب نفسه
وأثار القرار انتقادات من أحزاب سياسية بريطانية منافسة. وبحسب «ميدل إيست آي»، تقدم أكثر من عشرة نواب من حزب العمال ببلاغ إلى الشرطة على خلفية سياسة الحزب التي تصف الصهيونية بأنها عنصرية، فيما وصف ريتشارد تايس، نائب زعيم حزب «ريفورم يو كيه»، حزب الخضر بأنه معادٍ للسامية.
لكن الجدل لم يبقَ خارج الحزب، إذ ظهرت داخله أيضاً مواقف مختلفة تجاه القرار. وقال نائب الزعيم المشارك موثين علي إنه يؤيد المقترح بقوة، بينما انتقده نواب آخرون، من بينهم إيلي تشاونز وكارلا دينير وأدريان رامزي.
وأوضح علي، وفق ما نقله الموقع، أن الصهيونية، وفق التعريف الذي استند إليه المقترح، تمثل دولة قومية عرقية، معتبراً أن هذا المشروع يقود إلى ما وصفه بالتطهير العرقي انطلاقاً من اعتقاد بتفوق جماعة على أخرى.
ويعكس هذا الموقف أحد أوجه الجدل الأساسية حول القرار، إذ يرى مؤيدوه أن انتقاد الصهيونية يجب أن يُفهم باعتباره نقداً لأيديولوجيا ومشروع سياسي، بينما يعتبر منتقدوه أن استخدام هذا التعريف ضد الصهيونية قد يتجاوز نقد الأفكار السياسية إلى المساس بالهوية اليهودية وحق اليهود في تقرير المصير.
منظمة يهودية تنتقد القرار
وفي موقف لافت، انتقدت منظمة «ياشاد» اليهودية التقدمية القرار، رغم انتقادها المعروف لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو. وقالت المنظمة إن مفهوم الصهيونية محل خلاف واسع، لكنها أشارت إلى أن غالبية اليهود البريطانيين يفهمونه باعتباره إيماناً بحق الشعب اليهودي في تقرير المصير، وترى أن هذا الفهم يمثل بالنسبة إلى كثيرين منهم جزءاً أساسياً من هويتهم اليهودية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، اعتبرت المنظمة أن مطالبة اليهود بالتخلي عن هذا الفهم لهويتهم الجماعية حتى يصبحوا مقبولين لا يمكن اختزالها في مجرد خلاف سياسي حول أيديولوجيا، بل قد تُفهم على أنها استهداف للهوية اليهودية نفسها.
وخلال المؤتمر، أيد المقترح الناجي من الهولوكوست والناشط ستيفن كابوس، في حين لم تتخذ مجموعة «الخضر اليهود» موقفاً رسمياً موحداً، موضحة أن أعضاءها منقسمون حول القضية.
القرار يعيد فتح ملف أممي يعود إلى 1975
ورغم أن القرار الذي اتخذه حزب الخضر البريطاني أعاد إشعال النقاش في بريطانيا، فإن وصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية ليس جديداً في التاريخ السياسي الدولي.
ففي 10 نوفمبر 1975، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3379، الذي نص صراحة على أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري». وأُقر القرار بأغلبية 72 صوتاً مقابل 35، مع امتناع 32 دولة عن التصويت.
وجاء القرار في سياق سياسي دولي شديد الاستقطاب، واستند نصه إلى مواقف وقرارات سابقة، بينها قرار للجمعية العامة عام 1973 أدان ما وصفه بـ«التحالف غير المقدس» بين العنصرية في جنوب أفريقيا والصهيونية. كما أشار القرار إلى مواقف صدرت عن منظمة الوحدة الأفريقية وحركة عدم الانحياز خلال العام نفسه.
وأثار القرار آنذاك مواجهة سياسية حادة داخل الأمم المتحدة. فقد رفضته إسرائيل والولايات المتحدة ودول غربية أخرى، بينما دعمته غالبية دول عربية وأفريقية ودول من حركة عدم الانحياز والكتلة الشرقية.
وكان الموقف الإسرائيلي من القرار شديد الرفض، فيما اعتبرت الولايات المتحدة أن مساواة الصهيونية بالعنصرية تحمل دلالات خطيرة على النقاش المتعلق باليهود وإسرائيل.
بريطانيا عارضت القرار ثم تغيرت الظروف الدولية
كانت المملكة المتحدة من الدول التي صوتت ضد قرار عام 1975. واستمر الجدل حوله خلال السنوات التالية، إلى أن تغيرت البيئة الدولية بشكل كبير مع نهاية الحرب الباردة.
وفي عام 1991، ألغت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3379 من خلال القرار 46/86، الذي اتخذ بأغلبية 111 صوتاً مقابل 25، مع امتناع 13 دولة عن التصويت. وينص القرار الجديد رسمياً على إلغاء تحديد الصهيونية باعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.
وجاء الإلغاء في مرحلة شهدت تحولات كبيرة في العلاقات الدولية، بالتزامن مع التحضير لمؤتمر مدريد للسلام، الذي انطلق في العام نفسه وفتح مساراً جديداً للمفاوضات العربية الإسرائيلية.
وبذلك أصبح قرار عام 1975 جزءاً من التاريخ الدبلوماسي للأمم المتحدة، قبل أن يعود مضمونه إلى النقاش السياسي في العقود اللاحقة في سياقات مختلفة.
جدل قديم يعود من بوابة حزب بريطاني
ويعيد قرار حزب الخضر في إنجلترا وويلز فتح النقاش حول مسألة ظلت موضع خلاف حاد لعقود: هل يمثل رفض الصهيونية نقداً سياسياً وأيديولوجياً يمكن فصله عن الهوية اليهودية، أم أن بعض الصيغ المستخدمة في هذا النقد قد تتحول إلى استهداف لليهود باعتبارهم جماعة دينية أو قومية؟
ولا توجد إجابة سياسية واحدة تحسم هذا الجدل، إذ تختلف التعريفات والمواقف بين الأحزاب والحركات والمنظمات اليهودية والفلسطينية والدول والحكومات.
كما أن وصف الصهيونية بأنها «عنصرية» في قرار حزب الخضر هو موقف سياسي اتخذه الحزب، وليس إعادة لإحياء الوضع القانوني أو السياسي لقرار الأمم المتحدة لعام 1975، الذي أُلغي رسمياً عام 1991.
وبينما يرى مؤيدو القرار البريطاني أنه يندرج ضمن نقد مشروع سياسي مرتبط بحقوق الفلسطينيين وتقرير المصير، يعتبر منتقدوه أن الصياغة تتجاوز نقد السياسات إلى التشكيك في حق اليهود في تقرير المصير، وهو ما يفسر حجم ردود الفعل التي أثارها القرار داخل بريطانيا وخارجها.
وهكذا انتقل الجدل من مؤتمر حزبي في برايتون إلى نقاش أوسع يتعلق بموقف بريطانيا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبحدود الخطاب السياسي حول الصهيونية ومعاداة السامية، في وقت تستمر فيه الحرب في غزة وتظل القضية الفلسطينية واحدة من أكثر الملفات إثارة للانقسام في السياسة الدولية.
اقرأ المزيد
حكومة آندي بيرنهام تفتح صفحة جديدة مع مسلمي بريطانيا.. هل تنتهي سنوات القطيعة؟
شبهات تجسس تهز قاعدة للناتو في بريطانيا بسبب علاقة قائد إسباني بامرأة روسية الأصل..
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟

