وطن-كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في تحقيق استقصائي، أن ديفيد ميلستين، أحد كبار مساعدي السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تدخل مراراً في تقارير دبلوماسية أعدتها السفارة الأمريكية بشأن الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، عبر حجب بعضها أو تعديل مضمونها أو تأخير إرسالها إلى واشنطن، بما جعل صورة الحكومة الإسرائيلية أكثر إيجابية في بعض المراسلات الرسمية، وفق ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين ووثائق داخلية.
وبحسب التحقيق، شملت هذه التدخلات تقارير عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، والتحقيقات في مقتل تسعة فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، فضلاً عن تقييمات للوضع الإنساني وآليات توزيع المساعدات في قطاع غزة.
واستندت الصحيفة إلى مقابلات مع 15 مسؤولاً أمريكياً عملوا مع ميلستين أو تعاملوا معه، وتسعة دبلوماسيين سابقين، إلى جانب مراجعة عشرات البرقيات والمذكرات والمراسلات الداخلية. وقالت إن المصادر التي تحدثت إليها طلبت عدم الكشف عن هوياتها خشية التعرض لتبعات مهنية أو إجراءات انتقامية.
تقارير دبلوماسية لا تصل إلى واشنطن
وفق التحقيق، أثارت طريقة تعامل ميلستين مع التقارير قلقاً لدى مسؤولين في السفارة الأمريكية بالقدس وفي واشنطن، إذ اعتبر بعضهم أن المعلومات التي تصل إلى صناع القرار لا تعكس دائماً ما يرصده الموظفون الدبلوماسيون على الأرض.
وذكرت الصحيفة أن ميلستين، منذ توليه منصبه في أبريل/نيسان 2025، اتبع أساليب شملت منع إرسال بعض التقارير، وإعادة صياغة برقيات بما يغير رسالتها الأساسية، وتأخير الموافقة على مسودات إلى أن تفقد المعلومات الواردة فيها أهميتها العملية.
وبحسب مسؤولين تحدثوا إلى الصحيفة، تراجع عدد البرقيات الصادرة عن القسم المعني بالشؤون الفلسطينية في السفارة، بعدما بدأ ميلستين يطالب بمراجعة اتصالاته ومراسلاته مسبقاً. وأدى ذلك، وفق المصادر نفسها، إلى تردد بعض الموظفين في إعداد تقارير جديدة خشية حجبها أو تغيير مضمونها.
تقرير عن التوسع الاستيطاني لم يصل إلى صناع القرار
من أبرز الوقائع التي أوردها التحقيق، أن إسرائيل وافقت في أواخر مارس/آذار على توسيع استيطاني واسع في الضفة الغربية المحتلة، في وقت كانت فيه الحرب مع إيران تستحوذ على اهتمام الإدارة الأمريكية.
ورأى موظفون في السفارة أن الخطوة تستدعي إرسال تقرير عاجل إلى واشنطن، لأنها قد تتعارض مع موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعلن الرافض لضم الضفة الغربية. لكن ثلاثة مسؤولين أمريكيين قالوا للصحيفة إن ميلستين منع إرسال التقرير.
واعتبر التحقيق أن هذه الواقعة لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من التدخلات التي طالت ملفات حساسة تتعلق بالسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
برقية عن عنف المستوطنين تحولت إلى إشادة بإسرائيل
وتطرق التحقيق إلى تقارير تناولت تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ففي إحدى الحالات، أعد موظفو السفارة تقييماً خلص إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تبذل جهوداً كافية للتعامل مع تصاعد أعمال العنف.
لكن البرقية التي أُرسلت لاحقاً إلى واشنطن تضمنت، بحسب ثلاثة مسؤولين نقلت عنهم الصحيفة، صياغة مختلفة أشادت بإسرائيل وذكرت أنها تتخذ إجراءات صارمة ضد الاعتداءات.
وأثارت هذه الواقعة تساؤلات بشأن مدى قدرة التقارير الدبلوماسية على نقل التقييمات التي يضعها الموظفون الميدانيون بصورة مستقلة، خصوصاً عندما تتعلق بملفات خلافية تؤثر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ملف مقتل تسعة أمريكيين من أصل فلسطيني
ومن الملفات الأخرى التي تناولها التحقيق، التقارير المتعلقة بمقتل تسعة فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، على يد مستوطنين إسرائيليين أو قوات أمن إسرائيلية في الضفة الغربية خلال أربع سنوات.
وكان ثلاثون عضواً في الكونغرس الأمريكي، بقيادة السيناتور كريس فان هولن، قد وجهوا في مارس/آذار رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو طالبوا فيها بمعلومات عن التحقيقات في هذه القضايا، وشددوا على أهمية المحاسبة.
ووفق «نيويورك تايمز»، أعد موظفو السفارة تقريراً في الشهر نفسه خلص إلى أن التحقيقات الإسرائيلية في معظم الحالات لم تحقق تقدماً يذكر، وأن بعض الملفات أُغلقت من دون توجيه اتهامات.
لكن مسؤولين تحدثوا إلى الصحيفة قالوا إن ميلستين رفض تمرير التقرير بصيغته الأصلية، ودفع باتجاه إرسال رسالة بديلة تفيد بأن إسرائيل تتعامل مع التحقيقات على نحو مناسب.
تعديل تقرير عن توزيع المساعدات في غزة
وامتدت التدخلات المزعومة، بحسب التحقيق، إلى التقارير المتعلقة بالوضع الإنساني في قطاع غزة، ولا سيما عمل «مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي جهة لتوزيع المساعدات حظيت بدعم أمريكي وإسرائيلي وأثارت انتقادات بشأن آلية عملها وسلامة الفلسطينيين الذين كانوا يتوجهون إلى مواقع التوزيع.
وذكرت الصحيفة أن دبلوماسيين أمريكيين أعدوا برقية حذرت من أن عملية توزيع المساعدات كانت فوضوية ودامية، وأن استمرارها بهذه الطريقة قد يؤدي إلى مزيد من الحوادث التي تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
غير أن أشخاصاً مطلعين على البرقية قالوا للصحيفة إن ميلستين أعاد صياغتها بطريقة قدمت عمل المؤسسة بصورة أكثر إيجابية، مع حذف معلومات عن سقوط قتلى في مواقع توزيع المساعدات.
وتسلط هذه الواقعة الضوء على حساسية التقارير المتعلقة بالوضع الإنساني في غزة، حيث يمكن للتقييمات الدبلوماسية أن تؤثر في فهم المسؤولين الأمريكيين لطبيعة الأزمة وآليات إيصال المساعدات إلى السكان.
مسؤولون في واشنطن تجاوزوا القنوات المعتادة
وقال التحقيق إن مسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية لجؤوا، في مناسبتين على الأقل، إلى التواصل مباشرة مع موظفين داخل السفارة، متجاوزين القنوات المعتادة، بعدما لاحظوا فجوة بين ما تنقله وسائل الإعلام عن التطورات في غزة والضفة الغربية وما يصلهم عبر التقارير الرسمية.
ولم يتضح، بحسب الصحيفة، إلى أي مدى أثرت هذه التدخلات في قرارات الإدارة الأمريكية بشأن إسرائيل. لكن مسؤولين أعربوا عن مخاوف من أن يؤدي حجب المعلومات أو تغييرها إلى إضعاف عملية صنع القرار، وربما إلى تعقيد تطبيق السياسات المعلنة للرئيس ترامب.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين سابقين تحذيرات من أن التقارير الدبلوماسية ينبغي أن تنقل إلى واشنطن الوقائع والتقييمات كما هي، بما يشمل المعلومات الإيجابية والسلبية، حتى يتمكن المسؤولون من اتخاذ قرارات تستند إلى صورة متكاملة.
من هو ديفيد ميلستين؟
يبلغ ديفيد ميلستين 36 عاماً، ويُعرف بارتباطه بالتيار الجمهوري المحافظ والمؤيد بقوة لإسرائيل. وسبق له العمل مساعداً للسيناتور الجمهوري تيد كروز بين عامي 2013 و2018، قبل انتقاله إلى إسرائيل للدراسة.
وفي عام 2020، انضم إلى فريق السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان خلال إدارة ترامب الأولى. وخلال إدارة الرئيس جو بايدن، عمل مع حاكم فلوريدا رون ديسانتيس في جهود التواصل مع الناخبين المؤيدين لإسرائيل.
وعاد ميلستين إلى السفارة الأمريكية في القدس في أبريل/نيسان 2025، بعد فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية. ووفق التحقيق، أصبح له دور بارز في متابعة ملفات السفارة المتعلقة بالضفة الغربية وقطاع غزة.
هاكابي ينفي الاتهامات ووزارة الخارجية ترد بإيجاز
وأشار التحقيق إلى أنه لا يزال من غير الواضح مدى معرفة السفير الأمريكي مايك هاكابي بتفاصيل تدخلات مساعده. وقال مسؤولون للصحيفة إن هاكابي كان يعمل أحياناً مع ميلستين على حجب معلومات أو إعادة صياغتها، لكنه تدخل في مناسبات أخرى عندما رأى أن مساعده تجاوز الحدود في تعديل بعض التقارير أو منع إرسالها.
ورفض هاكابي وميلستين طلبات الصحيفة إجراء مقابلات مباشرة. وفي رد على ما ورد في التحقيق، نفى هاكابي الاتهامات الموجهة إلى مساعده، ووصف رواية الصحيفة بأنها تفتقر إلى الوقائع، قائلاً إنه يرفضها شخصياً وبشكل قاطع.
أما وزارة الخارجية الأمريكية، فاكتفت بالقول إن فريقها يواصل التركيز على تنفيذ أجندة الرئيس ترامب القائمة على شعار «أمريكا أولاً»، من دون تقديم رد تفصيلي على الاتهامات المتعلقة بحجب التقارير الدبلوماسية أو تغيير مضمونها.
ويثير التحقيق، في حال تأكدت تفاصيله، أسئلة بشأن استقلالية التقارير الدبلوماسية ودورها في نقل المعلومات إلى صناع القرار الأمريكيين، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها المصالح السياسية مع التطورات الميدانية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
اقرأ المزيد
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل
من المسيح الدجال إلى الذكاء الاصطناعي.. الأفكار التي تجمع بعض نخب اليمين والتكنولوجيا
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟

