وطن-في مشهد يحمل دلالات سياسية تتجاوز تغيير اسم على واجهة مبنى، أزالت بريطانيا لافتة «القنصلية البريطانية العامة» من مقرها في القدس الشرقية، بعد انتهاء المهلة التي منحتها إسرائيل لإغلاق القنصلية رداً على إجراءات بريطانية تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
لكن لندن لم تغلق المبنى بالكامل؛ إذ توصل الطرفان إلى تفاهم أبقى الوجود البريطاني قائماً تحت اسم جديد هو «البعثة البريطانية في القدس»، مع تقليص عدد الدبلوماسيين العاملين فيه إلى سبعة، ومغادرة 20 دبلوماسياً، بينهم القنصل العام. وأكدت الحكومة البريطانية أن البعثة ستواصل عملها وتقديم الخدمات للفلسطينيين.
ويكشف هذا التطور حجم التوتر في العلاقات بين البلدين، كما يسلط الضوء على موقع القدس الشرقية في الخلافات الدبلوماسية المرتبطة بالاحتلال والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية.
من القنصلية العامة إلى بعثة محدودة الصلاحيات
خلال يوم الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول، أزال عمال من المبنى اللافتة التي تحمل اسم «القنصلية البريطانية العامة»، إلى جانب لافتة القسم القنصلي، فيما ظل العلم البريطاني مرفوعاً فوق المبنى الواقع في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية.
وجاءت الخطوة مع انتهاء المهلة الإسرائيلية البالغة 30 يوماً لإغلاق القنصلية، في إطار إجراءات أعلنها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رداً على العقوبات البريطانية المتعلقة بالمستوطنات.
وبموجب التفاهم الذي أُعلن لاحقاً، لن يُغلق المبنى، لكنه سيعمل تحت مسمى «البعثة البريطانية في القدس»، بطاقم أصغر من السابق. وبهذا، انتهى الشكل السابق للقنصلية العامة، فيما احتفظت بريطانيا بوجود دبلوماسي محدود في المدينة.
العقوبات على المستوطنات فجّرت المواجهة
بدأ التصعيد بعدما أعلنت الحكومة البريطانية، بالتنسيق مع دول أخرى، إجراءات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في ظل التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
وشملت الإجراءات البريطانية حظراً تجارياً يستهدف بضائع منتجة في المستوطنات، إلى جانب تدابير أخرى مرتبطة بها. واعتبرت إسرائيل هذه الخطوات معادية لها، وأعلنت رداً دبلوماسياً شمل الأمر بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.
ولم تكن المسألة، بالنسبة إلى لندن، مجرد خلاف تجاري؛ فالقنصلية تؤدي دوراً في إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، كما تقدم خدمات قنصلية للمواطنين البريطانيين في الأراضي الفلسطينية.
وفي المقابل، ربطت إسرائيل إجراءاتها بما وصفته بمواقف بريطانية معادية، وسط تدهور أوسع في العلاقات بين البلدين بسبب الخلافات بشأن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
لندن تتمسك بوجودها وترفض حق إسرائيل في الإغلاق
أكد وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بلاده لا تعترف بأن للحكومة الإسرائيلية حقاً قانونياً في إغلاق القنصلية، مجدداً موقف لندن القائل إن القدس الشرقية أرض محتلة. وقال ميليباند إن المبنى سيواصل العمل باسم «البعثة البريطانية في القدس»، وإن البعثة ستظل مستقلة وقائمة، وستواصل تقديم الخدمات الأساسية والعمل مع الفلسطينيين.
كما أعلنت الحكومة البريطانية أنها سعت إلى ضمان سلامة موظفيها ومقارها، ولذلك سحبت مؤقتاً عدداً من الموظفين وأفراد أسرهم. وأكدت أنها ستعمل خلال الأشهر المقبلة على تعزيز وجودها الدبلوماسي، وأنها لن تتخذ في الوقت الراهن إجراءات انتقامية مماثلة ضد دبلوماسيين إسرائيليين في بريطانيا.
لكن هذه التأكيدات لا تلغي التغيير الذي فرضته الأزمة على طبيعة الوجود البريطاني في القدس؛ فمغادرة 20 دبلوماسياً، بينهم القنصل العام، والإبقاء على سبعة موظفين فقط، يعنيان أن البعثة ستعمل بقدرات أقل خلال المرحلة المقبلة.
حضور بريطاني يعود إلى نحو قرنين
تستمد القنصلية البريطانية في القدس أهميتها من تاريخ طويل يعود إلى نحو 200 عام، أي إلى مرحلة سبقت قيام إسرائيل عام 1948. وعلى مدى عقود، أدت القنصلية دوراً مستقلاً في متابعة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين، بخلاف السفارة البريطانية الموجودة في تل أبيب.
ولم يكن وجودها مقتصراً على الخدمات القنصلية، بل شمل متابعة التطورات السياسية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، والتواصل مع المؤسسات والشخصيات الفلسطينية. لذلك، فإن تغيير اسمها وتقليص طاقمها لا يمثلان مجرد إجراء إداري، بل تطوراً دبلوماسياً يمس مؤسسة ارتبطت تاريخياً بالتعامل البريطاني مع الشأن الفلسطيني.
وتزداد رمزية المشهد بالنظر إلى تاريخ بريطانيا في فلسطين، ولا سيما إعلان بلفور الصادر عام 1917، الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية بدعم إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، في ظل تجاهل الحقوق السياسية للسكان الفلسطينيين في صياغة ذلك التعهد.
ومن هنا، يكتسب ما حدث مفارقة تاريخية واضحة: فالدولة التي كان لسياساتها دور بارز في تشكيل مسار القضية الفلسطينية تجد نفسها اليوم في مواجهة مع إسرائيل بشأن طبيعة وجودها الدبلوماسي في القدس.
هل يمثل تغيير اللافتة نهاية الدور البريطاني؟
على الرغم من تقليص عدد الموظفين وتغيير المسمى الرسمي، تؤكد لندن أن بعثتها ستواصل العمل من المبنى نفسه، وأنها لم تتخلَّ عن دورها في التواصل مع الفلسطينيين أو عن موقفها بشأن الوضع القانوني للقدس الشرقية. لكن مستقبل هذا الحضور سيعتمد على تطورات العلاقة بين الحكومتين، ومدى استمرار القيود الإسرائيلية، وقدرة بريطانيا على إعادة تعزيز طاقمها الدبلوماسي في الأشهر المقبلة.
وتعكس الأزمة حدود قدرة الدول على الحفاظ على حضورها الدبلوماسي في القدس الشرقية عندما تتعارض مواقفها مع سياسات الحكومة الإسرائيلية. كما تطرح تساؤلات بشأن أثر الضغوط السياسية على عمل البعثات التي تتولى متابعة الشؤون الفلسطينية.
وهكذا، لم تغادر بريطانيا القدس بالكامل، لكن قنصليتها التاريخية فقدت اسمها السابق وجزءاً كبيراً من طاقمها. وفي مدينة تتشابك فيها الرموز السياسية مع الوقائع اليومية للاحتلال، لم يكن نزع اللافتة مجرد تغيير شكلي، بل علامة على أزمة دبلوماسية أعمق بشأن القدس والموقف من الاستيطان ومستقبل العلاقات البريطانية الإسرائيلية.
اقرأ المزيد
بريطانيا تغيّر صفة قنصليتها في القدس.. والمبنى يبقى مفتوحاً رغم الخلاف مع إسرائيل
القنصل العام البريطاني لدى فلسطين يستعد لمغادرة القدس قبل انتهاء مهلة إسرائيل لإغلاق القنصلية

