وطن-في الوقت الذي تعتمد فيه السلطات الإسبانية تصنيف المغرب باعتباره «بلداً آمناً» لتبرير إعادة مهاجرين وصلوا إلى سبتة، تكشف شهادات مهاجرين سودانيين ومنظمات حقوقية عن واقع مختلف، يتحدث عن العنف والعنصرية والابتزاز وصعوبة الوصول إلى الحماية واللجوء.
وبحسب صحيفة إل إندبنديينتي الإسبانية، فإن تشديد القيود على الحدود الأوروبية دفع أعداداً متزايدة من المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى البقاء في المغرب، حيث يواجه بعضهم ظروفاً قاسية ومحاولات متكررة للعبور نحو إسبانيا.
إعادة 25 مهاجراً من سبتة إلى المغرب
من بين هؤلاء المهاجرين «أحمد»، وهو اسم مستعار لمهاجر سوداني تمكن من الوصول إلى سبتة خلال عملية عبور جماعي في 30 يوليو/تموز الماضي، قبل أن تعيده السلطات الإسبانية لاحقاً إلى المغرب.
وتقول وزارة الداخلية الإسبانية إن 25 مهاجراً من دول إفريقيا جنوب الصحراء غادروا سبتة قبل نحو أسبوعين في إطار إجراءات إعادة، مع توفير المساعدة القانونية والمترجمين لهم، مشيرة إلى أن أياً منهم لم يتقدم بطلب للحصول على الحماية الدولية.
ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، فإن 23 من أصل 25 مهاجراً كانوا من السودان، وهي جنسية تحظى، بحسب المصدر نفسه، بنسبة مرتفعة جداً من الموافقة على طلبات اللجوء في إسبانيا.
لكن رواية «أحمد» تختلف عن الرواية الرسمية. فهو يقول إنه أبلغ الشرطة والمحامي بأنه سوداني، وإنه لا ينبغي إعادته إلى بلد آخر بالنظر إلى الحرب المستمرة في السودان.
ويضيف أن المهاجرين شُجّعوا على توقيع وثيقة، قبل أن يتم نقلهم وتسليمهم إلى السلطات المغربية بدلاً من إعادتهم إلى مراكز الإقامة المؤقتة في سبتة، مشيراً إلى أن هواتفهم ووثائقهم الشخصية أُخذت منهم.
لماذا تعيد إسبانيا المهاجرين إلى المغرب؟
تبرر وزارة الداخلية الإسبانية عمليات الإعادة بالاستناد إلى تصنيف المغرب باعتباره «بلداً آمناً» ضمن الإطار الأوروبي، وهو ما يسمح، وفق الرواية الرسمية، بإعادة بعض المهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الإسبانية إلى البلد الذي جاؤوا منه.
لكن هذا التصنيف يثير انتقادات من منظمات تدافع عن حقوق المهاجرين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص قادمين من دول تشهد حروباً واضطرابات، مثل السودان.
ويقول شادي بخاري، منسق منظمة مقاومة الحدود، إن المغرب «ليس بلداً آمناً» بالنسبة إلى المهاجرين السود، مشيراً إلى ما وصفه بتعرض أشخاص من ذوي البشرة السوداء لمظاهر عنصرية وعنف.
عنف واستغلال في مناطق العمل الزراعي
وتزداد المخاوف، بحسب الشهادات التي نقلتها الصحيفة والمنظمة، في المناطق الزراعية جنوب المغرب، حيث يعمل بعض المهاجرين في ظروف صعبة.
وتشير منظمة مقاومة الحدود إلى مقتل مهاجر سوداني بالقرب من أكادير في مايو/أيار الماضي، بعد تعرضه لهجوم بسلاح أبيض، قبل أن يفارق الحياة في المستشفى متأثراً بإصابة في الرقبة. كما تحدثت عن إصابة مهاجرين سودانيين آخرين في ظروف مماثلة.
وتقول المنظمة إن بعض العمال الزراعيين يعملون لنحو عشر ساعات يومياً، ويغادرون أماكن إقامتهم قبل شروق الشمس، بينما قد لا يتجاوز دخل بعضهم 150 يورو شهرياً.
وبحسب شهادات نقلتها الصحيفة، فإن بعض المهاجرين يواجهون أيضاً مخاطر السرقة والاعتداء أثناء توجههم إلى أماكن العمل، مع حديث عن استخدام السكاكين أو المناجل للاستيلاء على ممتلكاتهم. وهذه الروايات تبقى، بحسب المصدر، شهادات وادعاءات صادرة عن مهاجرين ومنظمات حقوقية وليست حكماً قضائياً نهائياً على جميع الحالات.
«يأخذون وثائقنا وينقلوننا من مكان إلى آخر»
ولا تقتصر الشكاوى على ظروف العمل. فـ«محمد»، وهو أيضاً اسم مستعار لمهاجر سوداني يقيم في الرباط، يقول إن ظروف حياته أصبحت صعبة للغاية، وإنه يعتمد على العمل غير الرسمي لتأمين معيشته.
ويقول محمد إنه تعرض لإصابة منعته من العمل، وإنه أصبح يتجنب الخروج من المنزل خوفاً مما وصفه بالمضايقات.
كما يتهم عناصر من القوات المساعدة بإيقاف مهاجرين وأخذ وثائقهم، ثم نقلهم من منطقة إلى أخرى، مشيراً إلى أنه نُقل في مناسبات سابقة إلى مناطق من بينها أكادير وتارودانت وبني ملال.
وتقول منظمة مقاومة الحدود إنها تلقت شكاوى مماثلة من مهاجرين، من بينها ادعاءات تتعلق بالابتزاز على يد عناصر أمنية.
وبحسب شهادة محمد، فقد طُلب منه المال مقابل إعادة وثائقه، ما دفعه إلى اللجوء إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحصول على وثائق بديلة، كما يقول إنه تقدم بشكوى بشأن ما تعرض له.
صعوبات في طلب اللجوء والحماية
تتولى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين معالجة طلبات اللجوء في المغرب، لكن محمد يقول إن طلبه رُفض من دون أن يفهم الأسباب بشكل واضح.
ويضيف أنه تقدم لاحقاً بطلب لإعادة النظر في وضعه لأسباب إنسانية وصحية، لكنه لم يتلق، وفق روايته، رداً.
وتوجه منظمة مقاومة الحدود أيضاً انتقادات إلى طريقة تعامل بعض موظفي المفوضية في الرباط مع طالبي اللجوء، متهمة بعض الموظفين بممارسة التمييز، وهي اتهامات تحتاج إلى رد وتحقق مستقل.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة، يوجد في المغرب أكثر من 18 ألف طالب لجوء، بينهم نحو 2300 سوداني، في وقت تعتبر فيه منظمات مدافعة عن المهاجرين أن السودانيين من بين الفئات الأكثر هشاشة بسبب الحرب التي تشهدها بلادهم.
احتجاجات أمام مفوضية اللاجئين
وفي الرباط، نظم مهاجرون سودانيون احتجاجات أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للمطالبة بتحسين ظروفهم وتسريع معالجة ملفاتهم.
كما تشير منظمة مقاومة الحدود إلى وجود شكاوى مماثلة من طالبي لجوء يمنيين، وتحدثت عن واقعة أقدم أقدم فيها طالب لجوء يمني على إحراق نفسه أمام مقر المفوضية في وقت سابق من العام، احتجاجاً على وضعه.
وتبقى هذه الروايات بحاجة إلى التحقق المستقل، خصوصاً أن تقييم أوضاع اللجوء والحماية يتطلب النظر في كل حالة على حدة.
محاولات متكررة للوصول إلى إسبانيا
أمام هذه الظروف، يواصل عدد من المهاجرين محاولة مغادرة المغرب باتجاه إسبانيا. ويقول محمد إنه حاول عبور الحدود المغربية الإسبانية عدة مرات، لكنه أُعيد في كل مرة. أما أحمد، الذي أعيد مؤخراً من سبتة إلى المغرب، فيقول إنه يعتزم المحاولة مجدداً.
ويتداول بعض المهاجرين في سبتة اعتقاداً بأن أحمد قد يُمنع من دخول إسبانيا لمدة خمس سنوات. غير أن هذا المنع ليس قاعدة عامة تنطبق تلقائياً على كل مهاجر تتم إعادته، إذ ترتبط مدة المنع وظروفها بالإجراء القانوني المحدد وأسباب الإبعاد، وقد تشمل بعض حالات الترحيل المرتبطة بارتكاب جرائم.
ويقول أحمد إنه إذا فشل مجدداً في الوصول إلى إسبانيا، فقد يجد نفسه مضطراً للعودة إلى السودان، رغم استمرار الحرب هناك.
ويختصر حالته بالقول إن مشاعره «صعبة جداً»، في ظل عدم وضوح مستقبله بين البقاء في المغرب ومحاولة الوصول إلى أوروبا أو العودة إلى بلد يعيش حرباً مدمرة.
هل المغرب «بلد آمن» لجميع المهاجرين؟
تكشف هذه الشهادات عن فجوة واضحة بين التصنيف الرسمي للمغرب باعتباره «بلداً آمناً» وبين التجارب التي يرويها بعض المهاجرين ومنظمات حقوقية تعمل معهم.
ولا تعني الشهادات الواردة أن جميع المهاجرين في المغرب يتعرضون بالضرورة للانتهاكات نفسها، كما أن الاتهامات المتعلقة بالعنف أو الابتزاز أو سوء المعاملة تحتاج إلى تحقيق مستقل لتحديد المسؤوليات.
لكن بالنسبة إلى مهاجرين سودانيين هربوا من حرب مستمرة، فإن مجرد اعتبار المغرب بلداً آمناً قد لا يحسم وحده مسألة قدرتهم على الحصول على الحماية، أو ظروف إقامتهم، أو إمكانية وصولهم فعلياً إلى إجراءات لجوء فعالة.
وبحسب إل إندبنديينتي، فإن اعتماد السلطات الإسبانية على تصنيف المغرب كبلد آمن يعني أن وزارة الداخلية لا تبدو مستعدة، في الوقت الراهن، للتراجع عن إعادة مهاجرين سودانيين إلى الأراضي المغربية.
وبين الرواية الرسمية الإسبانية والشهادات القادمة من الميدان، يبقى السؤال الأبرز: هل يكفي وصف بلد ما بأنه «آمن» قانونياً وسياسياً، إذا كان بعض طالبي اللجوء والمهاجرين يقولون إنهم لا يشعرون فيه بالأمان؟
قد يعجبك
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تقود حكومة المغرب ولماذا يحظى صعودها باهتمام إسرائيلي؟
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تكلّف برئاسة الحكومة في تاريخ المغرب
أزمة الصحة النفسية في المغرب.. 7 ملايين يعانون و85% خارج دائرة العلاج
“المغرب لم يمنحني شيئاً”.. آلاف الشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة وسط مأساة إنسانية

