لم تكن كييف تستقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس بالورود عندما وصل إليها في زيارة غير معلنة، بل بصفارات الإنذار وأصوات المسيّرات في سماء العاصمة. وبينما جاء الرجل إلى أوكرانيا حاملاً مزيداً من الدعم العسكري، واتفاقات جديدة للتعاون في مجال المسيّرات والدفاع الجوي، كانت الطائرات المسيّرة الروسية تحلق فوق المدينة، في مشهد منح الزيارة بعداً أكثر خطورة.
وصل ميرتس إلى كييف حاملاً نحو مليار يورو إضافية من المساعدات العسكرية، إلى جانب تعهدات جديدة بالتعاون في مجال إنتاج المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي. وكانت إحدى أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة أن ألمانيا تريد مساعدة أوكرانيا على تطوير قدراتها لمواجهة الهجمات الروسية، ولا سيما أسراب المسيّرات التي أصبحت من أبرز أدوات الحرب.
لكن المفارقة كانت أن كييف نفسها تعرضت لهجوم بالمسيّرات في وقت وجود المستشار الألماني فيها.
وبعد وقت قصير من وصول ميرتس، تعرض جسر شمالي فوق نهر دنيبر لضربة روسية، فيما دوت صفارات الإنذار في العاصمة وأصيب شخصان وفق التقارير الأولية. ولم يكن هناك ما يثبت أن ميرتس كان الهدف المباشر للهجوم، لكن تزامن الضربات مع وجوده في كييف جعل المشهد يحمل رسالة سياسية وعسكرية ثقيلة.
فالرجل الذي جاء إلى العاصمة الأوكرانية للحديث عن كيفية حماية البلاد من المسيّرات الروسية، وجد نفسه وسط أجواء هجوم جوي حقيقي.
وخلال الزيارة، أعلن ميرتس أن ألمانيا ستدعم إنتاج مسيّرات اعتراضية قادرة على مواجهة المسيّرات الروسية السريعة، إلى جانب استمرار الدعم العسكري ومساندة قطاع الطاقة الأوكراني. وهكذا بدت الزيارة وكأنها رسالة ألمانية واضحة بأن برلين لا تنوي التراجع عن دعم كييف، في وقت تحاول فيه روسيا تكثيف الضغط العسكري على أوكرانيا.
لكن مشهد ميرتس في كييف ليس الأول الذي يضع قادة أوروبيين في قلب المخاطر المرتبطة بالحرب.
ففي واقعة سابقة، كان قطار دبلوماسي يعبر بالقرب من الحدود البولندية وعلى متنه رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلدت، إلى جانب مستشارين ومسؤولين أمنيين أوروبيين. وغادر القطار محطة قبل الموعد المحدد بدقائق، قبل أن تتعرض منطقة السكك الحديدية لهجوم بمسيّرة.
وقالت شركة السكك الحديدية الأوكرانية آنذاك إن من المحتمل جداً أن يكون القطار الدبلوماسي هدفاً للهجوم، لكن القادة الأوروبيين نجوا من الحادث.
وبينما لا يمكن الجزم بأن كل هجوم وقع بالقرب من مسؤولين أوروبيين كان يستهدفهم شخصياً، فإن تكرار هذه الوقائع يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها المسؤولون الأجانب عند زيارتهم أوكرانيا، خصوصاً مع اعتماد روسيا على المسيّرات والصواريخ لضرب أهداف في أنحاء مختلفة من البلاد.
اليوم، يدخل القادة الأوروبيون إلى أوكرانيا بصورة أكثر مباشرة. لم يعد الدعم يقتصر على إرسال الأسلحة والمساعدات من العواصم الأوروبية، بل أصبحت الزيارات إلى كييف جزءاً من الرسالة السياسية نفسها، في محاولة لإظهار استمرار الدعم رغم استمرار الحرب.
ومع كل زيارة من هذا النوع، تبقى السماء الأوكرانية حاضرة في المشهد: صفارات إنذار، ومسيّرات، ودفاعات جوية، وتهديد دائم بأن الحرب لا تزال قادرة على الوصول إلى قلب العاصمة في أي لحظة.
نجا قادة أوروبيون من حوادث سابقة، ووصل ميرتس إلى كييف في ظل هجوم بالمسيّرات. وبينما تريد أوروبا مساعدة أوكرانيا على حماية مدنها من الهجمات الروسية، يطرح المشهد سؤالاً أكثر إلحاحاً: إلى أي مدى يستطيع القادة الأوروبيون مواصلة الدخول إلى قلب الحرب مع استمرار اتساع نطاق المخاطر؟
اقرأ المزيد
لماذا يجب أن تأخذ أوروبا تهديدات روسيا على محمل الجد؟
روسيا تلوّح بالخيار النووي إذا فرض الغرب حصاراً على كالينينغراد..
مراسل دنماركي في روسيا يحذر من تصاعد التهديد الروسي: خطر هجوم على أوروبا قد يصل إلى 90%
هجوم المسيّرات على موسكو.. روسيا تعلن إسقاط أكثر من 1600 مسيّرة

