وطن-مع بدء مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من العراق، تدخل بغداد أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي والأمني: إخضاع الفصائل المسلحة والسلاح الموجود خارج السيطرة المباشرة للدولة لسلطة الحكومة، في مسار تحكمه حسابات الفصائل نفسها، ومواقف واشنطن، ونفوذ طهران.
وبحسب تقرير نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني، تسعى حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى تعزيز سيطرة الدولة على الجماعات شبه العسكرية النافذة، لكن المسار المطروح لا يبدو أقرب إلى نزع سلاح شامل بالمعنى التقليدي، بقدر ما يستهدف الحد من قدرة هذه الجماعات على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة، وربط أسلحتها ومقاتليها بصورة أوثق بمؤسسات الدولة.
وحدد الزيدي، وفق التقرير، 30 يونيو/حزيران 2027 موعداً نهائياً لإنجاز العملية، في وقت تواجه فيه بغداد مهمة معقدة تتمثل في تحقيق توازن بين مصالح الفصائل، وضمانات الدولة لها، والمطالب الأميركية، إلى جانب تجنب أي تدخل خارجي قد يؤدي إلى انهيار المسار.
خطة تبدأ بهدنة عسكرية لمدة 90 يوماً
تقوم الخطة الحكومية، بحسب ما أورده الموقع، على مراحل تبدأ بوقف النشاط العسكري للفصائل لمدة 90 يوماً. وبدأت هذه المهلة في 30 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع إعلان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة انتهاء وجوده العسكري في العراق.
وخلال هذه الفترة، يفترض أن تمتنع الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربات ضد الفصائل المسلحة داخل العراق، بما يوفر، وفق التصور المطروح، مساحة زمنية لبدء مفاوضات أكثر هدوءاً حول مستقبل السلاح ودور الجماعات المسلحة.
وكانت القوات الأميركية قد نفذت خلال فترة التصعيد الإقليمي ضربات ضد مواقع مرتبطة بفصائل قريبة من إيران، بينها تشكيلات منضوية ضمن قوات الحشد الشعبي.
وبعد انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة، يفترض أن تبدأ عملية وضع أسلحة الفصائل تحت إشراف الحكومة العراقية، لكن طبيعة السيطرة التي ستفرضها الدولة لا تزال موضع نقاش.
«احتواء السلاح» بدلاً من نزعه بالكامل
يشير التقرير إلى أن المسار المطروح لا يعني بالضرورة نزع جميع الأسلحة من أيدي الفصائل. وكان نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء العراقي الأسبق، قد قال في تصريح في الثاني من سبتمبر/أيلول إن المقصود هو احتواء السلاح وتنظيمه وإخضاعه لسلطة الدولة، وليس بالضرورة تجريده من السلاح بصورة كاملة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، قد يتركز الاهتمام على الأسلحة القادرة على تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل العراق أو خارجه.
وتأتي هذه المقاربة في ظل تاريخ طويل من استخدام بعض الفصائل العراقية الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية، إلى جانب أسلحة بعيدة المدى، في استهداف مصالح أميركية وأهداف أخرى في المنطقة.
وتسعى بغداد، من خلال وضع هذه القدرات تحت رقابة الدولة، إلى الحد من إمكانية اتخاذ فصائل عراقية قرارات عسكرية منفردة قد تجر البلاد إلى مواجهات إقليمية أوسع.
إنهاء الفصائل ككيانات مستقلة
وتتجاوز الخطة مسألة السلاح لتشمل مستقبل الهياكل التنظيمية للفصائل. وبحسب التقرير، تبحث الحكومة العراقية إمكانية دمج مقاتلين من بعض الجماعات العاملة خارج إطار الحشد الشعبي في مؤسسات الدولة بصورة فردية، بدلاً من إدماج تشكيلاتهم الحالية مع الحفاظ على قياداتها المستقلة.
وقال الزيدي، في مقابلة أواخر سبتمبر/أيلول، إن هدفه هو «إنهاء وجود هذه الفصائل ككيانات مستقلة»، من دون أن يسمي الجماعات التي يشملها هذا التوجه.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب، وفق التقرير، ضمانات للفصائل بشأن مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، خصوصاً أن بعضها يمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة والبرلمان، إلى جانب حضور اقتصادي واسع.
تباين مواقف الفصائل
لا تتخذ الفصائل العراقية المسلحة موقفاً موحداً من مسألة وضع السلاح تحت سيطرة الحكومة. ففي يونيو/حزيران، أعلنت جماعات من بينها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي استعدادها لوضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة، إلا أن استمرار هذا الموقف يرتبط، بحسب التقرير، بقدرتها على الحفاظ على نفوذها الاقتصادي والسياسي، بما في ذلك مقاعد كتلة «صادقون» في البرلمان.
في المقابل، كانت جماعات أكثر تشدداً، مثل حركة حزب الله النجباء وكتائب حزب الله، قد رفضت في وقت سابق التخلي عن أسلحتها.
وشاركت هذه الجماعات تحت مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق» في هجمات استهدفت مصالح أميركية في المنطقة، وربطت احتفاظها بالسلاح باستمرار الوجود الأميركي وبالتطورات الإقليمية.
لكن التقرير يشير إلى أن هذه الفصائل أعلنت في أواخر أغسطس/آب شروطاً لوضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة. وفي يوم انسحاب التحالف الدولي، أعلنت كتائب حزب الله وقف جميع أنشطتها العسكرية باستثناء التحرك ضد الطائرات المعادية، في خطوة يمكن أن تنسجم مع جهود الحكومة لخفض التصعيد تمهيداً لمرحلة جديدة من تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل.
بعشيقة والوجود التركي في شمال العراق
وفي موازاة ملف السلاح، حققت بغداد تقدماً في بعض المطالب التي تطرحها الفصائل. ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت تركيا أن معسكر بعشيقة-زليكان قرب الموصل سيُسلّم إلى الحكومة العراقية وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما.
وكانت الفصائل العراقية قد طالبت مراراً بخروج القوات التركية من شمال العراق، كما تتواصل جهود لإبعاد حزب العمال الكردستاني من المنطقة.
ويرى التقرير أن معالجة هذه الملفات قد تساعد الحكومة العراقية في تقديم تنازلات أو خطوات للفصائل مقابل قبولها بتقليص استقلالها العسكري.
الخلاف لا يتعلق بالسلاح فقط
لكن مطالب الفصائل لا تتوقف عند مستقبل أسلحتها. ففي أغسطس/آب، دعت «المقاومة الإسلامية في العراق» إلى ما وصفته بتحرير القرارين السياسي والاقتصادي العراقيين من «الهيمنة» الأميركية، مشيرة إلى ملفات من بينها إدارة عائدات النفط.
وتُحوّل عائدات النفط العراقية إلى العراق بالدولار عبر النظام المالي الأميركي، وهو ما تستخدمه بعض الفصائل بوصفه مؤشراً على استمرار النفوذ الأميركي في الشأن الاقتصادي العراقي.
كما طالبت جماعات من بينها كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء وأنصار الله الأوفياء بتعزيز قدرات الدفاع الجوي العراقية ومنع الطائرات الأجنبية من استخدام الأجواء العراقية لتنفيذ ضربات ضد دول مجاورة، وفي مقدمتها إيران.
وهذه المطالب تجعل عملية تنظيم السلاح مرتبطة، بصورة مباشرة، بملفات السيادة والسياسة الخارجية والاقتصاد والأمن الإقليمي.
الضربات الأميركية قد تهدد مسار التهدئة
ويحذر التقرير من أن أي ضربات أميركية جديدة ضد إيران خلال فترة الأشهر الثلاثة قد تؤثر في فرص نجاح خطة الحكومة العراقية.
ففي حال تجدد التصعيد، قد تجد بغداد نفسها أمام صعوبة في منع بعض الفصائل من التحرك دعماً لطهران، الأمر الذي يمكن أن يعيد العراق إلى دائرة المواجهة بين واشنطن والجماعات المسلحة.
وبحسب مصطفى السراي، مدير البحوث في مركز البيان للدراسات والتخطيط في العراق، فإن واشنطن لم تعلن معارضة لمقترح الزيدي الحالي أو لمطالب الفصائل، لكن تحديد الخطوط الحمراء الأميركية سيكون ضرورياً لإنجاح العملية.
وقال السراي، وفق «ميدل إيست آي»، إن معظم الفصائل تبدو متقبلة لخطة الزيدي، لكنه حذر في الوقت نفسه من احتمال اعتراض طهران على العملية، وهو ما قد يغير مسار المفاوضات داخل العراق.
بغداد بين واشنطن وطهران
وتكشف التطورات الأخيرة مدى صعوبة مهمة الحكومة العراقية في إدارة العلاقة بين الفصائل المسلحة والقوى الإقليمية. ففي 25 سبتمبر/أيلول، علّق العراق الرحلات الجوية إلى إيران بعد إعلان الولايات المتحدة عقوبات ثانوية واسعة على قطاع الطيران الإيراني. لكن بعد تحذير مسؤول أمني في كتائب حزب الله من احتمال إسقاط حكومة الزيدي، حصلت الخطوط الجوية العراقية على إعفاء أميركي لمدة شهر سمح باستئناف الرحلات بين إيران ومدينة النجف.
ويقدم التقرير هذه الواقعة مثالاً على حجم الضغط الذي قد تواجهه بغداد عندما تتعارض قرارات الحكومة مع مصالح الفصائل أو مع الحسابات الأميركية.
كما أن فشل الحكومة في إدارة هذه التوازنات قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية مع الفصائل، خصوصاً أن الزيدي وصل إلى رئاسة الحكومة في مايو/أيار في سياق سياسي شهد تدخلاً أميركياً لمنع مرشح مفضل لدى بعض الفصائل من تولي المنصب، وفق ما أورده التقرير.
اختبار حقيقي لسيادة الدولة
يرى التقرير أن العراق يقف أمام مرحلة دقيقة: فالحكومة تريد الانتقال إلى وضع تكون فيه قرارات الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة، بينما تسعى الفصائل إلى الحفاظ على نفوذها ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.
وقال السراي إن هناك خطراً من عودة العراق إلى مرحلة سابقة كانت فيها الفصائل تحمل رؤساء الحكومات مسؤولية أي تحركات دولية تستهدفها.
وتبقى فرص نجاح الخطة مرتبطة بعوامل عدة، من بينها قدرة بغداد على تقديم ضمانات للفصائل، وموقف واشنطن من أي تصعيد جديد مع إيران، ومدى استعداد الجماعات المسلحة للتخلي عن جزء من استقلاليتها العسكرية، إضافة إلى موقف طهران من إعادة تنظيم نفوذ حلفائها داخل العراق.
وبذلك، لا يبدو ملف السلاح في العراق مجرد عملية أمنية لتسليم الأسلحة، بل اختباراً أوسع لقدرة الدولة على توحيد القرار العسكري والسياسي، ومنع البلاد من الانجرار إلى صراعات إقليمية تتجاوز قدرة بغداد على التحكم في مسارها.
اقرأ المزيد
انسحاب أمريكا من العراق يثير مخاوف كردية من فراغ أمني وهجمات إيرانية..
انسحاب آخر القوات الأمريكية من العراق.. الزيدي يحتفل بـ«يوم السيادة» وملف الميليشيات يطارد بغداد
انسحاب القوات الأمريكية من العراق يفتح ملف الفصائل المسلحة.. وبغداد تحدد مهلة جديدة لنزع السلاح

