وطن-بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي الذي أطاح بنظام صدام حسين، أنهت الولايات المتحدة في 30 سبتمبر 2026 وجود قواتها العسكرية في العراق، مع اكتمال انسحاب آخر الجنود من إقليم كردستان وانتهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» داخل البلاد.
ويمثل الانسحاب نقطة تحول في العلاقة بين بغداد وواشنطن، بعدما انتقلت القوات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة من العمليات العسكرية المباشرة إلى أدوار استشارية وتدريبية واستخباراتية في إطار الحرب على «داعش». لكن نهاية المهمة العسكرية لا تعني قطع العلاقات الأمنية، إذ من المقرر أن تستمر العلاقة بين البلدين في إطار ثنائي يشمل التعاون الأمني وتبادل المعلومات والتدريب.
23 عاماً من التدخل الأمريكي
بدأ الوجود العسكري الأمريكي في العراق مع غزو عام 2003، قبل أن تنسحب القوات الأمريكية عام 2011. لكن الانسحاب لم يكن نهائياً، إذ عادت القوات الأمريكية إلى العراق عام 2014 بعد الصعود السريع لتنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد.
ومنذ ذلك الوقت، عملت القوات الأمريكية ضمن التحالف الدولي الذي تشكل لمحاربة التنظيم، قبل أن تتوصل بغداد وواشنطن في سبتمبر 2024 إلى اتفاق لإنهاء مهمة التحالف في العراق بصورة تدريجية.
وبموجب الخطة، انتهت المرحلة الأولى من تقليص المهمة عام 2025، بينما بقيت قوات أمريكية في إقليم كردستان خلال المرحلة الأخيرة، قبل أن تغادر البلاد بصورة نهائية في الموعد المحدد في 30 سبتمبر 2026.
بغداد تقدم الانسحاب باعتباره «يوم السيادة»
حرص رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي على تقديم نهاية مهمة التحالف باعتبارها بداية مرحلة جديدة للدولة العراقية. وأعلنت بغداد 30 سبتمبر وما بعده أياماً للسيادة، في مناسبة رسمية تهدف إلى تكريس فكرة انتقال المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية.
وقال الزيدي إن انتهاء مهمة التحالف يعني انتقال العراق إلى مرحلة جديدة تقوم على سيادة الدولة وقوة مؤسساتها ووحدة القرار الأمني، فيما أكدت السلطات العراقية أن العلاقة مع الشركاء الدوليين ستستمر ولكن في إطار مختلف عن المرحلة السابقة.
ويعكس هذا الخطاب رغبة بغداد في تحويل الانسحاب الأمريكي من نهاية لمهمة عسكرية إلى محطة سياسية تؤكد قدرة الدولة العراقية على تولي مسؤولية أمنها.
لكن خلف الاحتفالات الرسمية، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع الدولة العراقية فعلاً احتكار قرار استخدام القوة؟
المعركة الأصعب تبدأ بعد رحيل الأمريكيين
يتزامن الانسحاب الأمريكي مع ملف شديد الحساسية داخل العراق، يتمثل في مستقبل الفصائل المسلحة التي تعمل خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الأمنية الرسمية.
وكانت الحكومة العراقية قد حددت في البداية نهاية سبتمبر 2026 موعداً لنزع سلاح الفصائل، لكن الخطة تغيرت لاحقاً، وأُرجئت العملية إلى يونيو 2027 ضمن تصور تدريجي لإخضاع السلاح لسلطة الدولة.
وتقول تقارير عراقية إن الخطة الجديدة تقوم على مراحل، تبدأ بوقف الهجمات ثم الانتقال إلى إجراءات تتعلق بتسليم السلاح وإعادة تنظيم وضع الفصائل ضمن مؤسسات الدولة.
ويجعل ذلك الانسحاب الأمريكي مرتبطاً بشكل مباشر بمعركة سياسية وأمنية داخلية: فالفصائل التي طالما بررت احتفاظها بالسلاح بوجود القوات الأمريكية ستجد نفسها أمام واقع جديد بعد مغادرة تلك القوات.
الحشد الشعبي.. قوة داخل الدولة وخارجها؟
تُعد «هيئة الحشد الشعبي» من أكثر الملفات تعقيداً في هذا السياق. فقد تشكلت قواتها خلال الحرب على «داعش»، وأصبحت لاحقاً جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية وتحصل تشكيلاتها على تمويل ورواتب من الدولة.
لكن وجود فصائل ذات علاقات سياسية وعسكرية متباينة، وبعضها يرتبط بمحور إقليمي تقوده إيران، جعل مسألة توحيد القرار العسكري واحدة من أكثر القضايا حساسية في بغداد.
وبحسب تحليل نشرته «الجزيرة»، فإن بعض هذه الجماعات تعارض التخلي عن سلاحها، فيما ترى الحكومة العراقية أن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي يزيل إحدى الحجج التي استخدمتها الفصائل لتبرير استمرار احتفاظها بقدرات عسكرية مستقلة.
ولا يعني ذلك أن جميع فصائل الحشد تتبنى الموقف نفسه أو أن جميعها تخضع لجهة خارجية واحدة؛ فالحشد مؤسسة عراقية رسمية تضم تشكيلات متعددة، وتبقى علاقات بعض الفصائل الإقليمية والسياسية موضع جدل.
من التعاون العسكري إلى المصالح الاقتصادية
يحاول الزيدي، وفق تقارير وتحليلات حديثة، إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن بحيث تنتقل من الاعتماد العسكري إلى تعاون اقتصادي وتنموي أوسع.
وقال رئيس الوزراء العراقي في الأمم المتحدة إن بلاده تريد الانتقال من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي والتنموي مع شركائها، بالتزامن مع سعي بغداد إلى تطوير قطاعات الطاقة والبنية التحتية وطرق تصدير النفط.
كما تواصل الولايات المتحدة والعراق علاقات ثنائية في مجالات الأمن والتدريب وتبادل المعلومات، رغم انتهاء إطار التحالف العسكري داخل العراق. وبالتالي فإن مشهد ما بعد الانسحاب لا يمثل قطيعة بين البلدين، بل تحولاً في طبيعة العلاقة.
نهاية المهمة لا تعني نهاية النفوذ الأمريكي
رغم مغادرة القوات الأمريكية، تحتفظ واشنطن بعلاقات واسعة مع بغداد، من بينها سفارتها الكبيرة في العاصمة ومصالح اقتصادية وأمنية مستمرة.
كما أن الولايات المتحدة لم تنسحب عسكرياً من المنطقة بأكملها، فيما تبقى عملياتها المرتبطة بمكافحة «داعش» في سوريا جزءاً من المشهد الإقليمي.
وهذا يعني أن العراق ينتقل من مرحلة كان فيها الوجود العسكري الأمريكي عاملاً مباشراً في معادلاته الأمنية إلى مرحلة يصبح فيها القرار العراقي الداخلي أكثر أهمية في تحديد شكل العلاقة مع واشنطن وطهران وبقية القوى الإقليمية.
إرث حرب مكلفة ومستقبل غير محسوم
يمثل الانسحاب نهاية فصل طويل بدأ بغزو العراق عام 2003، لكنه لا يمحو تداعيات الحرب التي استمرت سنوات، ثم الحرب على «داعش» والتدخلات الإقليمية التي أعقبتها.
وتختلف تقديرات تكلفة الحرب العراقية بصورة كبيرة بحسب المنهج المستخدم وما إذا كانت الحسابات تشمل العمليات العسكرية اللاحقة والرعاية الصحية للمحاربين القدامى والفوائد والتكاليف المستقبلية. لذلك يصعب اختزال كلفة الحرب في رقم واحد.
أما على المستوى البشري، فقد خلفت الحرب العراقية والصراعات التي أعقبتها أعداداً ضخمة من القتلى والنازحين، فيما لا تزال آثارها السياسية والأمنية حاضرة في بنية الدولة العراقية.
الانسحاب يضع بغداد أمام اختبار جديد
ينهي خروج القوات الأمريكية مهمة عسكرية بدأت في إطار التحالف ضد «داعش»، لكنه يفتح في الوقت نفسه مرحلة مختلفة تماماً بالنسبة إلى العراق.
فالمسؤولية الأمنية باتت بصورة أكبر على عاتق المؤسسات العراقية، بينما تواجه حكومة الزيدي اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على قدرة الدولة على مواجهة بقايا تنظيم «داعش» والتهديدات الأمنية، وفي الوقت نفسه إدارة ملف الفصائل المسلحة من دون الانزلاق إلى صدام داخلي.
وتحذر تحليلات من أن الفراغ الأمني المحتمل قد يمنح جماعات مسلحة مزيداً من النفوذ أو يتيح لتنظيم «داعش» استغلال نقاط الضعف، بينما ترى بغداد أن قواتها باتت قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية بعد سنوات من الدعم والتدريب الدولي.
وبذلك، فإن السؤال الذي يواجه العراق بعد مغادرة آخر القوات الأمريكية لا يتعلق فقط بمن سيملأ الفراغ، بل بمن يمتلك القرار النهائي في الحرب والسلم والسلاح.
فإذا نجحت بغداد في توحيد القرار الأمني وإخضاع السلاح لسلطة المؤسسات، فقد يصبح الانسحاب بداية مرحلة جديدة في بناء الدولة. أما إذا بقيت مراكز القوة المسلحة خارج السيطرة الفعلية للحكومة، فإن انتهاء الوجود الأمريكي لن يكون بالضرورة نهاية للأزمة التي رافقت العراق منذ 2003، بل انتقالاً بها إلى فصل جديد.
اقرأ المزيد
انسحاب القوات الأمريكية من العراق يفتح ملف الفصائل المسلحة.. وبغداد تحدد مهلة جديدة لنزع السلاح
أموال النفط العراقي في نيويورك.. كيف منح نظام ما بعد 2003 واشنطن نفوذاً واسعاً على بغداد؟

