وطن-لطالما ارتبط مشهد شخص يجلس أمامك مكتوف الذراعين بانطباع سريع مفاده أنه غاضب أو منزعج أو غير متقبل لما يسمعه. غير أن هذا التفسير الشائع قد يكون مضللاً، إذ لا تحمل وضعية الذراعين المتقاطعتين معنى واحداً وثابتاً، وقد ترتبط في بعض الحالات بالتركيز، أو الشعور بالحاجة إلى الأمان، أو محاولة الاستمرار في أداء مهمة تتطلب جهداً ذهنياً.
وأوضحت صحيفة أوفيمينين الفرنسية أن تشبيك الذراعين يُعد من أكثر إشارات لغة الجسد عرضة للتفسير الخاطئ، سواء في اجتماعات العمل أو في العلاقات الشخصية. فبدلاً من اعتباره دليلاً تلقائياً على الغضب أو الانغلاق، ينصح خبراء التواصل غير اللفظي بقراءته ضمن السياق الكامل، إلى جانب تعابير الوجه ونبرة الصوت وبقية حركات الجسد.
تشبيك الذراعين قد يكون وسيلة للحماية وليس للعداء
في بعض الأساليب التقليدية لتفسير لغة الجسد، كانت الوضعيات «المغلقة»، ومنها تشبيك الذراعين، تُقدَّم باعتبارها مؤشراً على الرفض أو المعارضة. لكن المعطيات التي تستعرضها الصحيفة الفرنسية تدعو إلى التعامل مع هذه القراءة بحذر أكبر.
وبحسب أوفيمينين، يرى المتخصص في لغة الجسد هنان بارفيز أن تشبيك الذراعين قد يرتبط بالدفاع عن النفس أو عدم الارتياح أو الخجل أو الشعور بعدم الأمان. غير أن هذه الاحتمالات لا تعني بالضرورة أن الشخص يرفض الطرف الآخر أو يشعر بالغضب تجاهه.
فقد يكون الشخص ببساطة غير مرتاح ولا يعرف أين يضع يديه، أو يحاول الحفاظ على تركيزه أثناء الاستماع إلى حديث طويل، أو يشعر بالتوتر وسط مجموعة من الأشخاص. وفي أحيان أخرى، قد يكون السبب أكثر بساطة، مثل الشعور بالبرد أو التعب أو البحث عن وضعية أكثر راحة.
وهنا تكمن المشكلة في تفسير لغة الجسد من خلال حركة واحدة فقط؛ فالسلوك غير اللفظي لا يمكن فصله عن الظروف المحيطة بالشخص.
ماذا تقول الدراسات عن تشبيك الذراعين؟
تستعرض الصحيفة الفرنسية أبحاثاً تناولت العلاقة بين تشبيك الذراعين وبعض الجوانب النفسية والسلوكية، وأظهرت أن هذه الوضعية قد تحمل دلالات مختلفة عن الاعتقاد الشائع بأنها علامة على الغضب.
ففي بحث نُشر في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي، درس الباحثان رون فريدمان وأندرو جيه. إليوت، من جامعة روتشستر، تأثير تشبيك الذراعين على المثابرة أثناء أداء المهام الذهنية.
وأظهرت التجربة الأولى أن المشاركين الذين شبكوا أذرعهم استمروا لفترة أطول في محاولة حل ألغاز لغوية مستحيلة. وفي تجربة ثانية، حقق المشاركون الذين اتخذوا الوضعية نفسها أداءً أفضل في ألغاز قابلة للحل، وهو ما ارتبط بارتفاع مستوى المثابرة لديهم.
واللافت أن الباحثين لم يرصدا فروقاً واضحة في المزاج أو الشعور بالراحة بين المجموعات المختلفة، ما يشير إلى أن تشبيك الذراعين لا يمكن اختزاله ببساطة في كونه تعبيراً عن حالة عاطفية سلبية.
الوضعية قد ترتبط أيضاً بالسلوك الدفاعي
وتشير مادة أوفيمينين كذلك إلى دراسة نُشرت عام 2015 في مجلة علم التحفيز وشملت 242 مشاركاً، تناولت العلاقة بين تشبيك الذراعين وما يُعرف بالتوجه الدفاعي.
ووجد الباحثون أن هذه الوضعية قد تكون مرتبطة بسلوكيات تجنب أكثر، إلى جانب ميل أقل إلى الهجوم أو المواجهة المباشرة. وهو ما يفتح الباب أمام تفسير الحركة باعتبارها تعبيراً عن التحفظ أو الدفاع الاجتماعي، وليس بالضرورة عن العدوانية.
وهذا الفرق مهم عند محاولة فهم شخص ما؛ فالرغبة في الابتعاد عن المواجهة لا تعني بالضرورة وجود غضب أو عداء تجاه الطرف المقابل.
حتى الألم قد يتأثر بطريقة تمثيل الجسم
تناولت دراسة أخرى، نشرتها مجلة الألم، جانباً مختلفاً تماماً من وضعية الذراعين. فقد لاحظ الباحثون أن بعض المؤثرات المؤلمة على اليد كان يُدركها المشاركون بدرجة أقل عندما يرون يدهم في وضعية متقاطعة.
لكن الدراسة لم تجد أن مجرد تشبيك الذراعين كافٍ بحد ذاته لتخفيف الألم بصورة واضحة. ووفق المادة التي أوردتها الصحيفة الفرنسية، فإن النتائج تشير بصورة أكبر إلى أهمية الطريقة التي يمثل بها الدماغ موضع أجزاء الجسم وعلاقتها ببعضها، بدلاً من اعتبار تشبيك الذراعين علاجاً أو وسيلة مباشرة لتقليل الألم.
متى يكون تشبيك الذراعين علامة على التركيز؟
يرى ماكسيم نوريتشار، المدير التربوي والشريك في المعهد الأوروبي للسينرغولوجيا، أن وضعية الذراعين لا ينبغي أن تُفسَّر بمعزل عن بقية إشارات الجسم.
فإذا كان الشخص يشبك ذراعيه لكنه يحافظ في الوقت نفسه على تواصل بصري، ويبدو هادئاً، ويستمع باهتمام أو يتحدث بنبرة طبيعية، فقد تكون الوضعية مرتبطة بالتركيز أو الإصغاء الجاد أكثر من ارتباطها بالرفض أو الانزعاج.
وفي النقاشات الطويلة أو المعقدة، قد يلجأ بعض الأشخاص إلى تثبيت وضعية أجسامهم للمساعدة على تنظيم الانتباه ومتابعة الحديث. ولذلك، فإن الشخص الصامت أو مكتوف الذراعين أثناء الاستماع ليس بالضرورة غير مهتم؛ فقد يكون ببساطة يمنح حديث الطرف الآخر كامل تركيزه.
متى يمكن أن يكون مؤشراً على التوتر أو الغضب؟
هذا لا يعني أن تشبيك الذراعين لا يمكن أن يظهر أثناء الغضب أو التوتر. فقد يصبح أكثر دلالة عندما يأتي مصحوباً بمجموعة من الإشارات الأخرى.
فعلى سبيل المثال، إذا ترافقت الذراعان المتقاطعتان مع شد الفك، ورفع الكتفين، وانكماش الجذع، وإخفاء اليدين، وتغير نبرة الصوت نحو الحدة، فقد تكون هناك مؤشرات إضافية على التوتر أو الانزعاج.
لكن حتى في هذه الحالة، لا ينبغي اعتبار الحركة وحدها دليلاً قاطعاً على الحالة النفسية للشخص.
والأدق هو النظر إلى الصورة كاملة: هل المكان بارد؟ هل يبدو الشخص متعباً؟ هل ملامح وجهه متوترة أم مسترخية؟ هل يحافظ على التواصل البصري؟ هل يتحدث بنبرة طبيعية؟ وهل تتوافق حركات جسده مع كلامه؟
في العمل.. لا تتسرع في الحكم على الآخرين
يمكن أن يؤدي سوء تفسير لغة الجسد إلى مشكلات في التواصل، خصوصاً في بيئة العمل، فمدير يجلس مكتوف الذراعين أثناء الاستماع إلى عرض تقديمي قد يكون مركزاً في التفاصيل، وليس بالضرورة غاضباً من صاحب العرض. كما أن زميلاً يتخذ الوضعية نفسها خلال اجتماع طويل قد يكون متعباً أو يحاول الحفاظ على انتباهه.
ولهذا، فإن الاعتماد على حركة واحدة للحكم على موقف شخص آخر قد يقود إلى استنتاجات خاطئة، وربما يؤثر في طريقة تعاملنا معه من دون وجود دليل كافٍ على ما يشعر به فعلاً.
قراءة لغة الجسد تحتاج إلى السياق
تشبيك الذراعين ليس رمزاً نفسياً له ترجمة واحدة يمكن تطبيقها على الجميع. فقد يظهر مع الانزعاج في موقف، ومع التركيز أو البحث عن الراحة أو الشعور بالأمان في موقف آخر.
وتشير الدراسات والأمثلة التي تستعرضها أوفيمينين إلى أن فهم التواصل غير اللفظي يتطلب جمع عدة إشارات ومقارنتها بالسياق الذي تحدث فيه.
لذلك، قبل أن تفترض أن الشخص الجالس أمامك غاضب أو رافض لموقفك لمجرد أنه شبك ذراعيه، من الأفضل النظر إلى الصورة كاملة. فقد لا تكون الذراعان المتقاطعتان رسالة رفض على الإطلاق، بل مجرد وضعية تساعده على الاستماع والتركيز أو الشعور بمزيد من الراحة.
اقرأ المزيد
هل البكاء مفيد للصحة؟ علاقة الدموع بالألم المزمن والضغط النفسي وارتفاع ضغط الدم
كيف تجيب عندما لا تعرف الإجابة؟ 8 عبارات تكشف ذكاءك بدل أن تضعف موقفك
ما الذي يفعله الأكثر ذكاءً في عطلة نهاية الأسبوع؟ اختصاصي علم نفس يكشف العادة المشتركة

