وطن-في عطلة نهاية الأسبوع، يبحث كثيرون عن الترفيه بعد أيام طويلة من العمل، فيشاهدون المسلسلات، أو يخرجون للقاء الأصدقاء، أو يملأون أوقاتهم بالأنشطة المختلفة. وهناك من يختار كتب الإدارة وتطوير الذات، أملاً في استثمار كل دقيقة في شيء «مفيد».
لكن المفارقة أن بعض الأشخاص الذين يقضون أيامهم في التفكير والتحليل لا يختارون بالضرورة الكتب التي تمنحهم نصائح عملية أو مهارات جديدة. بدلاً من ذلك، قد يقضون ساعات في قراءة رواية، من دون تدوين ملاحظات أو استخراج أفكار قابلة للتطبيق.
وبحسب مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية، فإن هذا النوع من القراءة الذي يبدو للوهلة الأولى أقل إنتاجية قد يقدم للعقل فوائد عميقة، لأنه يدفع القارئ إلى فهم الشخصيات ودوافعها، ومتابعة وجهات نظر متعددة، والتعامل مع مواقف لا تكون إجاباتها واضحة منذ البداية.
عندما تصبح الرواية تدريباً للعقل
يرتبط مفهوم الذكاء في أذهان كثيرين بقراءة الكتب المتخصصة في الاقتصاد والإدارة وعلم النفس وتطوير الذات. فهذا النوع من الكتب يمنح القارئ شعوراً سريعاً بالإنجاز، لأنه يقدم أفكاراً وقواعد ونصائح يمكن استخدامها في العمل أو الحياة اليومية.
لكن قراءة الرواية تعمل بطريقة مختلفة.
فالقارئ لا يبحث بالضرورة عن معلومة جديدة أو قاعدة جاهزة، بل يدخل عالماً مليئاً بالشخصيات والعلاقات والصراعات والدوافع المتناقضة. وعليه أن يتابع الأحداث، ويفهم ما تعرفه كل شخصية وما تجهله، وأن يحاول تفسير تصرفاتها حتى عندما لا تكون دوافعها واضحة.
ونقلت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية عن عالم النفس مارك ترافرز، في مقال نشره عبر فوربس، أن الأشخاص الذين يعتمد عملهم على التفكير قد يقضون ساعات طويلة من يوم السبت في قراءة رواية، من دون ملاحظات أو ملخص يمكن استخدامه في اجتماع يوم الاثنين. ومع ذلك، قد يكون هذا الوقت مفيداً لطريقة تفكيرهم أكثر مما يبدو.
الرواية.. «محاكي طيران» للعقل البشري
يقدم عالم الإدراك كيث أوتلي تشبيهاً لافتاً لفهم أهمية الأدب الخيالي، إذ يشبه الرواية بـ«محاكي الطيران». “فكما يسمح جهاز المحاكاة للطيار بالتدرب على مواقف معقدة من دون التعرض للخطر الحقيقي، تمنح الرواية القارئ فرصة للدخول في عقول شخصيات مختلفة، ومتابعة قراراتها ومخاوفها وصراعاتها، من دون أن يتحمل هو عواقب تلك التجارب.
وفي مقال نشرته مجلة “Trends in Cognitive Sciences”، يشير أوتلي إلى أن الروايات تمنح الإنسان فرصة للانتقال بين وجهات نظر متعددة. فالقارئ قد يعرف شيئاً تخفيه إحدى الشخصيات عن أخرى، أو يفهم دافعاً لا تدركه بقية الشخصيات، ما يجعله يتابع القصة من موقع أكثر اتساعاً.
وهنا تظهر أهمية ما يعرف في علم النفس بـ«نظرية العقل»، أي القدرة على استنتاج ما يفكر فيه الآخرون أو يشعرون به أو يريدونه.
هل تجعلنا الروايات أكثر فهماً للآخرين؟
عندما يتابع القارئ شخصيات مختلفة، فإنه يتعلم تدريجياً النظر إلى الموقف الواحد من أكثر من زاوية. قد يقول أحد الأشخاص في الرواية إنه بخير، بينما تكشف تصرفاته أنه يشعر بالخوف أو الغضب أو الحزن. وقد تتخذ شخصية قراراً يبدو غير منطقي في البداية، قبل أن يكشف السياق لاحقاً دوافعها الحقيقية.
هذه التفاصيل تجبر القارئ على عدم الاكتفاء بما يظهر على السطح. وتشير مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إلى أن هذا النوع من القراءة قد يساعد على تطوير القدرة على التقاط الإشارات الدقيقة في العلاقات الواقعية، وفهم أن ما يقوله الإنسان لا يعكس دائماً كل ما يشعر به.
فالقارئ المعتاد على الروايات يتعامل باستمرار مع أسئلة من قبيل: ماذا تريد هذه الشخصية؟ لماذا تصرفت بهذه الطريقة؟ ماذا تعرف؟ ماذا تخفي؟ وكيف يمكن أن ترى الشخصية الأخرى الموقف نفسه؟ وهذه الأسئلة نفسها تظهر في الحياة اليومية، وإن كانت بصورة أقل وضوحاً.
الرواية تدربنا على العيش مع الغموض
هناك فائدة أخرى لقراءة الروايات ترتبط بما يسميه علماء النفس «الحاجة إلى الإغلاق المعرفي»، أي الميل إلى البحث عن إجابة سريعة ونهائية عندما يكون الموقف غامضاً.
فبعض الأشخاص يشعرون بعدم الارتياح عندما لا تكون لديهم إجابة واضحة، ولذلك قد يتبنون أول تفسير يبدو منطقياً، حتى قبل توفر جميع المعلومات. أما الرواية، فتجبر القارئ في كثير من الأحيان على الانتظار.
فقد لا يعرف سبب تصرف شخصية ما إلا بعد عشرات الصفحات، وقد تبقى بعض الأسئلة بلا إجابة، وقد تتغير نظرة القارئ إلى شخصية بالكامل مع تقدم الأحداث.
وبحسب دراسة منشورة في مجلة “Scientific Reports”، ترتبط الحاجة المرتفعة إلى الإغلاق المعرفي بميل أكبر إلى البحث عن أفكار وأشخاص يتوافقون مع طريقة التفكير الخاصة بالفرد، خصوصاً في الظروف التي يسودها الغموض وعدم اليقين.
ومن هذه الزاوية، يمكن للأدب الخيالي أن يدرب العقل على تقبل عدم اكتمال الصورة، بدلاً من البحث المستمر عن إجابة فورية.
ليست كل قراءة سباقاً نحو الإنتاجية
في عالم يقيس الوقت غالباً بما ينتجه الإنسان خلاله، قد تبدو قراءة رواية لساعات طويلة نشاطاً ترفيهياً لا أكثر. لكن قيمة الرواية لا تكمن دائماً في المعلومة التي يمكن استخراجها منها.
فالقارئ لا يحتاج إلى تحويل كل صفحة إلى نصيحة، ولا إلى تدوين عشرات الملاحظات حتى تكون القراءة مفيدة. أحياناً يكون الانغماس في القصة، ومتابعة الشخصيات، والشك في دوافعها، والتعاطف معها، ومحاولة فهم قراراتها، هو التمرين العقلي نفسه.
ولا يشترط أن تكون الرواية عملاً أدبياً كلاسيكياً حتى تحقق هذه التجربة؛ فقد تكون رواية نفسية أو بوليسية أو عملاً معاصراً، بل ويمكن أن تكون قصة يستمع إليها الشخص عبر كتاب صوتي. والمهم هو طبيعة التفاعل مع القصة، وقدرة القارئ على ترك نفسه أمام عالم لا يقدم له دائماً إجابات جاهزة.
ساعات من القراءة قد تكون استثماراً هادئاً في العقل
في النهاية، لا تعني قراءة الروايات أن القارئ أصبح بالضرورة أكثر ذكاءً، ولا أن الكتب غير الروائية أقل قيمة. لكن الأدب الخيالي يقدم نوعاً مختلفاً من التدريب الذهني.
فبدلاً من إعطاء القارئ إجابات مباشرة، يدفعه إلى طرح الأسئلة. وبدلاً من تقديم شخصية واحدة، يضعه أمام عقول ووجهات نظر متعددة. وبدلاً من حسم كل شيء سريعاً، يجعله أحياناً يعيش مع الغموض حتى النهاية.
ولهذا، قد لا تكون الساعات التي يقضيها شخص في قراءة رواية خلال عطلة نهاية الأسبوع ساعات «ضائعة» كما تبدو للوهلة الأولى. فقد يكون بعيداً عن الإنتاجية المباشرة، لكنه في الوقت نفسه يدرب عقله على فهم الآخرين، وتقبّل التعقيد، وتأجيل الأحكام، والنظر إلى العالم من أكثر من زاوية. وربما تكون هذه تحديداً إحدى أهم فوائد القراءة التي لا تظهر في قائمة المهام ولا يمكن قياسها بعدد الصفحات المنجزة.
اقرأ المزيد
أخصائي نفسي يكشف العبارة التي تفضح الأشخاص المنافقين رغم مظهرهم اللطيف..
3 علامات نفسية هادئة قد تشير إلى آثار تجارب صعبة في الطفولة
«ليست مجرد ديكور».. ماذا يكشف غياب النباتات عن بيتك وشخصيتك النفسية؟
ليالٍ متعبة وأيام عمل شاقة.. كيف يغيّر انقطاع الطمث حياة النساء المهنية؟

