وطن-تكشف شهادات جديدة أوردتها صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية، استناداً إلى تقرير حديث لمنظمة العفو الدولية، عن تفاصيل ما تصفه المنظمة بـ«آلة المراقبة» في المغرب، حيث لا تقتصر أساليب استهداف النشطاء والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان على التجسس الإلكتروني، بل تمتد، بحسب التقرير، إلى حملات تشهير وضغوط اجتماعية ونفسية تطال الضحايا وأفراد أسرهم.
وفي تقرير يقع في 126 صفحة، ترسم منظمة العفو الدولية صورة لمنظومة مراقبة تقول إنها استخدمت أدوات تكنولوجية متقدمة، في مقدمتها برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس»، إلى جانب وسائل تقليدية لجمع المعلومات عن المعارضين والتدخل في حياتهم الخاصة.
وبحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية، خلص التحقيق إلى أن كلفة النشاط المعارض في المغرب أصبحت، بالنسبة إلى بعض النشطاء الذين شملتهم الشهادات، مرتبطة ليس فقط بخطر الملاحقة أو السجن، وإنما أيضاً بالخوف من اختراق الهواتف وتسريب المعلومات الشخصية والتشهير بالضحايا أمام محيطهم الاجتماعي.
«بيغاسوس» واختراق هواتف المستهدفين
لطالما نفت السلطات المغربية استخدام برنامج «بيغاسوس»، الذي طورته شركة «إن إس أو غروب» الإسرائيلية. لكن منظمة العفو الدولية تقول إن تحقيقاتها، التي اعتمدت على شهادات ووثائق وبيانات تقنية، أظهرت مؤشرات على استخدام البرنامج في عمليات مراقبة استهدفت نشطاء وشخصيات معارضة خلال سنوات سابقة.
وبحسب التقرير الذي نقلت تفاصيله «إل إندبندينتي»، ارتبطت عمليات المراقبة بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، المعروفة اختصاراً بـ «دي جي إس تي»، وهي جهاز الاستخبارات الداخلية في المغرب.
ولا تقتصر القضية، وفق الصحيفة، على نشطاء داخل المغرب. فقد سبق أن أثارت عمليات اختراق هواتف مسؤولين إسبان جدلاً واسعاً، من بينهم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرا الداخلية والدفاع فرناندو غراندي مارلاسكا ومارغريتا روبلس.
لكن التقرير يؤكد أن هذه الحالات لا تمثل سوى جانب من ملف أوسع يتعلق بمراقبة الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل المغرب.
معطي منجب.. من النشاط الأكاديمي إلى دائرة الاستهداف
من أبرز الحالات التي تناولها تقرير منظمة العفو الدولية، بحسب «إل إندبندينتي»، حالة المؤرخ والأستاذ الجامعي والناشط المغربي معطي منجب.
وتقول المنظمة إن هاتف منجب تعرض للاختراق باستخدام «بيغاسوس» بين أواخر عام 2017 وبدايات عام 2018، في واحدة من الحالات التي جرى توثيقها ضمن تحقيقاتها.
كما نقلت الصحيفة عن مصدر سابق داخل جهاز الاستخبارات المغربي، قدم شهادته للمنظمة تحت الاسم المستعار «سمير»، قوله إن منجب كان من بين الأشخاص الذين استُخدم ضدهم البرنامج في مرحلة مبكرة لاختبار قدراته.
وبحسب رواية منجب، لم يدرك في البداية حجم المعلومات التي يمكن أن تكون متاحة للجهات التي تراقبه. لكنه بدأ يشك في الأمر عندما ظهرت في وسائل إعلام قريبة من السلطة قصص تتضمن تفاصيل دقيقة عن حياته اليومية.
ومن بين الأمثلة التي ذكرها، نشر معلومات عن زيارة قام بها إلى والدته المسنة، وهي واقعة عادية في ظاهرها، لكنها جعلته يتساءل عن مصدر المعلومات التي وصلت إلى وسائل الإعلام.
«بيغاسوس» ليس نقطة البداية
تكشف شهادة «سمير»، وفق تقرير منظمة العفو الدولية، أن «بيغاسوس» لم يكن بالضرورة الوسيلة الأولى في عمليات المراقبة، بل أداة متقدمة تأتي بعد استخدام وسائل أخرى.
ونقلت «إل إندبندينتي» عنه قوله إن الأجهزة لم تكن تبدأ ببرنامج التجسس، وإنما تلجأ إليه بعد وسائل أخرى من المراقبة، مثل التنصت داخل المنازل والسيارات.
وبحسب التقرير، شملت هذه الأساليب، وفق الشهادة، تركيب أجهزة تنصت مخفية داخل وحدات الإضاءة أو أجهزة التكييف، واستخدام أجهزة تتبع في السيارات، إضافة إلى اعتراض الاتصالات الهاتفية بالتعاون مع شركات اتصالات محلية.
وتقدم هذه الشهادة، كما عرضتها الصحيفة الإسبانية، صورة عن منظومة تجمع بين أدوات المراقبة التقليدية والتكنولوجيا الرقمية الحديثة، بحيث يتم جمع المعلومات عن الشخص المستهدف من مصادر متعددة.
من التجسس إلى التشهير
لكن جمع المعلومات الشخصية، بحسب التقرير، لم يكن الهدف الوحيد من المراقبة، ففي حالة معطي منجب، يقول الناشط إن السنوات الممتدة بين 2015 و2019 شهدت حملات إعلامية ضده تضمنت معلومات صحيحة من حياته الخاصة، لكنها كانت تُدمج، بحسب روايته، مع ادعاءات أو تفسيرات اعتبرها كاذبة ومسيئة.
وترى منظمة العفو الدولية أن هذا الأسلوب يمكن أن يحول التفاصيل الشخصية إلى أدوات لتقويض سمعة الشخص المستهدف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواضيع شديدة الحساسية اجتماعياً مثل المال أو العلاقات الشخصية أو الاتصالات بجهات أجنبية.
ويقول منجب إن هذا النوع من الضغط ترك آثاراً نفسية عليه، ووصل إلى حد ظهور كوابيس متكررة مرتبطة بالخوف من الأشخاص الذين كانوا، بحسب اعتقاده، يلاحقونه ويعملون على تشويه صورته.
«نحتاج إلى أن نعرفك جيداً»
وتكتسب شهادة «سمير» أهمية خاصة في التقرير، إذ تصف، بحسب منظمة العفو الدولية، طريقة تفكير الأجهزة في جمع المعلومات عن المستهدفين.
ووفق الشهادة التي نقلتها «إل إندبندينتي»، كان الهدف هو معرفة نقاط الضعف الشخصية لدى الشخص المستهدف، بما في ذلك علاقاته الخاصة وعاداته وسلوكه، بهدف تحديد ما يمكن استخدامه لاحقاً للضغط عليه.
وتورد المنظمة مثال الناشط فؤاد عبد المومني، الذي قالت إن مقطعاً حميماً له مع شريكته جرى تداوله، في حين تعرضت خلود مختاري، زوجة صحفي ناقد، لحملة شائعات حول حياتها الزوجية، بحسب ما ورد في التقرير.
وتقول الصحيفة الإسبانية إن هذه الحالات تكشف، وفق المنظمة، عن توظيف بعض الأعراف الاجتماعية المحافظة في حملات الضغط على المنتقدين، خصوصاً عندما تكون السمعة الاجتماعية والأسرة من أكثر الجوانب حساسية بالنسبة إلى الشخص المستهدف.
عندما تصبح العائلة جزءاً من المعركة
يقول معطي منجب إن أكثر ما كان يثير مخاوفه هو ألا تتوقف الضغوط عنده، بل تمتد إلى أفراد أسرته. وبحسب روايته التي نقلتها «إل إندبندينتي»، كانت ابنته في نحو العاشرة من عمرها عندما بدأت إحدى مراحل الملاحقة، وكان يخشى أن تصبح أسرته وسيلة للضغط عليه.
ويقول إن ابنته غادرت المغرب في سن السادسة عشرة بسبب الضغوط التي تعرضت لها، كما فقدت زوجته الفرنسية عملها في منظمة غير حكومية عام 2020.
وترى منظمة العفو الدولية أن استهداف المحيط العائلي والاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى ما تسميه «الأثر المُرهب»، أي دفع الشخص المستهدف ومن حوله إلى الصمت خشية العواقب.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن النساء الناشطات، أو النساء المرتبطات برجال منتقدين للسلطات، قد يواجهن حملات تستهدف سمعتهن وحياتهن الخاصة، بحسب الحالات التي وثقتها المنظمة.
الخوف كوسيلة لإسكات الآخرين
يرى منجب أن استهداف شخصيات معروفة يمكن أن يبعث برسالة إلى آخرين يفكرون في الانخراط في العمل السياسي أو الحقوقي.
ويستشهد في هذا السياق بالمثل المغربي: «اضرب الكبار يخاف الصغار»، معتبراً أن الضغط على الشخصيات البارزة يمكن أن يدفع آخرين إلى الابتعاد عن النشاط العام أو تخفيف انتقاداتهم.
وبحسب روايته، تلقى ضغوطاً من أصدقاء وأفراد في العائلة طالبوه بالتوقف عن انتقاد السلطات والتحدث علناً عن قضايا الديمقراطية والملكية والأجهزة الأمنية.
لكنه يقول إنه واصل نشاطه بعدما تعرض شاب كان يساعده في عمله الحقوقي، وفق روايته، للاعتقال والتعذيب. ودفعه ذلك إلى مواصلة الحديث علناً عن القضية وتحميل الأجهزة الأمنية المسؤولية عنها.
وبحسب «إل إندبندينتي»، جاءت هذه المواقف في وقت كانت وسائل إعلام قريبة من السلطة تواصل نشر مواد تنتقد منجب وتشكك في مصداقيته.
مراقبة تتجاوز الهاتف
لا يختزل تقرير منظمة العفو الدولية القضية في برنامج «بيغاسوس» وحده، بل يعرض، بحسب الصحيفة الإسبانية، منظومة أوسع تضم المراقبة الرقمية والتنصت وجمع المعلومات الشخصية وحملات التشهير.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المنظمة أنها لم توثق، وفق ما أورده التقرير، أدلة على استخدام «بيغاسوس» ضد أفراد من المجتمع المدني بعد عام 2021.
وينقل التقرير عن المصدر السابق «سمير» اتهامات خطيرة بشأن طريقة عمل الأجهزة، بما في ذلك تجاوز الإجراءات القانونية والاعتماد على ترتيبات تسمح، وفق روايته، بإضفاء غطاء رسمي على عمليات المراقبة بعد تنفيذها.
وهذه الشهادات تبقى، في نهاية المطاف، جزءاً من تحقيق منظمة العفو الدولية وروايات مصادر تحدثت إليها المنظمة، فيما تنفي السلطات المغربية اتهامات استخدام «بيغاسوس» التي طُرحت ضدها.
كلفة المعارضة تتجاوز الاعتقال
تقدم الحالات التي وثقها التقرير، وفق منظمة العفو الدولية، صورة عن نوع آخر من الضغط السياسي: الضغط الذي يبدأ بالمراقبة وينتقل إلى الحياة الخاصة والسمعة والعلاقات العائلية.
وفي حالة منجب، لم تكن القضية، بحسب روايته، مرتبطة فقط باختراق هاتف أو متابعة تحركاته، وإنما بشعور دائم بأن تفاصيل حياته يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مادة للضغط أو التشهير. ولهذا، يقول إنه يتعامل بحذر شديد مع أجهزته الإلكترونية، ويشك في احتمال استمرار مراقبته.
وبذلك، يضع تقرير منظمة العفو الدولية قضية «بيغاسوس» في سياق أوسع من مجرد التجسس الإلكتروني، إذ يرى أن التكنولوجيا يمكن أن تصبح جزءاً من منظومة متكاملة تستخدم المعلومات الشخصية والضغط الاجتماعي والتشهير لإرهاب المعارضين ودفعهم إلى الصمت.
وتبقى هذه الاستنتاجات، كما عرضتها المنظمة والصحيفة الإسبانية، موضع نفي من السلطات المغربية، لكن شهادات الضحايا والمصادر التي جمعتها منظمة العفو الدولية تعيد فتح النقاش حول حدود المراقبة الحكومية، وحماية الخصوصية، والكلفة التي يمكن أن يدفعها الناشطون والصحفيون عندما يتحول نشاطهم العام إلى مصدر صراع مع أجهزة الدولة.
اقرأ المزيد
تسريبات جديدة تكشف تفاصيل استخدام بيغاسوس في المغرب.. تجسس رقمي طال صحافيين ومسؤولين أجانب
تحقيق: اتهامات للإمارات بتمويل وتوسيع انتشار برنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي في دول حليفة..

