وطن-أثار الكشف عن نقل أسيرين من كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية توتراً دبلوماسياً بين سيول وكييف، بعدما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن العملية خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تؤكد فيه السلطات الكورية الجنوبية أن البلدين اتفقا على إبقاء تفاصيل القضية طي الكتمان.
وطالبت سيول أوكرانيا بتقديم اعتذار وتفسير رسمي، معتبرة أن الإعلان العلني عن نقل الأسيرين، ثم نفي وجود اتفاق للحفاظ على السرية، أضر بالثقة بين البلدين. في المقابل، تنفي كييف وجود اتفاق رسمي لعدم الإفصاح عن المعلومات.
أسيران كوريان شماليان وصلا إلى كوريا الجنوبية
كان الأسيران من بين الجنود الكوريين الشماليين الذين أُسروا في منطقة كورسك الروسية في يناير/كانون الثاني 2025، بعدما شاركت قوات كورية شمالية في القتال إلى جانب روسيا في الحرب ضد أوكرانيا.
وبحسب التقارير، أبدى الجنديان رغبتهما في الانتقال إلى كوريا الجنوبية بدلاً من العودة إلى كوريا الشمالية، وهو ما أدى إلى أشهر من الاتصالات والمناقشات بين كييف وسيول بشأن الطريقة المناسبة للتعامل مع وضعهما.
وفي يوليو/تموز 2026، اتفق الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ وزيلينسكي على معالجة قضية الأسرى مع احترام إرادتهما الحرة، وبما يتوافق مع القانون الدولي والمبادئ الإنسانية. وأكدت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية في ذلك الوقت استمرار التعاون بشأن القضية وفق هذه المبادئ.
الخلاف حول «الاتفاق السري»
بدأت الأزمة الحالية بعد إعلان زيلينسكي انتقال الأسيرين إلى كوريا الجنوبية. وقالت السلطات في سيول إن الكشف عن العملية خالف تفاهمات سابقة بين البلدين تقضي بالحفاظ على سرية الملف، خصوصاً بسبب المخاوف المتعلقة بأمن الأسيرين وعائلتيهما وحساسية القضية سياسياً وإنسانياً.
وطالبت كوريا الجنوبية أوكرانيا بتقديم اعتذار رسمي وتوضيح موقفها، معتبرة أن نشر المعلومات من جانب واحد أدى إلى الإضرار بالثقة والعلاقات الثنائية.
أما الجانب الأوكراني، فقد نفى وجود اتفاق رسمي يمنع الإعلان عن عملية النقل، ما جعل الخلاف يتمحور أساساً حول طبيعة التفاهم الذي جرى بين الطرفين: هل كان اتفاقاً ملزماً بعدم الإفصاح، أم مجرد تفاهم سياسي ودبلوماسي بشأن التعامل الحذر مع القضية؟
لماذا اختارت أوكرانيا تسليم الأسيرين إلى سيول؟
كان مصير الجنديين محل نقاش منذ أسرهما. ووفق التقارير، كانت هناك في البداية احتمالات لاستخدامهما ضمن عمليات تبادل الأسرى مع روسيا، قبل أن يتجه المسار نحو نقلهما إلى كوريا الجنوبية، بعد إبدائهما الرغبة في الاستقرار هناك.
وتتعامل كوريا الجنوبية مع الكوريين الشماليين الذين يصلون إليها ضمن إطار قانوني خاص، يخضعون بموجبه لإجراءات أمنية واستجوابات وتقييمات قبل اتخاذ قرارات تتعلق بحمايتهم واستقرارهم.
وتشير تقارير إلى أن السلطات الكورية الجنوبية ستجري تقييماً أمنياً واستخباراتياً للجنديين، مع دراسة وضعهما وفق القوانين الخاصة بحماية المنشقين الكوريين الشماليين ودعم استقرارهم.
ملف حساس بالنسبة إلى بيونغ يانغ
تحمل قضية الجنديين أهمية تتجاوز الجانب الإنساني، إذ إنهما أول جنود كوريين شماليين يتم تأكيد أسرهم في الحرب بعد مشاركة قوات بيونغ يانغ إلى جانب روسيا.
وتثير عودة أي جندي كوري شمالي إلى بلاده مخاوف مرتبطة بمصيره، بينما قد يوفر انتقاله إلى كوريا الجنوبية معلومات مهمة للسلطات الكورية الجنوبية حول طبيعة مشاركة القوات الكورية الشمالية في الحرب، وظروف انتشارها وتدريبها.
وتقول تقارير إن كوريا الشمالية أرسلت آلاف الجنود إلى روسيا منذ عام 2024 لدعم القوات الروسية، إلى جانب تقديمها دعماً عسكرياً واسعاً لموسكو.
علاقة متنامية بين كوريا الشمالية وروسيا
تأتي القضية في ظل تعمق التعاون العسكري بين كوريا الشمالية وروسيا، وهو تطور تراقبه كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وحلفاؤهما عن كثب.
وتتهم كييف بيونغ يانغ بتقديم قوات ومعدات عسكرية لمساندة روسيا، بينما عززت موسكو وبيونغ يانغ علاقاتهما خلال السنوات الأخيرة، في تحول أدى إلى زيادة المخاوف الأمنية في شبه الجزيرة الكورية وأوروبا في آن واحد.
وفي المقابل، دعمت كوريا الجنوبية أوكرانيا بالمساعدات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار، كما أعلنت في يوليو/تموز 2026 عن حزمة دعم بقيمة 100 مليون دولار، مع استمرارها في تجنب تقديم أسلحة فتاكة بشكل مباشر.
قضية الأسرى تضع سيول وكييف أمام اختبار دبلوماسي
يكشف الخلاف الحالي عن حساسية التعامل مع الجنود الكوريين الشماليين الذين يقاتلون خارج بلادهم، خصوصاً أن الملف يجمع بين القانون الدولي وقضايا حقوق الإنسان والأمن القومي والعلاقات بين كوريا الجنوبية وأوكرانيا.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه سيول أن الحفاظ على سرية عملية النقل كان ضرورياً لحماية الجنديين وعائلتيهما، تصر كييف على عدم وجود اتفاق رسمي يمنعها من الكشف عن العملية.
وبذلك تحولت عملية نقل أسيرين إلى كوريا الجنوبية من ملف إنساني وأمني إلى قضية دبلوماسية بين بلدين يتعاونان بشأن الحرب في أوكرانيا، فيما تظل تفاصيل التفاهم الذي سبق عملية النقل موضع خلاف بين الطرفين.
اقرأ المزيد
الاتحاد الأوروبي يواصل تمويل أوكرانيا ضمن حزمة دعم بقيمة 90 مليار يورو..
من المحتوى الإباحي إلى المسيّرات.. هل تحوّل أوكرانيا “صناعة الجنس” إلى سلاح في حربها ضد روسيا؟
الكرملين يفتح الباب أمام اجتماع ثلاثي جديد مع أوكرانيا والولايات المتحدة..
زيلينسكي في يوم استقلال أوكرانيا: لن نسقط.. وصناعتنا الدفاعية تتحول إلى “عملاق”
ليلة نارية في أوكرانيا.. روسيا تشن أوسع هجوم بالصواريخ والمسيّرات ومخاوف من امتداد الحرب إلى بولندا

