وطن-لم يعد الصراع في اليمن يُحسم فقط بعدد المقاتلين أو حجم الترسانة العسكرية، بل باتت المعلومات والاتصالات والقدرة على إدارة المعركة من خلف الشاشات واحدة من أهم ساحات المواجهة.
وبحسب تحليل للخبير والكاتب نواف عبيد نشرته «الجزيرة»، فإن الحوثيين تمكنوا خلال المرحلة السابقة من استغلال ثغرات في الجبهة الغربية اليمنية، مستفيدين من منظومة معقدة للقيادة والسيطرة جمعت، وفق التحليل، بين معلومات استخبارية روسية وقدرات إيرانية على دمجها وتوظيفها ميدانيًا.
لكن المعادلة التي ساعدت الحوثيين على تحقيق مكاسب عسكرية تواجه الآن ضغوطًا متزايدة، في وقت تعمل فيه القوات التي تقودها السعودية على إعادة بناء منظومة القيادة والاتصالات والاستخبارات والاستطلاع لديها.
كيف صنعت المعلومات تفوق الحوثيين؟
يرى عبيد أن تقدم الحوثيين في الجبهة الغربية لم يكن مرتبطًا أساسًا بالتفوق العددي، وإنما بقدرتهم على تكوين صورة أكثر دقة عن انتشار خصومهم ومواقع قيادتهم واتصالاتهم والثغرات الموجودة بينهم.
وبحسب التحليل، وفرت روسيا عناصر من الاستخبارات الجغرافية المكانية عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى استخبارات الإشارات، بينما تولت إيران دمج هذه المعلومات ضمن منظومة قيادة الحوثيين وتوظيفها في العمليات.
ولم تكن المعلومات القادمة من الفضاء المصدر الوحيد، إذ يشير التحليل إلى دمج الصور والبيانات المتراكمة مع معلومات من الميدان، بما سمح بتكوين صورة أكثر شمولًا لساحة المعركة. هذه المنظومة، وفق عبيد، مكّنت الحوثيين من رصد تحركات القوات ومقار القيادة وأنماط الاتصالات والعلاقات بين الوحدات، وبالتالي استغلال نقاط الضعف الموجودة في الجبهة المقابلة.
ثغرات داخل القوات المناوئة
لكن التفوق الاستخباري لم يكن العامل الوحيد، بحسب التحليل. فالكاتب يتحدث عن مشكلات داخل القوات المناوئة للحوثيين، بينها ضعف التنسيق والاتصالات وعدم دقة بعض التقارير الميدانية، إضافة إلى ما يصفه باختراق بشري داخل قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.
ويشير التحليل إلى حالات لم تتطابق فيها مواقع القوات الموجودة فعليًا على الأرض مع التقارير التي وصلت إلى القيادات، إلى جانب مشكلات في جاهزية بعض الوحدات وتضارب الأوامر.
كما يذكر عبيد أن بعض ألوية المقاومة الوطنية اكتشفت عند استدعائها أن أعدادًا من العناصر المسجلة لديها لم تكن موجودة فعليًا في مواقعها، رغم إجراءات التسجيل البيومتري ومحاولات إعادة تنظيم القوات. وبحسب رؤيته، ساهمت هذه الثغرات في إرباك منظومة القيادة والسيطرة، وأضعفت قدرة القوات المناوئة للحوثيين على التحرك كقوة مترابطة.
السعودية تعيد بناء «سلسلة القيادة»
هذه التجربة تحولت، وفق التحليل، إلى درس للقوات التي تقودها السعودية. ويشير عبيد إلى إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة من خلال فرق مشتركة سعودية ويمنية وباكستانية لتوجيه الضربات الجوية، إلى جانب نشر فرق للتحقق بصورة مستقلة من مواقع القوات وأعدادها ومدى جاهزيتها.
كما شملت الإجراءات، بحسب المقال، تعزيز آليات التحقق من الأوامر وفصل بعض قنوات التقارير، واستخدام وسائل اتصال مشفرة وبديلة لتقليل فرص اختراق الاتصالات أو وصول معلومات غير دقيقة إلى مراكز القرار. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في محاولة سد الفجوة التي استفاد منها الحوثيون سابقًا بين ما تعرفه القيادة عن قواتها وما يحدث فعليًا على الأرض.
عندما تصبح منظومة القيادة نفسها هدفًا
لكن التطور الأكثر حساسية في التحليل يتعلق بالجانب الحوثي نفسه. فبحسب عبيد، تعرضت منظومة القيادة والسيطرة العليا المدعومة من إيران في صنعاء لضربة مساء 19 سبتمبر/أيلول، ويقول إن الهجوم ألحق خسائر بقيادات عسكرية وضباط ومساعدين وعناصر اتصالات.
ويورد الكاتب أرقامًا لخسائر في صفوف قيادات عسكرية حوثية، بينها ضباط برتب عليا، مع الإشارة إلى أن بعض المعلومات المتعلقة بالخسائر في المستويات العليا لم يُعلن عنها بصورة كاملة.
وهذه النقطة مهمة لأن تأثير استهداف مراكز القيادة لا يرتبط فقط بعدد الأشخاص الذين يخرجون من المعركة، وإنما بإمكانية تعطيل السلسلة التي تربط بين جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار وإصدار الأوامر وتنفيذها.
تغيير المواقع قد يكشف القيادات
بحسب التحليل، فإن الضغط على منظومة القيادة الحوثية قد يفرض على قادتها تغيير مواقعهم وإعادة بناء قنوات الاتصال مع الوحدات المنتشرة في الجبهات. لكن هذا التغيير قد يتحول إلى نقطة ضعف جديدة. فإعادة بناء قنوات اتصال جديدة، أو زيادة الاتصالات بين صنعاء والقيادات الميدانية، قد تولد إشارات يمكن رصدها وتحليلها، بما يتيح للقوات المعادية تحديد بعض مواقع القيادة واستهدافها. وبذلك تتحول إحدى الوسائل الضرورية لبقاء القيادة الحوثية على اتصال بقواتها إلى مصدر محتمل للمعلومات بالنسبة إلى الطرف الآخر.
المعركة لم تعد على الأرض فقط
يرى عبيد أن الحوثيين يواجهون صعوبة في تكرار الزخم الذي حققوه خلال اختراق الجبهة الغربية، لأن الظروف التي سمحت لهم باستغلال ضعف خصومهم تغيرت. وفي المقابل، تعمل القوات التي تقودها السعودية على تحصين قنوات القيادة والاتصال لديها، بالتزامن مع محاولة الضغط على منظومة القيادة والسيطرة الخارجية التي يعتمد عليها الحوثيون.
وتعني هذه المعادلة أن الحرب تدخل أكثر فأكثر في مرحلة يصبح فيها التفوق المعلوماتي عاملًا أساسيًا في تحديد قدرة كل طرف على التحرك. فمن يمتلك معلومات أفضل عن مواقع خصمه وتحركاته واتصالاته، ويستطيع تحويلها بسرعة إلى قرار عسكري، قد يحصل على أفضلية حتى من دون امتلاك تفوق عددي واضح.
من يسيطر على المعلومات يملك مفتاح المعركة
في النهاية، لا يرى هذا التحليل أن الحرب المقبلة في اليمن ستُحسم بمجرد خروج عدد من القادة من المعركة، بل بقدرة كل طرف على الحفاظ على سلسلة القيادة بأكملها. تبدأ السلسلة بجمع المعلومات، ثم تحليلها، واتخاذ القرار، ونقل الأوامر، وصولًا إلى تنفيذها على الأرض. وأي خلل في إحدى هذه المراحل يمكن أن يؤدي إلى تأخير القرار، أو انقطاع الأوامر، أو تحرك القوات بناءً على صورة غير دقيقة لساحة المعركة.
ولهذا يخلص تحليل نواف عبيد إلى أن المعركة في اليمن تتجه بصورة متزايدة نحو القيادة والاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، بدل أن تقتصر على السيطرة على الأرض وحجم الأسلحة والمقاتلين. وبحسب هذا التصور، فإن المنظومة التي ساعدت الحوثيين سابقًا على كشف نقاط ضعف خصومهم قد تتحول، مع تغير ميزان القدرات الاستخبارية والاتصالات، إلى واحدة من أكثر نقاط الضغط عليهم.
اقرأ المزيد
الحوثيون يستهدفون الرياض بصاروخ باليستي.. والسعودية تعلن اعتراضه وسط تصعيد متسارع
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض وينبع.. والسعودية تعلن اعتراض الصواريخ
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع
الحوثيون يقتربون من شريان النفط السعودي.. صاروخ يضرب ناقلة قرب ينبع

