وطن-على خشبات المسارح، وفي الملاعب، وبين نجوم الملاكمة والرياضة العالمية، أصبح تركي آل الشيخ واحداً من أكثر الوجوه السعودية حضوراً في صناعة الترفيه والرياضة.
لكن خلف هذه الصورة اللامعة، يروي تحقيق مطول نشرته صحيفة «ذا أتلتيك» رواية مختلفة تماماً، تستند إلى شهادات معتقلين سابقين ومعارضين سعوديين وحقوقيين، وتتحدث عن احتجاز منتقدين لتركي آل الشيخ، واختفائهم لفترات، وتعرض بعضهم لسوء المعاملة.
التحقيق، الذي أعده الصحفي جاكوب وايتهيد بعد ستة أشهر من العمل ومقابلات مع أكثر من 40 مصدراً، لا يقدم حكماً قضائياً على آل الشيخ، لكنه يطرح اتهامات خطيرة بشأن استخدام النفوذ ضد أشخاص انتقدوه، سواء في قضايا رياضية أو بسبب مواقفه من الترفيه والسياسات العامة.
فهل يمكن أن تتحول تغريدة تنتقد مسؤولاً نافذاً إلى بداية لمسار ينتهي بالسجن؟ بحسب شهادات أوردها التحقيق، يقول بعض المنتقدين إن هذا ما حدث بالفعل.
من تغريدة على «إكس» إلى الاحتجاز
إحدى أكثر الروايات إثارة للجدل التي أوردها التحقيق تتعلق بأشخاص قالوا إنهم اعتُقلوا بعد نشر تعليقات تنتقد آل الشيخ أو قرارات مرتبطة به. وبحسب «ذا أتلتيك»، تحدث معتقلون سابقون عن عمليات توقيف شاركت فيها عناصر أمنية، وعن نقل بعض المنتقدين إلى أماكن احتجاز من دون أن يكونوا على علم مسبق بما سيحدث لهم.
وفي إحدى الشهادات التي أوردها التحقيق، قال شخص إن منتقداً اقتيد من قبل رجال أمن ملثمين، وكان معصوب العينين، قبل أن يواجه آل الشيخ شخصياً. وتتضمن الرواية ادعاءات بشأن تعرض الرجل للصفع والاستجواب. وهذه التفاصيل، وفق التحقيق، جاءت من شهادات مصادر تحدثت إلى الصحيفة، وليس من حكم قضائي يثبت أن آل الشيخ أصدر بنفسه أوامر بالاعتقال أو التعذيب. وهذه نقطة أساسية في القضية: التحقيق يطرح شهادات وقرائن، لكنه لا يحولها إلى أحكام قضائية نهائية.
«جناح توتو».. اسم ارتبط بسجن الحائر
من أكثر المصطلحات التي تكررت في الروايات التي نقلها التحقيق اسم «جناح توتو»، و«توتو» هو لقب يُعرف به تركي آل الشيخ، وقال معتقلون سابقون إن الاسم أصبح يُستخدم للإشارة إلى قسم داخل سجن الحائر في الرياض، حيث قالوا إن بعض الأشخاص الذين انتقدوا آل الشيخ احتُجزوا هناك.
وبحسب التحقيق، تحدث أكثر من معتقل سابق عن هذا القسم، وربطوا وجودهم فيه بانتقادات نشروها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن تسمية «جناح توتو» ليست اسماً رسمياً معلناً لقسم في سجن الحائر، بل تسمية منسوبة إلى معتقلين سابقين بحسب الروايات التي نقلها التحقيق.
أكثر من عشر حالات تحت المجهر
لم يقتصر تحقيق «ذا أتلتيك» على حالة واحدة. وبحسب عبدالله العودة، المسؤول في «مركز ديمقراطية الشرق الأوسط» المعني بمواجهة السلطوية، تمكنت منظمات حقوقية من التحقق من التهم أو الأحكام في أكثر من عشر حالات لأشخاص قالوا إنهم تعرضوا للاحتجاز بسبب انتقاد آل الشيخ.
وقال العودة إن هذه الحالات جرى تقاطعها، بحسب المركز، مع سجلات قضائية رسمية. ومن بين الحالات التي تناولها التحقيق الداعية السعودي عمر المقبل، الذي اعتُقل عام 2019 بعدما انتقد سياسات الهيئة العامة للترفيه، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة. كما تناول حالة زعيم قبلي يدعى فيصل بن سلطان بن حميد، قيل إنه احتُجز لعدة أشهر بعد نشر انتقاد لآل الشيخ على مواقع التواصل الاجتماعي.
أحمد محمد عمر.. 19 عاماً بسبب تغريدة
لكن من أبرز الحالات التي حظيت باهتمام خاص قضية المصري أحمد محمد عمر. وبحسب «ذا أتلتيك» ومنظمات حقوقية، انتقل عمر إلى السعودية للعمل عام 2021، وبعد نحو تسعة أشهر من وصوله، جرى توقيفه بسبب تغريدات نشرها قبل ذلك بنحو عام ونصف، وانتقد فيها قرارات مرتبطة بتركي آل الشيخ.
وتقول منظمة «معاً من أجل العدالة» إن عمر حُكم عليه بالسجن لمدة 19 عاماً، وتصف قضيته بأنها مثال على وصول القيود المفروضة على التعبير إلى العمال والمقيمين الأجانب أيضاً. وتكتسب القضية أهمية خاصة لأن التغريدة التي سبقت الاحتجاز كانت مرتبطة، بحسب التقارير، بخلاف رياضي يتعلق بالنادي الأهلي المصري وقرارات آل الشيخ. أي أن القضية، وفق هذه الرواية، لم تبدأ من نشاط سياسي معارض للحكومة، وإنما من انتقاد يتعلق بالرياضة.
عندما يصبح انتقاد الترفيه قضية أمنية
هذه هي النقطة التي ركز عليها التحقيق بصورة خاصة، فبعض الحالات التي تناولها لا ترتبط بمعارضة سياسية مباشرة للحكومة السعودية، وإنما بانتقادات لشخص تركي آل الشيخ أو للسياسات المرتبطة به في الرياضة والترفيه.
ومن هنا يطرح التحقيق سؤالاً حول مدى اتساع مساحة الانتقاد المتاحة لمسؤول يتمتع بنفوذ كبير داخل دوائر السلطة. وتظهر أهمية السؤال في موقع آل الشيخ نفسه؛ فهو رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، كما يشغل منصب مستشار في الديوان الملكي السعودي برتبة وزير.
وفي الوقت ذاته، أصبح اسمه مرتبطاً بصورة السعودية الجديدة في الخارج، من خلال الحفلات والفعاليات الرياضية الكبرى ومباريات الملاكمة العالمية.
من الترفيه إلى الملاكمة العالمية
خلال السنوات الأخيرة، تحول آل الشيخ إلى أحد أبرز الأسماء في عالم الملاكمة، بعدما لعب دوراً رئيسياً في نقل نزالات كبرى إلى السعودية، وجذب أسماء عالمية إلى فعاليات الرياض.
واستحوذ في 2024 على مجلة «ذا رينغ» الشهيرة، كما أصبح أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بمشروع السعودية الرياضي والترفيهي. وبذلك أصبح الرجل يمثل، بالنسبة إلى كثير من المتابعين، أحد أبرز وجوه التحول السعودي في مجالي الرياضة والترفيه.
لكن هذا الحضور العالمي يتقاطع مع انتقادات حقوقية ترى أن الاستثمارات الرياضية والترفيهية السعودية تساعد في تحسين صورة المملكة خارجياً، وهو ما تصفه بعض المنظمات الحقوقية بمفهوم «الغسل الرياضي».
رواية السلطة ورواية المنتقدين
القضية لا تتعلق فقط بشخص تركي آل الشيخ، بل بسؤال أوسع حول حدود حرية التعبير في السعودية. وتشير منظمات حقوقية دولية منذ سنوات إلى تشديد السلطات السعودية على التعبير السياسي وعلى الانتقادات المنشورة عبر الإنترنت، بما في ذلك أحكام سجن قاسية بحق أشخاص بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي حالة آل الشيخ، يضيف تحقيق «ذا أتلتيك» روايات من أشخاص يقولون إنهم تعرضوا للاحتجاز بسبب انتقاده شخصياً. لكن الصحيفة لم تقدم هذه الروايات باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية ضد آل الشيخ، كما أن آل الشيخ لم يقدم رداً للصحيفة على الاتهامات التي تضمنها التحقيق، بحسب الصحفي الذي أعده.
الوجه الآخر للصورة
المفارقة التي يطرحها التحقيق تكمن في المسافة بين صورتين. الأولى: مسؤول سعودي يظهر أمام الملاكمين والرياضيين والفنانين العالميين، ويقود مشاريع ضخمة جعلت الرياض مركزاً لفعاليات رياضية وترفيهية دولية. والثانية: شهادات أشخاص يقولون إن انتقاد الرجل نفسه كان كافياً، في بعض الحالات، للدخول في مسار أمني انتهى بالاحتجاز والسجن. وبين الصورتين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول طبيعة النفوذ الذي يتمتع به آل الشيخ، وحول ما إذا كانت الحالات التي وثقها التحقيق تمثل تجاوزات فردية، أم جزءاً من نمط أوسع في التعامل مع المنتقدين.
تحقيق يفتح ملفاً أكبر من تركي آل الشيخ
ما كشفه تحقيق «ذا أتلتيك» لا يتعلق بالرياضة وحدها، ولا بالترفيه وحده، إنه يضع في مواجهة واحدة مشروعاً سعودياً يريد تقديم المملكة باعتبارها مركزاً عالمياً للرياضة والترفيه، وشهادات حقوقية تتحدث عن استمرار القيود على التعبير والانتقاد. أما الاتهامات الموجهة مباشرة إلى تركي آل الشيخ، فتظل بحاجة إلى التفريق بين ما ثبت في سجلات قضائية، وما جاء في شهادات معتقلين سابقين أو تقارير حقوقية.
لكن حتى مع هذا التحفظ، فإن قضية أحمد محمد عمر، الذي تقول منظمات حقوقية إنه حُكم عليه بـ19 عاماً بعد تغريدة انتقد فيها آل الشيخ، تظل مثالاً ملموساً على المخاطر التي يمكن أن تواجه بعض المنتقدين في السعودية. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه التحقيق: ماذا يحدث عندما يتجاوز الانتقاد حدود الملعب والحفلات، ويصل إلى الرجل الذي يقف في قلب هذه المنظومة؟
اقرأ المزيد
رؤية 2030 تحت الضغط.. هل تحولت مشاريع محمد بن سلمان إلى مقامرة بمليارات السعودية؟
هل تخشى أبوظبي نجاح «رؤية 2030»؟ دراسة تتحدث عن صراع نفوذ مع السعودية
منتجع ميرافال البحر الأحمر في السعودية 2026 تجربة فاخرة للبالغين فقط ضمن رؤية 2030

