وطن-تحولت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا من اضطراب مالي يهدد مئات آلاف المستثمرين إلى قضية سياسية تضغط مباشرة على حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، بعدما أمرت السلطات بتصفية عشرات الصناديق التي تعثرت في تلبية طلبات السحب، وسط تحقيقات في شبهات تلاعب بأسعار الأسهم ومخططات مالية وصفت بأنها شبيهة بنظام «بونزي».
وتشير أحدث المعطيات إلى أن الأزمة طالت أكثر من 455 ألف مستثمر، فيما تتجاوز قيمة الأصول المرتبطة بالصناديق الخاضعة للتصفية 18 مليار دولار. وكانت هيئة أسواق المال التركية قد أمرت بتصفية 130 صندوقاً تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، قبل أن تتسع التحقيقات والإجراءات المرتبطة بالملف.
لكن التداعيات لم تتوقف عند الأسواق. فقد بدأت الأزمة تكشف شبكة من العلاقات بين شركات الاستثمار والوسطاء وشخصيات مرتبطة بدوائر سياسية واقتصادية نافذة، فيما وصلت ارتداداتها إلى داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه.
استقالة مسؤولة بارزة بعد اتهامات بشأن الأسهم
كانت إحدى أبرز التطورات السياسية استقالة فاطمة بتول سايان كايا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة، من مناصبها الحزبية بعد اتهامات وجهتها المعارضة إليها وإلى زوجها بتحقيق أرباح كبيرة من تداول أسهم قبل اندلاع موجة الهبوط الحادة في السوق.
وبحسب ما نقلته رويترز، اتهم المتحدث باسم حزب «يني» المعارض زينيل إمري كايا وزوجها باستثمار نحو 163 مليون ليرة في أبريل، معظمها في أسهم شركة «أوزاتا دنيزجيلك»، ثم الحصول على نحو 2.17 مليار ليرة من بيعها لاحقاً. ولا تزال هذه الأرقام والاتهامات محل تحقيق، ولم تُوجَّه إلى كايا اتهامات قضائية في هذه القضية حتى الآن.
وقالت كايا إنها طلبت من أردوغان إعفاءها من جميع مهامها حتى تتمكن التحقيقات من المضي قدماً من دون أن تتأثر بموقعها السياسي، معتبرة أنها تتحمل مسؤولية سياسية في انتظار اتضاح ملابسات القضية.
وتزامنت هذه التطورات مع تأكيد أردوغان أن الدولة ستلاحق كل من يثبت تورطه في التلاعب بالأسواق أو الإضرار بحقوق المستثمرين، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والمالية للأزمة.
كيف تحولت الصناديق إلى بؤرة للانهيار؟
تتركز التحقيقات حول صناديق استثمرت بكثافة في أسهم محدودة السيولة ومنخفضة نسبة التداول الحر، وهي أسهم يمكن أن تتأثر أسعارها بصورة كبيرة عندما تكون كمية الأسهم المتاحة في السوق محدودة.
وتشير التقارير إلى أن ارتفاع أسعار بعض هذه الأسهم خلق على الورق عوائد استثنائية للصناديق، ما جذب مزيداً من المستثمرين، قبل أن تتعثر عمليات السحب وتبدأ موجة البيع والانهيار.
وفي إحدى الحالات التي أثارت الانتباه، حقق صندوق مرتبط بمجموعة «تيرا» عائداً هائلاً خلال فترة قصيرة، فيما تقول تقارير مالية إن بعض الصناديق حققت عوائد يصعب تفسيرها وفق الأداء الطبيعي للأسواق.
وتقول السلطات إن الأزمة تحولت إلى قضية جنائية ومالية واسعة، مع تحقيقات في شبهات التلاعب بأسعار الأسهم والاحتيال وارتكاب مخالفات لقوانين أسواق رأس المال.
«تيرا» و«بوصلة» في قلب التحقيقات
برزت في مركز الأزمة شركتا «تيرا» و«بوصلة»، بعدما عجزت صناديق مرتبطة بهما عن تلبية طلبات استرداد الأموال، ما أدى إلى أزمة سيولة سرعان ما انعكست على سوق الأسهم التركية.
وأوقفت السلطات إمره تزمين، رئيس مجلس إدارة مجموعة «تيرا»، في إطار التحقيقات المتعلقة بالمخطط المالي المشتبه فيه. كما طالت الإجراءات مسؤولين آخرين في القطاع المالي، بينما ينفي المتهمون ارتكاب المخالفات المنسوبة إليهم.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب المواقع التي شغلها بعض المسؤولين في المؤسسات المالية التركية، إذ كان تزمين عضواً في مجلس إدارة مركز إيداع الأوراق المالية التركي، قبل توقيفه، في حين ارتبطت أسماء أخرى في الملف بمؤسسات مالية وشخصيات سياسية سابقة.
كما أوقفت السلطات محمد ياريز، رئيس مجلس إدارة «بوصلة لإدارة المحافظ»، الذي سبق له العمل في حزب العدالة والتنمية، ما أضاف بعداً سياسياً إلى التحقيقات.
صلات سياسية ترفع حساسية القضية
بحسب التحقيق الذي نشره موقع «ميدل إيست آي»، فإن شبكة العلاقات لا تتوقف عند مديري الصناديق، بل تمتد إلى شخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة والدوائر السياسية.
ويتحدث التقرير عن مسؤولين ومستشارين سابقين وحاليين ارتبطوا بمجالس إدارة شركات في مجموعة «تيرا»، إضافة إلى علاقات عائلية بين بعض المسؤولين في الشركات الخاضعة للتحقيق وشخصيات تشغل مناصب حكومية.
لكن هذه الروابط، بحد ذاتها، لا تثبت تورط أصحابها في المخالفات محل التحقيق، فيما تنفي الشركات والأفراد الذين وردت أسماؤهم ارتكاب أي مخالفات.
وتزداد حساسية الملف بسبب شركة «أوزاتا دنيزجيلك»، التي أصبحت أسهمها محوراً رئيسياً في بعض الاتهامات السياسية والتحقيقات المتعلقة بالتلاعب بالسوق. وكانت قيمة الشركة السوقية قد ارتفعت بصورة حادة قبل انهيار الأسهم في سبتمبر.
تجميد أصول عشرات الشركات والأفراد
ومع اتساع التحقيقات، اتخذت السلطات التركية إجراءات احترازية شملت تجميد أصول عشرات الكيانات والأفراد، بهدف منع نقل الأموال أو بيع الأصول أو إجراء عمليات سحب قد تقلل من الأموال المتاحة لتعويض المستثمرين.
وأعلنت وزارة العدل التركية تجميد أصول 46 كياناً قانونياً و18 صندوقاً و42 فرداً، إلى جانب فرض قيود على سفر عدد من المشتبه بهم، ضمن التحقيقات المتعلقة بتدفقات الأموال والعمليات التي سبقت انهيار السوق.
كما شملت الإجراءات شركات تعمل في قطاعات متعددة، وليس فقط المؤسسات المالية، ما أثار مخاوف بشأن احتمال اتساع نطاق القضية وتأثيرها على الشركات المدرجة في البورصة.
لكن السلطات بدأت لاحقاً في رفع بعض قرارات التجميد بعد إعادة تقييم المعطيات. وأعلنت رويترز أن تركيا رفعت تجميد الأصول عن 46 شركة في إطار التحقيق المستمر بشأن التلاعب المزعوم بالسوق واضطرابات صناديق الاستثمار.
ستة أشهر لمعرفة حجم الخسائر
تواجه السلطات الآن مهمة معقدة تتمثل في تصفية الصناديق وبيع أصولها وإعادة الأموال إلى المستثمرين. وقد يستغرق الأمر ما يصل إلى ستة أشهر، فيما لا يزال من غير الواضح مقدار الأموال التي سيتمكن المستثمرون من استردادها فعلياً.
وتكمن المشكلة في أن جزءاً من القيمة التي ظهرت في حسابات المستثمرين قبل الأزمة كان مرتبطاً بأسعار أسهم ارتفعت بصورة استثنائية، وبالتالي فإن بيع هذه الأسهم في السوق بعد الانهيار قد لا يوفر المبالغ التي كانت تظهر سابقاً كقيمة استثمارية.
وتؤكد السلطات أن الهدف من خطة التصفية هو حماية المستثمرين والحفاظ على استقرار النظام المالي، بينما تراقب الأسواق عن كثب قدرة المؤسسات المعنية على إدارة عملية البيع والتعويض.
بورصة إسطنبول تدفع ثمن الأزمة
لم تبقِ الأسواق بمعزل عن التطورات. فقد أدت الأزمة إلى موجة بيع قوية في بورصة إسطنبول، وأثارت مخاوف بشأن الثقة في قطاع إدارة الأصول والرقابة على أسواق رأس المال.
وكانت هيئة أسواق المال التركية قد أوقفت التداول في صناديق تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، وأمرت بتصفية 130 صندوقاً. وتظهر بيانات لاحقة أن عدد الصناديق المتأثرة وصل إلى 131، مع أصول تقترب من 18 مليار دولار وأكثر من 455 ألف مستثمر.
كما انعكس القلق على مؤشر بورصة إسطنبول، في وقت حاولت فيه السلطات طمأنة المستثمرين والتأكيد أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى احتواء الأزمة ومنع انتقالها إلى النظام المالي الأوسع.
هل تتحول الأزمة المالية إلى أزمة سياسية؟
المفارقة السياسية في هذه القضية أن عدداً كبيراً من المستثمرين المتضررين يُعتقد أنهم من قاعدة الناخبين المحليين، ما يجعل خسائرهم المحتملة أكثر حساسية بالنسبة إلى الحكومة.
وتحاول إدارة أردوغان، في الوقت نفسه، الفصل بين التحقيق المالي وبين المسؤولية السياسية، من خلال التأكيد على محاسبة أي شخص يثبت تورطه بغض النظر عن موقعه.
لكن استقالة كايا، وتوقيف مسؤولين في قطاع الاستثمار، وظهور أسماء ذات صلات سابقة أو عائلية بدوائر حكومية، جعلت الأزمة تتجاوز حدود قضية مالية بحتة.
وفي حين يرى بعض المحللين أن تأثير الأزمة على السياسة التركية قد يبقى محدوداً إذا نجحت السلطات في تعويض المستثمرين واحتواء التحقيقات، فإن اتساع القضية أو ظهور أدلة تثبت استفادة شخصيات نافذة من تحركات السوق قد يزيد من كلفتها السياسية.
حتى الآن، تبقى العديد من الادعاءات المتداولة بشأن تورط مسؤولين كبار آخرين غير مثبتة، ولا توجد أدلة معلنة تثبت أن كل من وردت أسماؤهم في التقارير شارك في المخالفات محل التحقيق.
وهكذا تجد حكومة أردوغان نفسها أمام اختبار مزدوج: معالجة أزمة مالية طالت مئات آلاف المستثمرين، وإدارة قضية سياسية تتسع كلما ظهرت روابط جديدة بين عالم المال وبعض دوائر السلطة.
اقرأ المزيد
هجوم مسلح أمام مدرسة في تركيا.. 11 طالبًا جريحًا والتحقيق يطال أسرة المنفذ
مداهمات واسعة في تركيا تستهدف مجتمع الميم.. عشرات الموقوفين تحت شعار “حماية الأسرة”
اعتقال الكوميدي دنيز غوكتاش بعد عرض ساخر عن أردوغان.. وقضية جديدة تهز حرية التعبير في تركيا
من “جار مزعج” إلى “خطر وجودي”.. زلزال التحالفات يعيد تشكيل النظرة الإسرائيلية لتركيا

