وطن-أعاد الظهور الأخير للعاهل المغربي الملك محمد السادس ملف الخلافة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في المغرب، في ظل اهتمام متزايد بوضع الملك الصحي وبالدور الذي بات ولي العهد الأمير مولاي الحسن يؤديه تدريجياً في الحياة العامة.
وخلال مراسم إحياء ذكرى وفاة والده الملك الحسن الثاني، ظهر محمد السادس إلى جانب ولي عهده أمام ضريح والده، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة بشأن مستقبل العرش المغربي، ولا سيما أن الحديث عن صحة الملك وخلافته أصبح حاضراً بصورة متكررة في بعض وسائل الإعلام الإسبانية والمغربية.
وتناولت صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية هذا الملف في تقرير موسع، مستندة خصوصاً إلى آراء الصحفي والأستاذ المغربي عمر بروكسي، مؤلف كتاب «نهاية عهد»، وإلى ما ورد في كتاب «رواية ملك» للصحفيين كريستوف آياد وفريدريك بوبان.
صحة الملك بين التكهنات والغياب الرسمي للمعلومات
تربط «إل إندبندينتي» بين ظهور محمد السادس الأخير وبين عودة النقاش حول صحته، مشيرة إلى أن الملك خضع خلال السنوات الماضية لتدخلات طبية، وأن وسائل إعلام ومصادر مختلفة تداولت تكهنات بشأن طبيعة مشكلاته الصحية.
لكن هذه التقارير لا تعني وجود تشخيص طبي معلن من القصر الملكي. فالصحيفة نفسها تقدم الحديث عن أمراض محددة، بينها الساركويد أو مرض هاشيموتو، في إطار المعلومات والتكهنات المتداولة، وليس باعتبارها بيانات طبية رسمية صادرة عن السلطات المغربية.
وفي أغسطس 2026، نقلت «إل إندبندينتي» عن المؤرخ والناشط المغربي معطي منجب قوله إنه لا يتوقع تنازل محمد السادس عن العرش قريباً، رغم حديثه عن مشكلات صحية للملك. وهذا يعكس وجود تقديرات مختلفة بشأن مدى قرب أي انتقال للسلطة، وليس اتفاقاً على أن الخلافة باتت وشيكة.
لذلك، فإن الحديث عن انتقال قريب للعرش يبقى في الوقت الحالي سيناريو إعلامياً وتحليلياً وليس إعلاناً رسمياً عن ترتيبات خلافة.
مولاي الحسن.. ولي عهد يزداد حضوراً
في قلب هذه التكهنات يظهر ولي العهد الأمير مولاي الحسن، الذي يبلغ 23 عاماً، والذي بدأ خلال السنوات الأخيرة في اكتساب حضور أكبر في المناسبات الرسمية.
وتشير «إل إندبندينتي» إلى أن ولي العهد تلقى تعليمه في المدرسة المولوية، كما يدرس العلاقات الدولية في جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في الرباط، في مسار يجمع بين التعليم الأكاديمي والتكوين المرتبط بموقعه داخل الأسرة الملكية.
كما ازداد حضوره في المناسبات العامة خلال الفترة الأخيرة. وفي يناير 2026، لفت ظهوره في افتتاح كأس الأمم الإفريقية التي استضافها المغرب الانتباه، خصوصاً في ظل غياب والده عن المناسبة، وهو ما دفع بعض المحللين إلى ربط حضوره المتزايد بعملية إعداد تدريجية لتحمل مسؤوليات أكبر مستقبلاً.
لكن تنامي حضور ولي العهد لا يعني بالضرورة أن انتقال السلطة أصبح قريباً. فالمظاهر الرسمية يمكن أن تكون جزءاً من إعداد ولي العهد لمهامه المستقبلية من دون أن تشير إلى موعد محدد لانتقال العرش.
خطوة جديدة في المسار العسكري
ومن بين التطورات التي تستوقف المتابعين مسار ولي العهد داخل المؤسسة العسكرية. وتذكر «إل إندبندينتي» أن مولاي الحسن رُقّي إلى رتبة عسكرية قبل أن يتولى في مايو 2026 مهمة منسق رسمي في هيئة أركان القوات المسلحة الملكية. وترى الصحيفة أن هذا المسار يشبه، من بعض الجوانب، مراحل مر بها والده قبل اعتلائه العرش.
ويأتي هذا التطور بعد سنوات من إعداد ولي العهد للمسؤوليات المرتبطة بموقعه الدستوري والملكي، ما يعزز حضوره داخل مؤسسات الدولة، لكنه لا يشكل بحد ذاته إعلاناً عن قرب توليه العرش.
المدرسة المولوية وصناعة دائرة الملك المقبل
لا تقتصر أهمية المسار التعليمي لولي العهد على الدراسة الأكاديمية، إذ تلعب المدرسة المولوية دوراً مهماً في تكوين أفراد الأسرة الملكية.
وبحسب عمر بروكسي، الذي نقلت «إل إندبندينتي» آراءه، فإن ولي العهد نشأ محاطاً بأبناء شخصيات تنتمي إلى دوائر قريبة من القصر، وهو ما يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى تشكيل شبكة من الشخصيات التي ترافق الملك الجديد في إدارة شؤون الدولة.
ويرتبط هذا النقاش بما يعرف في المغرب باسم «المخزن»، أي شبكة المؤسسات والشخصيات والدوائر المرتبطة بالسلطة الملكية. ويقول بروكسي إن حجم نفوذ هذه الدائرة في عهد ملك مستقبلي سيعتمد إلى حد كبير على شخصية ولي العهد نفسه وعلى الطريقة التي سيختار بها مستشاريه والمقربين منه.
وبالتالي، فإن مسألة الخلافة لا تتعلق فقط بمن سيجلس على العرش، وإنما أيضاً بمن سيحيط بالملك الجديد وكيف ستتوزع مراكز النفوذ داخل القصر ومؤسسات الدولة.
لالة سلمى.. عودة تدريجية إلى المشهد
ومن الملفات التي تحضر في النقاش حول مستقبل الأسرة الملكية المغربية وضع الأميرة لالة سلمى، والدة ولي العهد. فبعد انفصالها عن الملك محمد السادس عام 2018، ابتعدت لالة سلمى بدرجة كبيرة عن الأنظار، قبل أن تظهر لاحقاً في مناسبات وصور محدودة برفقة ابنيها.
وتشير «إل إندبندينتي» إلى ظهورها في اليونان عام 2024 مع مولاي الحسن والأميرة لالة خديجة، إضافة إلى ظهور آخر في مناسبة رياضية، معتبرة أن هذه العودة التدريجية أثارت اهتماماً بشأن موقعها داخل الأسرة الملكية.
كما ينقل التقرير عن كتاب «رواية ملك» أن هذا الحضور المتجدد يمكن قراءته باعتباره أحد المؤشرات على التغيرات داخل الأسرة الملكية، مع التأكيد على صعوبة الجزم بحجم الدور السياسي الذي يمكن أن تؤديه مستقبلاً.
أما الحديث عن احتمال تأثير لالة سلمى في خيارات ابنها السياسية في حال وصوله إلى العرش، فيبقى بدوره ضمن التحليلات والتكهنات التي لا يمكن إثباتها في الوقت الحالي.
هل بدأ انتقال السلطة فعلاً؟
رغم كثرة المؤشرات التي تربط ولي العهد بالمستقبل السياسي للمغرب، تؤكد «إل إندبندينتي» نقلاً عن بروكسي أن الانتقال لم يبدأ فعلياً، وأن الحديث عن الخلافة لا يعني وجود عملية تسليم للسلطة جارية الآن.
ويشير التقرير إلى أن ظهور مولاي الحسن في مناسبات مهمة يتم بحسابات دقيقة، بحيث لا يُفهم حضوره باعتباره بديلاً عن والده أو دليلاً على انتقال الصلاحيات إليه.
وكان من أبرز الأمثلة على حضوره الدبلوماسي استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في الدار البيضاء أواخر عام 2024، خلال محطة توقف له في المغرب. وقد لفت ذلك اهتمام وسائل الإعلام المغربية، لكنه لم يتحول إلى نمط دائم من المهام الدبلوماسية الكبرى.
وهذا ما دفع دبلوماسياً غربياً نقل عنه كتاب «رواية ملك» إلى الحديث عن إعداد محسوب بعناية لتجنب إرسال إشارات يمكن تفسيرها على أنها انتقال فعلي للسلطة بين الملك ونجله.
ولي عهد شاب أمام تحديات المغرب
لا ينفصل الحديث عن مستقبل العرش عن التحديات التي يواجهها المجتمع المغربي، خصوصاً في ما يتعلق بالاقتصاد وفرص العمل والقدرة الشرائية وتطلعات الشباب.
وترى «إل إندبندينتي» أن ولي العهد قد يجد نفسه، إذا تولى العرش مستقبلاً، أمام مجتمع مختلف عن المجتمع الذي واجهه والده عند وصوله إلى الحكم عام 1999.
فعندما اعتلى محمد السادس العرش كان يبلغ نحو 36 عاماً، وارتبطت بدايات حكمه بتوقعات بشأن الإصلاح والتحديث. أما الجيل الشاب الذي سيواجهه الملك المقبل، فقد نشأ في بيئة مختلفة وأكثر اتصالاً بالعالم، مع مطالب متزايدة بالفرص الاقتصادية والحريات والاستقلالية.
وينقل التقرير عن بروكسي أن مولاي الحسن يختلف عن والده وجده بسبب اختلاف السياق الذي ينتمي إليه، مشيراً إلى أن شخصيته وخياراته السياسية ستكون عاملاً مهماً في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة.
ماذا عن سبتة ومليلية؟
يمتد النقاش حول مستقبل العرش أيضاً إلى ملف العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً قضية سبتة ومليلية.
وقد ظهرت تحليلات تربط بين انتقال العرش مستقبلاً وبين احتمال تبني الملك الجديد موقفاً أكثر تشدداً بشأن المدينتين، لكن بروكسي، وفق «إل إندبندينتي»، يرفض هذا السيناريو، معتبراً أن القصر يدرك تعقيدات الملف وأن انتقال السلطة لا يعني بالضرورة تغييراً في السياسة المغربية تجاه المدينتين.
وبذلك، لا توجد في المصادر التي تناولت الموضوع أدلة على أن خلافة محمد السادس ستؤدي تلقائياً إلى تغيير في الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية.
الخلافة حاضرة في النقاش.. لكن موعدها غير معروف
يعكس تنامي الحديث عن ولي العهد مولاي الحسن اتجاهاً واضحاً نحو التركيز على مستقبل الملكية المغربية، خصوصاً مع تقدمه في العمر وتزايد حضوره في المناسبات الرسمية والعسكرية والدبلوماسية.
لكن بين الإعداد الطبيعي لولي العهد وبين انتقال السلطة الفعلي مسافة كبيرة. فلا يوجد إعلان رسمي عن تنازل محمد السادس عن العرش، ولا موعد معلن لخلافته، كما أن المعلومات الطبية المتداولة عن الملك لا تستند إلى بيان صحي رسمي يحدد طبيعة حالته أو مدى تأثيرها في قدرته على ممارسة مهامه.
وبالتالي، فإن السؤال المطروح حالياً ليس ما إذا كان مولاي الحسن هو ولي العهد، فهذا أمر قائم، وإنما متى وكيف يمكن أن ينتقل من موقع الوريث إلى موقع الملك، وما شكل الدائرة السياسية والمؤسساتية التي سترافقه إذا حدث ذلك مستقبلاً.
وفي انتظار أي إعلان رسمي، يبقى ملف الخلافة في المغرب موضوعاً تحيط به السرية والحسابات الدقيقة، فيما يواصل ولي العهد اكتساب الخبرة والحضور تدريجياً، بينما يستمر محمد السادس في ممارسة مهامه الملكية.
اقرأ المزيد
ظهور اسم محمد السادس في تسريبات جيفري إبستين يثير جدلاً واسعاً حول علاقاته بالمغرب
سبتة تشتعل.. آلاف المهاجرين يقتحمون الحدود بعد ساعات من خطاب ملك المغرب
انتخابات المغرب.. عزوف الناخبين ونفوذ الملك يحددان ملامح المشهد السياسي

