وطن-بعد أشهر من السجال الإعلامي بين حسابات وشخصيات محسوبة على السعودية والإمارات، ظهرت في الأيام الأخيرة رسائل متزامنة من مسؤولين إعلاميين في البلدين تدعو إلى خفض التصعيد والحفاظ على الروابط الخليجية.
الرسائل جاءت هذه المرة من وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام في الإمارات عبدالله آل حامد، واختارت لغة مختلفة عن أجواء التراشق التي سبقتها، لتتصدر عبارة «خليجنا واحد» المشهد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تمثل هذه الرسائل بداية نهاية للسجال السعودي الإماراتي على المنصات، أم أنها مجرد محاولة لاحتواء التصعيد الإعلامي بينما تبقى الملفات الخلافية الأوسع قائمة؟
رسائل متزامنة من الرياض وأبوظبي
في 26 سبتمبر، نشر سلمان الدوسري رسالة أكد فيها أن الخليج يجمع دوله بأكثر من الحدود والمصالح المشتركة، مشيراً إلى الروابط الاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تجمع شعوب المنطقة.
وشدد وزير الإعلام السعودي على أن تعدد الرؤى والمواقف لا يلغي الروابط الخليجية، داعياً إلى أن يؤدي الإعلام دوره في الحفاظ على هذه الروابط بدلاً من تعميق الخلافات.
وفي التوقيت نفسه تقريباً، نشر عبدالله آل حامد رسالة ركزت على فكرة أن «الخليج أهل»، داعياً إلى عدم السماح لكلمة عابرة أو خطاب مسيء بتغيير صورة العلاقات بين أبناء دول الخليج. وبذلك بدا أن الرسالتين حملتا مضموناً متقارباً: وقف التصعيد الإعلامي والعودة إلى لغة الأخوة والعلاقات الخليجية المشتركة.
لماذا جاءت التهدئة الآن؟
الرسائل المتزامنة جاءت بعد أسابيع شهدت، بحسب تقارير إعلامية، تصاعداً في السجال بين حسابات وشخصيات محسوبة على الطرفين. ولم يبق الجدل محصوراً في الملفات السياسية، بل امتد إلى المجال الرياضي والإعلامي، بالتزامن مع استضافة جدة منافسات كأس الخليج «خليجي 27» اعتباراً من 23 سبتمبر.
ومن بين الملفات التي أثارت سجالاً، انتقادات سعودية مرتبطة بسياسة تجنيس لاعبين في المنتخب الإماراتي، قبل أن يعلن الإعلامي السعودي محمد البكيري إيقاف برنامجه عقب ردود فعل إماراتية غاضبة، وفق المادة الأصلية. وهكذا تداخل السياسي بالإعلامي والرياضي، وأصبح الخلاف أكثر حضوراً على منصات التواصل الاجتماعي.
ليست المرة الأولى
اللافت أن الرسائل المهدئة بين الرياض وأبوظبي ليست سابقة منفردة خلال العام. ففي يوليو، ظهرت أيضاً رسائل متزامنة من مسؤولين في البلدين شددت على العلاقات الخليجية والروابط المشتركة، وجاء ذلك في سياق توترات وتباينات مرتبطة بالملف اليمني.
وفي ذلك الوقت، أكدت الإمارات تضامنها مع السعودية بعد تهديدات أطلقتها جماعة الحوثي ضد المملكة، وهو ما أظهر أن وجود خلافات أو تباينات بين الرياض وأبوظبي لا يمنع صدور مواقف مشتركة في ملفات أمنية محددة. وهذا يجعل تكرار الرسائل المهدئة في سبتمبر مهماً، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الخلافات الأوسع بين البلدين قد انتهت.
من المنصات إلى الملفات الإقليمية
السجال السعودي الإماراتي خلال الفترة الأخيرة لم يكن محصوراً في الإعلام، إذ ارتبط في خلفيته بملفات إقليمية، وفي مقدمتها اليمن. وتختلف مصالح وحسابات الأطراف الإقليمية داخل الملف اليمني، رغم وجود تاريخ طويل من التعاون السعودي الإماراتي في هذا الملف.
ولهذا فإن انخفاض حدة الخطاب على منصات التواصل لا يعني بالضرورة أن جميع التباينات السياسية قد اختفت. فالرسائل الحالية تتحدث تحديداً عن مسؤولية الإعلام والحفاظ على الروابط الخليجية، ولا تتضمن إعلاناً رسمياً عن تسوية لجميع الخلافات بين الحكومتين.
«خليجنا واحد».. ماذا تعني الرسالة؟
العبارة التي تكررت في الرسائل السعودية والإماراتية تحمل دلالة واضحة على رغبة الطرفين في الفصل بين الخلافات السياسية أو الإعلامية وبين العلاقات الأوسع بين شعوب الخليج. ومن الناحية العملية، فإن تدخل مسؤولين رسميين في قطاع الإعلام للدعوة إلى وقف التراشق يشير إلى أن مستوى السجال أصبح يستدعي احتواءً علنياً.
حتى الآن، يمكن وصف ما حدث بأنه تهدئة إعلامية معلنة أكثر من كونه إعلاناً عن نهاية الخلاف السعودي الإماراتي. لكن من الصعب، استناداً إلى هذه الرسائل وحدها، تحديد ما إذا كانت التهدئة ستستمر على المدى الطويل أو ما إذا كانت ستشمل الملفات الإقليمية التي كانت وراء بعض التباينات.
هل انتهى التراشق؟
فالرسائل الرسمية ركزت على خفض التصعيد، واحترام العلاقات الخليجية، ودور الإعلام في عدم تعميق الخلافات. أما مستقبل العلاقة السياسية بين الرياض وأبوظبي، ومدى انعكاس هذه التهدئة على الملفات الإقليمية، فلا تحدده المنشورات وحدها.
وبينما عادت لغة «الأخوة» و«المصير الواحد» إلى الواجهة، يبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت هذه الرسائل ستترجم إلى انخفاض مستمر في السجال الإعلامي، وإلى إدارة أكثر هدوءاً للتباينات التي تظهر بين البلدين. لذلك، فإن عنوان المرحلة الحالية قد يكون تهدئة لا تسوية؛ فالصمت على المنصات يمكن رصده، أما انتهاء الخلافات الأوسع فيحتاج إلى مؤشرات سياسية أخرى.
اقرأ أيضاً
الرياض تضغط على أبوظبي من بوابة المال.. التحويلات تتعطل والخلاف السعودي الإماراتي يدخل أخطر مراحله
عكس السعودية.. الإمارات ضغطت لتوجيه ضربة أشد لإيران.. وتقرير أمريكي يكشف عمق الخلاف الخليجي
غياب الإمارات عن التحالف البحري السعودي يشعل التساؤلات.. هل عادت الخلافات بين الرياض وأبوظبي؟

