وطن-ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وبينما تقول السلطات الإيرانية إن دوافع أمنية تقف وراء إبقائه بعيدًا عن الأنظار، يثير غيابه تساؤلات متزايدة حول طبيعة توزيع السلطة داخل طهران، ولا سيما مع تنامي الدور السياسي والأمني للحرس الثوري.
ومنذ تعيينه في مارس/آذار 2026 خلفًا لوالده علي خامنئي، لم يظهر مجتبى خامنئي في تسجيل مصور أو خطاب علني، كما لم تُنشر له صورة حديثة موثوقة. واقتصرت الرسائل المنسوبة إليه على بيانات أو نصوص مكتوبة، في حين تؤكد مصادر إيرانية أن دائرة محدودة من المسؤولين لا تزال على اتصال مباشر به.
غياب طويل يثير تساؤلات حول مركز القرار
كان علي خامنئي قد قُتل في الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، وفق ما أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية ونقلته وكالة رويترز. وبعد فترة انتقالية، اختير نجله مجتبى مرشدًا أعلى جديدًا في مارس/آذار.
لكن المرشد الجديد لم يظهر أمام الجمهور منذ ذلك الحين، بما في ذلك خلال مراسم تشييع والده التي كانت من أبرز المناسبات السياسية والدينية التي كان يُتوقع أن يحضرها.
ووفق تقرير لوكالة رويترز في أغسطس/آب، فإن مسؤولين إيرانيين قالوا إن مجتبى خامنئي يشارك في الاجتماعات ويظل صاحب القرار النهائي في القضايا الكبرى، بينما عزوا عدم نشر معلومات تفصيلية عنه إلى المخاوف من تسريب معلومات يمكن أن تساعد الولايات المتحدة وإسرائيل في استهدافه. كما نقل التقرير عن شخص قريب من دائرته أن حالته الصحية تتحسن وأنه لا يزال منخرطًا في عملية صنع القرار.
وبذلك، لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن مجتبى خامنئي فقد رسميًا موقعه أو سلطته، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول كبير في الطريقة التي تُمارس بها السلطة في طهران.
الحرس الثوري يتحرك في واجهة المشهد
في ظل غياب المرشد عن الظهور، برز الحرس الثوري الإيراني بصورة أكبر في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن مجتبى خامنئي أجرى في أغسطس/آب تغييرات في قيادة المؤسسة العسكرية، شملت تعيين شخصيات بارزة مرتبطة بالحرس الثوري، ما عزز حضور هذه المؤسسة في دوائر القرار. ووفق معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة، أصبحت مجموعة من كبار قادة الحرس الثوري تشكل جزءًا أساسيًا من النواة الجديدة لصنع القرار في إيران.
كما نقلت رويترز في يوليو/تموز أن الحرس الثوري بدا ممسكًا بجزء كبير من إدارة البلاد خلال غياب المرشد عن المشهد العام، مع استمرار مجتبى خامنئي، بحسب المصادر الإيرانية، في ممارسة دوره من خلف الكواليس.
وهذا لا يعني أن الحرس الثوري حل محل المرشد الأعلى رسميًا، وإنما يشير إلى اتساع وزنه داخل منظومة الحكم في مرحلة استثنائية تتسم بالحرب والضغوط الاقتصادية والأمنية.
بين الأمن والشرعية.. لماذا لا يظهر مجتبى؟
تقدم السلطات الإيرانية تفسيرًا أمنيًا واضحًا لغياب المرشد الجديد، خصوصًا بعد مقتل والده في ضربة عسكرية استهدفت القيادة الإيرانية.
وتشير التقارير إلى أن مجتبى أصيب خلال الضربة التي قتلت والده، وأن إصاباته كانت من بين الأسباب التي حالت دون ظهوره علنًا. كما أن المخاطر الأمنية دفعت الدائرة المحيطة به إلى تقليص عدد الأشخاص الذين يلتقون به مباشرة.
لكن استمرار الغياب لأشهر طويلة خلق مشكلة سياسية ورمزية أيضًا. فالمرشد الأعلى في النظام الإيراني ليس مجرد صاحب منصب إداري، بل يمثل رأس النظام السياسي والديني، وتُعد ظهوره العلني وخطاباته وسيلة لإظهار استمرارية السلطة وتوجيه مؤسسات الدولة والقاعدة المؤيدة للنظام.
ولهذا، فإن غياب مجتبى أصبح موضوعًا للنقاش داخل إيران وخارجها، حتى بين مؤيدي النظام. ونقلت هيئة الإذاعة الأسترالية «إيه بي سي» عن إيرانيين تساؤلاتهم بشأن عدم رؤيتهم للمرشد الجديد، بينما ذهب بعض المحللين إلى أن الغياب المستمر يضعف صورته باعتباره صاحب السلطة المباشرة.
هل يدير مجتبى إيران من خلف الستار؟
رغم غيابه، توجد مؤشرات على استمرار وصول قرارات منسوبة إلى مجتبى خامنئي. وفي سبتمبر/أيلول، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن رسالة بخط يده وصلت إلى قائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري، ما يعكس استمرار التواصل بين المرشد وبعض المؤسسات العسكرية، حتى في ظل عدم ظهوره أمام الجمهور.
كما نقلت تقارير حديثة عن مسؤولين ومستشارين إيرانيين أن المرشد لا يزال مشاركًا في القرارات الرئيسية. لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا من وجود مركز قرار واحد. فالحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي، والرئاسة، والبرلمان، والمؤسسات الدينية والأمنية، كلها تشارك بدرجات مختلفة في إدارة الدولة، بينما يبدو أن الحرب والتهديدات الخارجية عززت وزن المؤسسات العسكرية والأمنية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الشخصيات المتشددة أصبحت صاحبة تأثير كبير في القرارات الاستراتيجية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالحرب والعلاقات مع الولايات المتحدة.
انقسام داخل النظام حول التعامل مع واشنطن
يتزامن ذلك مع استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، مع وجود خلافات داخل النظام حول كيفية التعامل مع الضغوط الأمريكية.
وفي سبتمبر/أيلول، ظهرت مؤشرات على وجود نقاش داخلي بشأن إمكانية استئناف المفاوضات مع واشنطن، في مقابل مواقف أكثر تشددًا داخل دوائر مرتبطة بالحرس الثوري.
وفي أحدث التطورات، قال مسؤول إيراني كبير لرويترز إن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة خلال أسبوع إذا خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. وفي الوقت نفسه، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران، مع إبدائه استعدادًا للتعامل الدبلوماسي إذا توافرت شروط مناسبة.
وتكشف هذه التطورات عن تعدد مراكز التأثير داخل النظام، وليس بالضرورة عن انتقال رسمي للسلطة من المرشد إلى الحرس الثوري.
الحرس الثوري.. نفوذ متزايد دون إلغاء منصب المرشد
تاريخيًا، يتمتع الحرس الثوري بنفوذ واسع في السياسة والأمن والاقتصاد الإيراني، لكن التطورات التي أعقبت مقتل علي خامنئي والحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل أعطت المؤسسة العسكرية والأمنية وزنًا أكبر في إدارة الملفات الاستراتيجية.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن استمرار غياب مجتبى خامنئي قد يدفع النظام تدريجيًا نحو نموذج تصبح فيه المؤسسات الأمنية والحرس الثوري أكثر تأثيرًا في إدارة الدولة، مع بقاء الإطار الديني والسياسي للجمهورية الإسلامية قائمًا.
وفي الوقت نفسه، لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن الحرس الثوري أصبح صاحب السلطة الوحيدة في إيران. بل تشير مصادر أخرى إلى أن مجتبى لا يزال يحتفظ بالقرار النهائي، وأن كبار مسؤولي الدولة يتواصلون معه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
سبعة أشهر من الغياب تغيّر شكل القيادة
أصبح غياب مجتبى خامنئي أحد أبرز سمات المرحلة الجديدة في إيران. فمن جهة، تقول السلطات ومصادر مقربة منه إنه حي ويشارك في صنع القرار، وإن الإجراءات الأمنية هي السبب الأساسي وراء عدم ظهوره.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار الغياب يترك مساحة أكبر للمؤسسات التي تتحرك بصورة علنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي والمؤسسات الحكومية والأمنية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السؤال المطروح لم يعد فقط: «أين مجتبى خامنئي؟»، بل أيضًا: كيف تُمارس سلطة المرشد الأعلى عندما يكون بعيدًا عن الجمهور؟
حتى الآن، لا توجد معلومات علنية موثوقة تثبت أن مجتبى خامنئي فقد السيطرة على القرار أو أن الحرس الثوري حل محله رسميًا. لكن المؤكد أن المؤسسة العسكرية والأمنية أصبحت أكثر حضورًا في المشهد السياسي الإيراني، وأن استمرار غياب المرشد يضع النظام أمام اختبار غير معتاد يتعلق بالشفافية والشرعية الرمزية وتوزيع النفوذ داخل قمة السلطة.
اقرأ أيضاً
مجتبى خامنئي يعيّن محسن رضائي على رأس مجلس الأمن القومي الإيراني وسط خلافات حول الاتفاق مع واشنطن
البيان رقم 1 لعام 2026: مجتبى خامنئي يتعهد بالثأر لوالده ويقود إيران من وراء الستار..

