وطن-كانت الضربات الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن تبدو، وفق تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، أقرب إلى التنفيذ منها إلى مجرد خيار مطروح على الطاولة. لكن القرار تبدّل في اللحظة الأخيرة، بعدما كانت الاستعدادات العسكرية قد قطعت شوطاً متقدماً، لتجد السعودية نفسها أمام دعم أمريكي غير مباشر بدلاً من تدخل جوي مباشر ضد الجماعة الحوثية.
وبحسب التقرير الذي نقلته وسائل إعلام عدة عن الصحيفة الأمريكية، ضغط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الرئيس دونالد ترامب من أجل تدخل عسكري أمريكي، فيما ظل ترامب متردداً لنحو أسبوعين بشأن تنفيذ الضربات. وتقول الرواية إن الرئيس الأمريكي وافق في مرحلة لاحقة على التحضير للعملية، قبل أن يتراجع عنها في 20 سبتمبر/أيلول، على الأقل في الوقت الراهن.
من طلب سعودي إلى استعداد عسكري أمريكي
جاءت الضغوط السعودية في وقت شهدت فيه المواجهات في اليمن تصعيداً كبيراً، مع تقدم الحوثيين في مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر وفي محافظتي تعز ولحج، بالتزامن مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية.
ووفق ما أوردته «نيويورك تايمز» ونقلته مصادر أخرى، تلقى ترامب طلبات سعودية متكررة للتدخل، قبل أن يتلقى اتصالاً مباشراً من محمد بن سلمان. وتشير الرواية إلى أن ترامب كان قد أبدى قبل ذلك تحفظاً على توجيه ضربات جديدة إلى الحوثيين، لكنه أمر بعد الاتصال بالاستعداد لعملية عسكرية.
ولم تكن الاستعدادات مجرد خطط أولية؛ إذ أفادت التقارير بأن قوائم الأهداف أُقرت، وأن طائرات أمريكية كانت تستعد للمهمة، مع تحميل القنابل قبل أن يتغير القرار في اللحظة الأخيرة.
ترامب يوقف العملية قبل انطلاقها
بحلول 20 سبتمبر/أيلول، قرر ترامب عدم تنفيذ الضربات في تلك المرحلة. وتؤكد مصادر متابعة للملف أن الولايات المتحدة لم تستأنف حملة جوية جديدة ضد الحوثيين حتى 22 سبتمبر/أيلول، رغم استمرار المطالب السعودية بتقديم مساعدة عسكرية مباشرة.
كما طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، خلال اتصال مع ترامب، دعماً عسكرياً أمريكياً لمواجهة الحوثيين، لكن مصادر نقلت لرويترز أن الرئيس الأمريكي لم يقدم التزاماً مباشراً بتدخل عسكري جديد. وبذلك، بدا أن واشنطن تفضل في هذه المرحلة تقديم أشكال أخرى من الدعم، بدلاً من فتح حملة جوية أمريكية جديدة داخل اليمن.
إيران.. العامل الذي يغيّر الحسابات
أحد أبرز أسباب التردد الأمريكي، وفق التحليلات والتقارير المرتبطة بالقرار، يرتبط بالحرب الأوسع مع إيران، فالولايات المتحدة منخرطة بالفعل في مواجهة مباشرة مع طهران، فيما تشكل جماعة الحوثيين إحدى ساحات الصراع المرتبطة بهذه المواجهة. وأي حملة أمريكية جديدة في اليمن يمكن أن توسع نطاق العمليات العسكرية، وتفتح جبهة إضافية في وقت تحاول فيه واشنطن إدارة عدة ساحات في الشرق الأوسط في آن واحد.
وتزامن ذلك مع استمرار التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، ومع تصاعد المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب. وفي هذا السياق، لا يبدو قرار الضربات اليمنية منفصلاً عن الحسابات الأمريكية الأوسع في المنطقة، خصوصاً أن السعودية أصبحت شريكاً مهماً لواشنطن في التعامل مع تداعيات الحرب مع إيران.
ماذا تريد السعودية؟
بالنسبة إلى الرياض، لا يتعلق الأمر فقط بالرد على هجمات صاروخية أو مسيّرات، وإنما أيضاً بالتطورات الميدانية داخل اليمن. فالحوثيون حققوا خلال سبتمبر/أيلول تقدماً في مناطق على ساحل البحر الأحمر، فيما تقول تقارير إنهم يسعون إلى السيطرة على مواقع استراتيجية في المرتفعات يمكن أن تؤثر في خطوط الإمداد للقوات المدعومة من السعودية.
ووفق رويترز، أدى التصعيد الأخير إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص داخل اليمن خلال سبتمبر/أيلول وحده، فيما قد يضطر نحو 100 ألف آخرين إلى النزوح خلال الأشهر الثلاثة التالية إذا استمر القتال. كما أصبحت الهجمات على البنية التحتية للطاقة والملاحة عاملاً إضافياً في الحسابات السعودية، في وقت تواجه فيه صادرات النفط السعودية اضطرابات مرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز.
لماذا لا يكفي القصف وحده؟
من بين الأسئلة التي تواجه أي تدخل أمريكي محتمل: ماذا سيحدث بعد الضربات؟ فالقوة الجوية قد تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت ومنصات إطلاق، لكنها لا تضمن وحدها تغيير ميزان القوى على الأرض.
وتشير تقارير أمريكية إلى وجود شكوك داخل دوائر القرار بشأن قدرة القوات اليمنية المناهضة للحوثيين على استثمار أي حملة جوية أمريكية واسعة، خصوصاً مع التغيرات الميدانية الأخيرة.
وبالتالي، فإن تنفيذ ضربات أمريكية قد يحقق أهدافاً عسكرية محددة، لكنه لا يعني بالضرورة أن القوات المدعومة من السعودية ستتمكن من استعادة المناطق التي خسرتها.
واشنطن تختار الدعم الدفاعي؟
في المقابل، بدأت بعض الدول الغربية بالفعل بتقديم دعم محدود للسعودية. فبريطانيا أعلنت إرسال طائرة تزويد بالوقود جواً لدعم الطائرات السعودية في مهام دفاعية ضد الهجمات الحوثية، في خطوة قالت لندن إنها جاءت استجابة لطلب سعودي. وأكدت الحكومة البريطانية أن المهمة دفاعية ومحدودة زمنياً، وليست مشاركة بريطانية في ضرب مواقع الحوثيين.
وهذا المسار يختلف عن إرسال طائرات أمريكية لتنفيذ ضربات هجومية داخل اليمن، ويشير إلى أن بعض الحلفاء يركزون حالياً على حماية المجال الجوي والبنية التحتية والممرات البحرية بدلاً من توسيع العمليات الهجومية.
السعودية تبحث عن خيارات أخرى
وفي ظل غياب تدخل أمريكي مباشر حتى الآن، تتحرك الرياض دبلوماسياً وعسكرياً للحصول على دعم من شركاء آخرين. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أكدت تركيا ومصر والسعودية وباكستان في بيان مشترك حق السعودية في الدفاع عن نفسها، مع التشديد على أمن الملاحة والدعوة إلى الحوار والدبلوماسية باعتبارهما مسارين للحل.
كما بحث محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اتصال هاتفي ضرورة ضمان حرية الملاحة عبر مضيقي باب المندب وهرمز، مع الدعوة إلى وقف القتال في اليمن والعودة إلى المسار السياسي.
بين طلب الرياض وحسابات واشنطن
تكشف هذه التطورات عن اختلاف في الأولويات بين الطرفين، حيث تواجه السعودية تهديدات مباشرة من الهجمات الحوثية وتريد مساندة عسكرية أكبر، بينما تتحرك إدارة ترامب وسط حرب أوسع مع إيران وتداعيات تمتد من اليمن إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز.
ولهذا، فإن قرار عدم تنفيذ الضربات الأمريكية حتى الآن لا يعني أن واشنطن تخلت عن دعم السعودية؛ فالولايات المتحدة قدمت بالفعل دعماً استخبارياً واستهدافياً للرياض، وفق تقارير حديثة، لكن التدخل الجوي المباشر ضد الحوثيين لم يُستأنف.
وفي المقابل، لا يزال الموقف قابلاً للتغير مع استمرار المعارك وتطور وضع الملاحة والطاقة في المنطقة، خصوصاً أن واشنطن لم تعلن إغلاق خيار الضربات بصورة نهائية، وإنما أرجأت تنفيذها في المرحلة الحالية.
اقرأ المزيد
نتنياهو يعرض خدمات إسرائيل على الخليج.. هل يبدأ التحالف ضد الحوثيين من باب المندب؟
السعودية تؤكد حقها المشروع في الدفاع عن أمنها ضد هجمات الحوثيين…
الحوثيون يستهدفون الرياض بصاروخ باليستي.. والسعودية تعلن اعتراضه وسط تصعيد متسارع
ترامب: الحوثيون لا يريدون قتال أمريكا.. والسعودية تطلب ضربات عسكرية

