وطن-عاد المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة من نيويورك، حيث جرى تواصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول اتصال علني مباشر بين الجانبين منذ انهيار مسار وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران.
وجاءت هذه الخطوة في وقت تتحرك فيه دول خليجية، وفي مقدمتها قطر، لتخفيف التصعيد وفتح نافذة جديدة للحوار بين واشنطن وطهران، بينما ترفع إيران سقف مطالبها قبل أي اتفاق جديد، واضعةً في مقدمة شروطها الإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها المجمدة، ورفع الحصار عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز.
اتصال دبلوماسي بعد أشهر من القطيعة
أكدت وسائل إعلام إيرانية رسمية عقد لقاء بين عراقجي وويتكوف، فيما تحدث الجانب الأمريكي عن محادثات جرت في نيويورك ووصفها ترامب بأنها كانت «جيدة جداً» و«مثمرة»، مع الإشارة إلى احتمال عقد جولة جديدة قريباً.
وبحسب التقارير المتاحة، لم يكن اللقاء بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، بل جاء ضمن اتصالات دبلوماسية أوسع شارك فيها وسطاء إقليميون.
وتولت قطر دوراً بارزاً في جهود الوساطة، فيما واصلت دول خليجية أخرى الدفع باتجاه خفض التصعيد وحماية حرية الملاحة في المنطقة، خصوصاً مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز.
طهران تضع 24 مليار دولار على الطاولة
أبرز ما تغيّر في الموقف الإيراني هو رفع سقف المطالب المالية، فبحسب تصريحات منسوبة إلى المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، تطالب طهران بالإفراج الكامل والفوري عن نحو 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة قبل الدخول في مفاوضات جديدة، بدلاً من الإفراج عنها على مراحل كما طُرح في ترتيبات سابقة.
ويعني هذا المطلب أن الملف المالي لم يعد مجرد جزء من تسوية محتملة، بل أصبح، وفق الطرح الإيراني، شرطاً مسبقاً قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع. لكن هذه المطالب لا تمثل اتفاقاً تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران، بل تعكس الموقف والشروط التي تطرحها جهات إيرانية للتفاوض.
اليمن يدخل للمرة الأولى في شروط التهدئة
التطور الأبرز الآخر يتمثل في إدخال الملف اليمني إلى أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، وقال محبي إن اليمن لم يكن مدرجاً في الاتفاق السابق، وإن إيران تريد الآن أن يتضمن أي تفاهم جديد رفع الحصار عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.
ويمثل هذا المطلب توسعاً واضحاً في نطاق المفاوضات، إذ لم تعد طهران تربط التهدئة فقط بالملف النووي أو الأصول المجمدة أو العمليات العسكرية المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وإنما تسعى إلى إدراج ساحات إقليمية مرتبطة بحلفائها ضمن أي تسوية مقبلة. وبذلك يصبح اليمن جزءاً من معادلة أوسع تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متزايداً حول حركة السفن والطاقة.
مضيق هرمز في قلب المفاوضات
يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في الاتصالات الحالية، فإيران تربط أي ترتيبات جديدة بشأن الملاحة في المضيق بمجموعة من الشروط، فيما تحاول دول الخليج منع تحول الممر البحري إلى ساحة مواجهة مفتوحة تهدد حركة الطاقة والتجارة العالمية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن طهران أبلغت الوسطاء بشروط تتعلق برفع الحصار البحري والإفراج عن أصولها المجمدة وإنهاء العمليات العسكرية المرتبطة بعدة جبهات إقليمية. كما ظهرت مؤشرات على استعداد إيراني لإعادة فتح المضيق خلال فترة قصيرة إذا جرى التوصل إلى تفاهم بشأن هذه المطالب.
وهنا تبرز أهمية الوساطة الخليجية، لأن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز لا ينعكس على إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل يمتد تأثيره إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد والاقتصادات الآسيوية والأوروبية.
ترامب بين التفاوض والتهديد
في المقابل، تبنّى ترامب خطاباً مزدوجاً تجاه إيران، فمن جهة، وصف المحادثات بأنها إيجابية ومثمرة، وأشار إلى إمكانية عقد اجتماع جديد قريباً. ومن جهة أخرى، واصل توجيه تهديدات شديدة اللهجة إلى طهران، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة الضغط العسكري إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وهذا التناقض بين لغة التفاوض ولغة الضغط يعكس طبيعة المرحلة الحالية: واشنطن تريد اختبار إمكانية التوصل إلى تسوية، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على أوراق الضغط العسكرية والاقتصادية خلال المفاوضات.
أما ويتكوف، فاكتفى بتصريحات مقتضبة حول المحادثات، مؤكداً أن الأجواء تبدو جيدة، من دون الكشف عن تفاصيل جوهرية بشأن ما إذا كان الطرفان قد اقتربا فعلاً من تفاهمات مشتركة.
قطر تتحرك لمنع اتساع الحرب
في موازاة الاتصالات الأمريكية الإيرانية، كثفت قطر جهودها الدبلوماسية لخفض التصعيد، كما تشير المعطيات المتاحة إلى أن الدوحة لعبت دوراً رئيسياً في ترتيب التواصل بين الطرفين، فيما بحث المسؤولون القطريون مع الإيرانيين سبل خفض التصعيد وتهيئة الظروف المناسبة للحوار.
كما تعمل قطر مع دول أخرى في المنطقة على حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع.
وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف خليجية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تهديد البنية التحتية للطاقة وتعطيل حركة التجارة البحرية، خصوصاً إذا امتدت المواجهة من الخليج إلى البحر الأحمر واليمن.
تباين داخل إيران حول شكل التفاوض
وفي الداخل الإيراني، ظهرت إشارات إلى وجود تباين بشأن طريقة إدارة الاتصالات مع واشنطن. ففي الوقت الذي أكدت فيه وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية حصول تواصل بين عراقجي وويتكوف، صدرت تصريحات أكثر تشدداً من شخصيات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، رافضةً تقديم التفاوض باعتباره تنازلاً أو قبولاً بالشروط الأمريكية.
وأظهرت تصريحات لاحقة أن الجدل داخل طهران لا يدور بالضرورة حول مبدأ الدبلوماسية وحده، وإنما حول حدودها وشكلها والشروط التي ينبغي أن تحكمها.
وتشير تقارير إلى أن الحرس الثوري يريد الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط العسكري بالتوازي مع أي مسار تفاوضي، بينما يحاول الفريق الدبلوماسي اختبار إمكانية تحويل الاتصالات غير المباشرة إلى مسار سياسي يمكن أن يؤدي إلى اتفاق.
من إيران إلى اليمن ولبنان.. اتفاق واحد أمام ملفات متعددة
لا تقف المطالب الإيرانية عند حدود الأموال ومضيق هرمز واليمن، فطهران سبق أن ربطت أي ترتيبات لوقف إطلاق النار بملفات إقليمية أخرى، من بينها الوضع في لبنان والضربات الإسرائيلية، في حين ترى واشنطن أن التوصل إلى تسوية شاملة يتطلب معالجة مجموعة من الملفات الأمنية والعسكرية التي تراكمت خلال الأشهر الماضية.
وهذا التعقيد يجعل أي اتفاق محتمل أكثر صعوبة، لأن المفاوضات لم تعد ثنائية بالكامل. فكلما اتسع نطاق الملفات، أصبح الوصول إلى صيغة مقبولة من جميع الأطراف أكثر تعقيداً.
هل تقترب واشنطن وطهران من اتفاق؟
عودة التواصل بين عراقجي وويتكوف تمثل بحد ذاتها تطوراً دبلوماسياً مهماً بعد أشهر من توقف الاتصالات المباشرة، لكنها لا تعني أن اتفاقاً أصبح قريباً بالضرورة.
فالهوة بين الطرفين لا تزال واسعة، خصوصاً في ما يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة، والعمليات العسكرية، ومضيق هرمز، واليمن، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ومع ذلك، فإن استمرار الوساطة الخليجية وعودة اللقاءات إلى نيويورك يفتحان نافذة جديدة أمام الدبلوماسية، ولو كانت محاطة بشروط مرتفعة وضغوط عسكرية وسياسية متواصلة.
وفي المرحلة المقبلة، ستتجه الأنظار إلى ما إذا كانت واشنطن ستقبل مناقشة الملفات الإقليمية التي تطرحها طهران ضمن اتفاق واحد، وما إذا كانت إيران ستكتفي بالمطالب المعلنة أم ستقدم تنازلات تسمح بتحويل الاتصالات الحالية إلى مفاوضات فعلية. حتى الآن، لا يوجد اتفاق نهائي معلن، لكن عودة التواصل بين الطرفين تعني أن باب التفاوض لم يُغلق، بينما أصبحت شروط فتحه أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
اقرأ المزيد
رغم تصعيد هرمز.. إدارة ترامب تفتح أبواب الأمم المتحدة للإيرانيين وتغلقها بوجه الفلسطينيين!
أزمة مضيق هرمز.. ترامب يصعّد وإيران تضع شروط إعادة فتح أهم ممر للنفط
قادة عرب ومسلمون حول طاولة ترامب.. هل تحوّل الاجتماع إلى خطوة نحو إنهاء أزمات المنطقة؟
ترامب يلوّح بتدمير إيران من منبر الأمم المتحدة ويحذر من تهديد مصالح أمريكا..

