وطن-تتسع رقعة التصعيد العسكري في اليمن مجدداً، بالتزامن مع موجة نزوح واسعة تضع المدنيين أمام أزمة إنسانية متفاقمة، في وقت تحولت فيه محافظة تعز ومناطق أخرى على الساحل الغربي إلى ساحات رئيسية للمواجهات بين جماعة أنصار الله الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية.
ووفق أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، نزح نحو 129 ألفاً و438 شخصاً، أي أكثر من 21 ألف أسرة، خلال الأسابيع الأخيرة في سبع محافظات يمنية، بعدما ارتفع عدد النازحين بأكثر من 11 ألف شخص خلال ثلاثة أيام فقط. وتستضيف تعز العدد الأكبر بنحو 73 ألفاً و494 نازحاً، تليها لحج ثم عدن والحديدة.
وفي وقت لاحق، أفادت الأمم المتحدة بأن عدد النازحين خلال سبتمبر تجاوز 158 ألف شخص، وفق بيانات وحدة إدارة مخيمات النازحين في اليمن، مع فرار نحو 23 ألفاً و550 أسرة من منازلها في ثماني محافظات، بينها تعز والحديدة وعدن.
تعز في قلب المعارك والنزوح
تعد تعز من أكثر المناطق تضرراً من التصعيد الأخير، إذ شهدت خلال الأيام الماضية مواجهات وقصفاً متبادلاً بالتزامن مع تحركات عسكرية للحوثيين في المرتفعات الاستراتيجية القريبة من الساحل.
وتتركز المعارك بصورة خاصة حول جبال كهبوب الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية لإشرافها على مضيق باب المندب وجزيرة ميون. وتقول تقارير ميدانية إن السيطرة على هذه المرتفعات قد تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على تأمين مواقعه على الساحل.
وفي مقابلة مع صحيفة «عكاظ» السعودية، قال رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني إن سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي ومضيق باب المندب تمثل وضعاً «بالغ الحساسية»، لكنه أكد أن ذلك لا يعني انتهاء المعركة، مشيراً إلى أن القوات المدعومة من السعودية تعمل على إعادة تنظيم انتشارها ورفع جاهزيتها لاستعادة المواقع التي خسرتها.
غارات ومواجهات على أكثر من جبهة
يتزامن التصعيد البري مع غارات جوية وضربات متبادلة في عدد من المحافظات. ووفق تقارير نقلتها وسائل إعلام، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ ضربات ضد مواقع للحوثيين وخطوط إمداد قرب باب المندب وفي محافظة البيضاء، بينما تحدث الحوثيون عن غارات سعودية في محافظات بينها تعز والجوف وصعدة ومأرب.
وتبقى بعض الروايات الميدانية، خصوصاً المتعلقة بحجم الخسائر والسيطرة على مواقع بعينها، صادرة عن أطراف النزاع ولم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
وفي الوقت نفسه، امتدت تداعيات التصعيد إلى خارج الحدود اليمنية، مع استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، فيما حذرت الأمم المتحدة من اتساع نطاق العنف وارتفاع المخاطر على المدنيين والمنشآت المدنية.
مخيمات مكتظة واحتياجات تتجاوز الإمكانات
ولا تقتصر آثار التصعيد على خطوط الجبهة. فقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن آلاف الأسر تصل إلى مخيمات النازحين وهي في حاجة ماسة إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية، في وقت تعاني فيه هذه المخيمات أصلاً من نقص التمويل والقدرة الاستيعابية.
وقال كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، إن «عشرات الآلاف» من النازحين يصلون إلى مخيمات تعاني أصلاً من ضغط كبير، بينما لا يحصل كثيرون على ما يكفي من الطعام ولا تتوفر لهم الرعاية الصحية اللازمة.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
كما أن اليمن يعتمد على الواردات لتوفير نحو 90% من احتياجاته الغذائية، ما يجعل استمرار عمل الموانئ والمطارات وطرق التجارة عاملاً حاسماً بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً مع امتداد القتال إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي ومضيق باب المندب.
آلاف اليمنيين يعبرون البحر بحثاً عن الأمان
ولم يتوقف النزوح عند المناطق الداخلية. فقد عبر أكثر من 3 آلاف شخص البحر الأحمر باتجاه جيبوتي خلال موجة التصعيد الأخيرة، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، في رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر وعلى متن قوارب مكتظة وبكميات محدودة من الغذاء والمياه.
وتأتي هذه التحركات في ظل أزمة نزوح ممتدة أصلاً في اليمن، ما يضاعف الضغوط على المجتمعات المضيفة ومرافق الصحة والتعليم والخدمات الأساسية في المناطق التي تستقبل الفارين من القتال.
النساء والأطفال في مواجهة تداعيات التصعيد
وحذرت الأمم المتحدة من أن تدهور الوضع الأمني ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات الصحية، خصوصاً بالنسبة للنساء الحوامل.
وقالت وكالة الأمم المتحدة للسكان إن التصعيد الأخير أدى إلى تعطيل أو تقليص خدمات الصحة الإنجابية والحماية في مناطق من الساحل الغربي وجبهات تعز، فيما يواجه أكثر من 2700 امرأة حامل خطر عدم الحصول على رعاية طبية متخصصة أثناء الولادة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية اليمنية أصلاً من سنوات الحرب ونقص التمويل والموارد، ما يجعل أي موجة نزوح جديدة عبئاً إضافياً على الخدمات المتاحة.
أزمة إنسانية تتجاوز أرقام النزوح
ومع استمرار المعارك، تتزايد المخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة القتال إلى موجة جديدة من النزوح وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يواجهون بالفعل انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يحتاج ملايين آخرون إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية.
وفي ظل استمرار القتال في تعز ولحج ومأرب والحديدة ومناطق أخرى، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً مزدوجاً: الاستجابة للأعداد المتزايدة من النازحين، والحفاظ في الوقت نفسه على وصول الغذاء والمياه والرعاية الصحية إلى المناطق المتضررة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى مزيد من المعاناة للسكان المدنيين، في وقت تبقى فيه الاستجابة الإنسانية شديدة الحاجة إلى التمويل والوصول الآمن إلى المتضررين.
اقرأ المزيد
عبر وكالات إماراتية.. كيف حول مؤثرون سقطرى اليمنية إلى «جنة سياحية» في بلد تمزقه الحرب؟
كيف عززت سنوات الحرب نفوذ الحوثيين في اليمن وغيرت موازين القوة؟
انقسامات القوات الحكومية في اليمن تعقّد مهمة وقف تقدم الحوثيين..
تجدد القتال في اليمن يشرد 86 ألف شخص.. أكثر من 950 انتهاكاً بحق المدنيين

