وطن-أكدت نائبة المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، نظهات شميم خان، أن مكتب الادعاء لم يتخذ أي إجراء لسحب طلبات مذكرات الاعتقال أو المذكرات الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين، رغم العقوبات الأمريكية والضغوط المتزايدة التي تواجهها المحكمة.
وقالت خان في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» إن القضية المرتبطة بالوضع في فلسطين «لا تزال مستمرة»، مؤكدة أن فريق الادعاء يواصل التحقيقات في الملف «دون انقطاع». وأضافت أن المحكمة تواصل أيضاً عملها في ملفات وقضايا أخرى رغم الضغوط السياسية والمالية المفروضة عليها.
مذكرات نتنياهو وغالانت لا تزال قائمة
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بعد أن رفضت غرفة ما قبل المحاكمة الأولى طعون إسرائيل المتعلقة باختصاص المحكمة.
وتتهم المذكرة نتنياهو، وفق ما أعلنته المحكمة، بالمسؤولية المزعومة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب، والقتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى، خلال الفترة التي حددتها المحكمة في قرارها. وتؤكد المحكمة أن هذه الاتهامات هي ادعاءات لم تثبت بحكم قضائي نهائي.
كما أصدرت المحكمة في اليوم نفسه مذكرة بحق محمد دياب إبراهيم المصري، المعروف باسم محمد الضيف، القائد العسكري في حركة حماس، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأكد مكتب الادعاء في وثيقة قضائية عام 2025 أنه لا يرى أساساً لسحب أو إلغاء مذكرتي نتنياهو وغالانت، وأن الأسس القانونية والوقائعية التي قامت عليها المذكرات لا تزال قائمة.
إسرائيل تواصل الطعن في اختصاص المحكمة
وتأتي تصريحات خان في وقت لا تزال فيه الإجراءات القانونية المتعلقة باختصاص المحكمة في ملف فلسطين محل نزاع. وكانت إسرائيل قد اعترضت على اختصاص المحكمة، مستندة إلى عدم عضويتها في نظام روما الأساسي، إلا أن المحكمة رفضت الطعن في نوفمبر 2024، مؤكدة أن اختصاصها في الوضع الفلسطيني يمتد إلى غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
وبحسب وثائق المحكمة، بقيت بعض الإجراءات المتعلقة بهذه المسائل القانونية قيد النظر أمام هيئات الاستئناف، بينما واصل مكتب الادعاء متابعة الملف.
عقوبات أمريكية تضغط على مسؤولي المحكمة
وتواجه المحكمة منذ سنوات توتراً متصاعداً مع واشنطن، تصاعد بصورة أكبر بعد إصدار مذكرات الاعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين. وفي أغسطس 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على نائبي المدعي العام في المحكمة، نظهات شميم خان ومام ماندياي نيانغ، إلى جانب مسؤولين وقضاة آخرين، على خلفية ما وصفته الإدارة الأمريكية بالإجراءات غير المشروعة ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
وقالت خان إن العقوبات انعكست بصورة مباشرة على حياتها اليومية، موضحة أنها قد تؤدي إلى فقدان الوصول إلى بعض الخدمات المصرفية والبطاقات الائتمانية، إضافة إلى صعوبات في بعض الخدمات الأخرى، فضلاً عن قيود على سفر أفراد من عائلتها إلى الولايات المتحدة. وأكدت أنها لم تتلق أسباباً شخصية محددة لفرض العقوبات عليها، لكنها تعتقد أن ارتباطها بمنصب نائبة المدعي العام كان السبب.
واشنطن تستعد لعقوبات أوسع
وتتزامن تصريحات خان مع تقارير عن استعداد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع العقوبات لتشمل المحكمة الجنائية الدولية نفسها، وليس فقط مسؤولين وقضاة بصورة فردية.
وقالت مصادر لرويترز إن الإدارة الأمريكية تدرس إجراءات يمكن أن تقيد تعامل المحكمة مع النظام المالي الأمريكي، وتؤثر في حصولها على خدمات مالية وتقنية وتأمينية، في إطار مساعٍ أمريكية للضغط عليها بسبب مذكرات الاعتقال الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين، وكذلك بسبب تحقيقات أخرى للمحكمة.
وتشير تقارير أمريكية وأوروبية إلى أن مثل هذه الإجراءات قد تفرض تحديات إضافية على قدرة المحكمة على التعامل مع الشركات والمؤسسات التي تعتمد على خدمات أمريكية، حتى خارج الولايات المتحدة، إذا خشيت تلك الجهات من التعرض للعقوبات.
خان: المحكمة تواصل عملها رغم الضغوط
وفي مقابلة «سي إن إن»، شددت خان على أن المحكمة لا تزال تعمل بصورة طبيعية في عدد من الملفات، مشيرة إلى وجود محاكمات قائمة ومواعيد قضائية مقررة خلال العام الحالي والعام المقبل، إلى جانب استمرار التحقيقات والملاحقات.
وقالت إن المحكمة تستند في عملها إلى نظام روما الأساسي، الذي أنشأ المحكمة باعتباره إطاراً قانونياً أقرته الدول الأطراف بعد سنوات طويلة من المفاوضات.
وأكدت أن مكتب الادعاء يتخذ قراراته المتعلقة بالملاحقات وطلبات مذكرات الاعتقال استناداً إلى القانون والأدلة، رافضة ما وصفته بمحاولات الإيحاء بوجود دوافع سياسية أو أجندات خفية وراء عمل موظفي المحكمة.
ملفات أخرى قيد التحقيق
ولا يقتصر عمل المحكمة على الوضع في فلسطين، إذ تنظر في عدد من الملفات الدولية، بينها أوكرانيا وليبيا ودارفور وأفغانستان والفلبين.
وفي ملف فلسطين تحديداً، يستمر التحقيق في الجرائم المزعومة التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة، بينما تظل أي إجراءات إضافية ضد مسؤولين إسرائيليين محتملين خاضعة لقرارات الادعاء والهيئات القضائية المختصة.
أما ما أوردته تقارير صحفية بشأن طلبات سرية محتملة ضد مسؤولين إسرائيليين آخرين، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فينبغي التعامل معه باعتباره تقارير صحفية عن إجراءات غير معلنة، وليس مذكرات اعتقال صادرة ومعلنة من المحكمة.
مستقبل المحكمة أمام اختبار جديد
وتضع الضغوط الأمريكية المحكمة الجنائية الدولية أمام تحديات قانونية ومالية غير مسبوقة، خصوصاً إذا انتقلت الإجراءات من استهداف أفراد إلى استهداف المؤسسة بأكملها.
ومع ذلك، أكدت خان أن المحكمة ستواصل عملها، مشيرة إلى أن الضحايا الذين يلجؤون إليها يرون فيها مساراً للعدالة عندما لا تتوفر لهم سبل فعالة للإنصاف أمام المحاكم الوطنية.
وبينما تستمر واشنطن في الضغط على المحكمة، وتواصل إسرائيل الطعن في اختصاصها، يبقى ملف مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت مفتوحاً، فيما تؤكد النيابة أن لا خطوة اتُخذت لسحب المذكرات أو التخلي عن التحقيقات المرتبطة بها.
اقرأ المزيد
ألبانيز: إقالة كريم خان ليست مصادفة.. بل جزء من معركة إسقاط مذكرة اعتقال نتنياهو
عمدة نيويورك: لا أملك صلاحية اعتقال نتنياهو.. وعلى واشنطن تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية
تركيا تطلب من الإنتربول نشرة حمراء بحق نتنياهو بتهم الإبادة الجماعية

