وطن-دخل البوتاس، أحد أهم مكونات الأسمدة الزراعية، على خط التوتر التجاري المتصاعد بين الولايات المتحدة وكندا، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن تعمل على إبرام صفقة كبيرة مع بيلاروسيا لشراء البوتاس بأسعار أقل بكثير من تلك التي تدفعها حالياً لكندا.
وقال ترامب في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي إن الولايات المتحدة تعمل على «صفقة ضخمة» لشراء البوتاس من بيلاروسيا، مشيراً إلى أن الأسعار ستكون أقل بكثير من الأسعار الحالية، وهو ما اعتبره خبراً جيداً للمزارعين ومربي الماشية الأميركيين.
ولا تزال الصفقة في مرحلة التفاوض، ولم تعلن واشنطن أو مينسك حتى الآن عن اتفاق نهائي يحدد الكميات أو الأسعار أو موعد بدء التوريد.
لماذا البوتاس مهم للولايات المتحدة؟
يُعد البوتاس مادة أساسية في صناعة الأسمدة، ويسهم في تحسين إنتاجية المحاصيل وتعزيز قدرتها على مقاومة بعض الظروف الزراعية، ولذلك فإن أسعاره وإمداداته تؤثر بصورة مباشرة في تكاليف الإنتاج الزراعي.
وتعتمد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة على الواردات الكندية لتلبية احتياجاتها من البوتاس، ما يجعل كندا مورداً رئيسياً للقطاع الزراعي الأميركي.
وتشير بيانات وتقارير حديثة إلى أن كندا توفر نحو 80 في المئة من البوتاس المستخدم في الولايات المتحدة، وهو ما يفسر الاهتمام الأميركي بتنويع مصادر الإمداد.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يوفر دخول البوتاس البيلاروسي إلى السوق الأميركية مصدراً إضافياً للمنافسة، في وقت تسعى فيه إدارة ترامب إلى خفض تكاليف الأسمدة بالنسبة إلى المنتجين الزراعيين.
بيلاروسيا تدخل على خط السوق الأميركية
تمثل بيلاروسيا واحدة من القوى الكبرى في سوق البوتاس العالمية، ما يجعلها قادرة من حيث المبدأ على توفير كميات كبيرة للسوق الأميركية إذا اكتملت الترتيبات التجارية.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت لافت، نظراً إلى أن بيلاروسيا حليف وثيق لروسيا، وقد واجهت لسنوات عقوبات غربية مرتبطة بدعم موسكو وبسياسات حكومة ألكسندر لوكاشينكو.
لكن العلاقات الأميركية البيلاروسية شهدت في الأشهر الأخيرة اتصالات دبلوماسية جديدة، شملت مفاوضات بشأن الإفراج عن سجناء وتخفيف بعض القيود المالية، ما يفتح مجالاً أمام ترتيبات اقتصادية جديدة بين واشنطن ومينسك.
ومن هنا، فإن أي اتفاق كبير بشأن البوتاس لن يكون مجرد صفقة تجارية، بل قد يأتي أيضاً في سياق أوسع من إعادة ترتيب العلاقات الأميركية مع بيلاروسيا.
كندا.. المورد الرئيسي أمام منافس جديد
تضع الخطوة الأميركية كندا أمام احتمال ظهور منافس جديد في سوق اعتادت أن تلعب فيه دوراً محورياً.
وكانت العلاقات التجارية بين واشنطن وأوتاوا قد شهدت تصعيداً خلال الأشهر الماضية، بعدما فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية بنسبة 50 في المئة على مجموعة من السلع الكندية، في حين ردت كندا بإجراءات جمركية مماثلة على منتجات أميركية.
لكن من المهم التمييز بين هذه الرسوم وبين سوق البوتاس تحديداً؛ فالإجراءات الأميركية التي دخلت حيز التنفيذ في أغسطس استثنت البوتاس من رسوم الخمسين في المئة المفروضة بموجب الإجراءات المعنية.
وبالتالي، فإن التحرك نحو بيلاروسيا لا يعني أن البوتاس الكندي أصبح خاضعاً مباشرة لهذه الرسوم، وإنما يعكس رغبة واشنطن في إيجاد مصدر بديل أو إضافي للإمدادات، إلى جانب استخدام المنافسة المحتملة للضغط على الأسعار.
الحرب التجارية تعيد رسم العلاقات الأميركية الكندية
ويأتي إعلان ترامب في وقت وصلت فيه العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا إلى مرحلة من التوتر لم تشهدها منذ سنوات.
وفي أغسطس، فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المئة على واردات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار ضمن حزمة من الإجراءات التجارية، قبل أن ترد أوتاوا برسوم انتقامية على واردات أميركية.
وأعلنت كندا في 25 أغسطس أنها ستطابق الرسوم الأميركية الجديدة على مجموعة من السلع، بعد تعثر المفاوضات بين البلدين، لتدخل العلاقات الاقتصادية بين الجارتين في مرحلة جديدة من المواجهة التجارية.
وفي هذا السياق، يصبح البحث عن بدائل للواردات الكندية جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على مورد واحد في بعض القطاعات الحيوية.
ماذا يعني الاتفاق المحتمل للمزارعين الأميركيين؟
إذا تحولت المفاوضات مع بيلاروسيا إلى اتفاق فعلي، فإن دخول كميات إضافية من البوتاس إلى السوق الأميركية قد يزيد المنافسة بين الموردين، وهو ما يمكن أن يؤثر في الأسعار وتكاليف الأسمدة.
لكن حجم التأثير سيعتمد على عدة عوامل، من بينها الكميات التي ستوفرها بيلاروسيا، والأسعار النهائية، وتكاليف النقل، والعقوبات والقيود التجارية، إضافة إلى قدرة الشركات الأميركية على استيعاب الإمدادات الجديدة.
ولذلك، فإن إعلان ترامب لا يعني تلقائياً أن أسعار الأسمدة ستنخفض، بل يشير إلى محاولة لزيادة خيارات الاستيراد أمام السوق الأميركية.
خطوة تجارية تحمل أبعاداً سياسية
يحمل التحرك الأميركي أيضاً بعداً سياسياً، إذ يأتي في وقت تسعى فيه إدارة ترامب إلى إعادة صياغة علاقاتها التجارية مع عدد من الشركاء، بينما تحاول كندا تنويع علاقاتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على السوق الأميركية.
وقد بدأت أوتاوا بالفعل في الدفع نحو توسيع علاقاتها التجارية مع أوروبا وغيرها من الأسواق، في إطار استراتيجية لتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على شريك تجاري واحد.
وفي المقابل، يمكن لواشنطن استخدام احتمال الحصول على البوتاس البيلاروسي كوسيلة لتنويع مصادرها وتعزيز قدرتها على التفاوض بشأن الأسعار.
من كندا إلى بيلاروسيا؟
إذا نجحت الصفقة، فلن يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستتخلى عن البوتاس الكندي؛ فحجم الاعتماد الحالي على كندا كبير، كما أن البنية التجارية وسلاسل النقل بين البلدين متطورة للغاية.
لكن مجرد دخول بيلاروسيا كمورد محتمل قد يغير طبيعة السوق، ويمنح واشنطن خياراً إضافياً في وقت تتصاعد فيه الخلافات التجارية مع أوتاوا.
وهكذا يتحول البوتاس من مجرد سلعة زراعية إلى ورقة في المعادلة التجارية الأميركية، في وقت تتقاطع فيه مصالح المزارعين مع حسابات الأمن الاقتصادي والسياسة الخارجية والعلاقات المتوترة بين واشنطن وأوتاوا.
اقرأ أيضاً
ترامب يضاعف الرسوم الجمركية على السيارات الكندية إلى 50% ويصعّد الحرب التجارية مع كندا
كندا تفرض رسوماً جمركية تصل إلى 50% على واردات أمريكية تشمل الصلب والإلكترونيات

