وطن-لم تعد أزمة سد النهضة الإثيوبي وحدها حاضرة في حسابات القاهرة المتعلقة بمياه النيل، إذ عاد ملف المشروعات المائية في دول حوض النيل إلى الواجهة مع إعلان جنوب السودان استعدادها للمضي في خطط تطوير مشروع سد فولا على النيل الأبيض.
وجاء التصعيد في تصريحات وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، أغوك ماكور، الذي أكد أن بلاده لا تخشى تطوير مواردها المائية، مشدداً على حقها، باعتبارها دولة ذات سيادة وعضواً في حوض النيل، في تنفيذ مشروعاتها التنموية. وقال الوزير إن مشروع فولا يندرج ضمن مجموعة من المشروعات التي أُقرت في إطار أعمال مجلس وزراء دول حوض النيل.
وتكتسب تصريحات جوبا أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، ليس فقط بسبب طبيعة المشروع، وإنما أيضاً بسبب توقيتها، في ظل استمرار الخلاف المصري الإثيوبي بشأن سد النهضة وقواعد تشغيله وإدارته.
ما هو سد فولا؟
يقع مشروع فولا المقترح في منطقة النيل الأبيض بالقرب من مدينة نمولي في ولاية الاستوائية الوسطى، ويُطرح أساساً باعتباره مشروعاً لتوليد الطاقة الكهرومائية وتوسيع قدرة جنوب السودان على إنتاج الكهرباء.
وكانت بعثة مشتركة ضمت مسؤولين من جنوب السودان والاتحاد الأوروبي ومبادرة حوض النيل قد زارت في مارس وأبريل 2026 منطقة شلالات فولا لمعاينة إمكانات الموقع، فيما تحدثت الجهات المشاركة عن إمكانات كبيرة لتطوير الطاقة الكهرومائية في المنطقة.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن مشروع فولا يرتبط بخطط أوسع لتطوير قطاع الكهرباء في جنوب السودان، الذي يعاني محدودية كبيرة في إمدادات الطاقة، مع إمكانية استخدام فائض الإنتاج مستقبلاً لتلبية احتياجات دول مجاورة، بحسب تصريحات سابقة لمسؤولي الحكومة.
«لا نخشى مصر».. ماذا قالت جوبا؟
اللافت في التصريحات الأخيرة هو اللهجة التي استخدمها وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، إذ قال إن بلاده «لا تخشى» بناء السدود، مستنداً إلى سيادتها وحقها في تطوير مواردها المائية. وأوضح ماكور أن مجلس وزراء حوض النيل أقر 34 مشروعاً، بينها مشروعات سدود، وأن مشروع فولا مدرج ضمن هذه المشروعات، مشيراً كذلك إلى أن مصر كانت من الدول المشاركة في إطار تلك القرارات، بحسب ما نقلته وسائل إعلام جنوب سودانية.
لكن الإشارة إلى موافقة مصر على مشروعات ضمن برامج حوض النيل لا تعني بالضرورة أن القاهرة منحت موافقة منفصلة ونهائية على كل مشروع سد على حدة.
وتؤكد وزارة الموارد المائية والري المصرية، من جانبها، أن القاهرة دعمت عشرات المشروعات التنموية في منطقة الهضبة الاستوائية وحوض النيل الأبيض، وأنها قدمت خطابات عدم ممانعة لمشروعات في دول حوض النيل، في إطار دعم التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في الجدل الحالي: المشاركة في برامج التنمية الإقليمية أو دعم مشروعات مائية لا تعني بالضرورة موافقة تلقائية على أي مشروع منفرد وتأثيراته المحتملة على تدفقات المياه.
لماذا يثير المشروع اهتمام القاهرة؟
تنبع حساسية الملف من موقع مصر في نهاية منظومة النيل واعتمادها الكبير على مياه النهر، إضافة إلى أن أي توسع في إقامة منشآت مائية على مجرى النيل وروافده يطرح أسئلة حول إدارة التدفقات والتنسيق بين دول الحوض.
لكن التأثير الفعلي لأي سد على دول المصب لا يمكن تحديده بمجرد وجود المشروع، وإنما يرتبط بعوامل فنية متعددة، من بينها موقع السد، وحجمه، وسعته التخزينية، وطريقة تشغيله، وفترات ملء الخزان، وحجم المياه التي يمكن أن يحجزها أو ينظم تدفقها.
كما أن مشروع فولا يقع على النيل الأبيض، في حين أن سد النهضة الإثيوبي يقع على النيل الأزرق، وهو ما يجعل طبيعة المشروعين وظروفهما الهيدرولوجية مختلفة، حتى وإن كان كلاهما جزءاً من منظومة نهر النيل.
مصر وجنوب السودان.. تعاون مائي رغم الجدل
المفارقة أن التصريحات الأخيرة تأتي في وقت تستمر فيه علاقات التعاون بين القاهرة وجوبا في ملفات المياه والتنمية. ففي يوليو 2026، أعلنت مصر افتتاح محطة للمياه الجوفية في جامعة جوبا بتمويل مصري، وقالت القاهرة إن المشروع يأتي ضمن دعمها للتنمية المستدامة وتحسين الخدمات في جنوب السودان.
كما تعرض وزارة الموارد المائية والري المصرية عدداً من مشروعات التعاون مع جنوب السودان، بينها مشروعات لتطهير المجاري المائية وتحسين ظروف الملاحة والحد من مخاطر الفيضانات، إلى جانب مشروعات للرصد والتنبؤ بالتغيرات المناخية.
وبذلك، فإن الحديث عن سد فولا لا يعني بالضرورة انتقال العلاقات المصرية الجنوب سودانية إلى مواجهة مفتوحة، لكنه يكشف عن ملف مائي جديد يمكن أن يفرض مزيداً من النقاش الفني والقانوني بين دول حوض النيل.
من سد النهضة إلى سد فولا.. هل تتغير معادلة النيل؟
تواجه مصر منذ سنوات خلافاً مع إثيوبيا حول سد النهضة، وتتمسك القاهرة بضرورة التوصل إلى قواعد ملزمة بشأن تشغيل السد وإدارته بما يحمي مصالح دولتي المصب. وفي المقابل، ترى دول المنبع أن من حقها تطوير مواردها المائية واستخدامها في إنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.
ومع دخول مشروعات جديدة مثل فولا إلى دائرة الاهتمام، تصبح إدارة الموارد المائية في حوض النيل أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تزايد عدد المشروعات على روافد النهر من دون آليات واضحة للتنسيق وتبادل البيانات.
ومع ذلك، لا توجد في المعلومات المتاحة حالياً مؤشرات كافية للقول إن سد فولا سيؤدي حتماً إلى خفض حصة مصر من مياه النيل أو أنه يمثل مواجهة مباشرة مع القاهرة. فحجم التأثير يحتاج إلى دراسات فنية وهيدرولوجية تفصيلية، كما أن المشروع ما زال في إطار الخطط والإعداد والتطوير، وليس سداً قائماً دخل مرحلة التشغيل.
وهكذا، يفتح سد فولا نقاشاً جديداً حول مستقبل إدارة مياه النيل، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام دول الحوض اختباراً آخر: كيف يمكن الجمع بين حق دول المنبع في التنمية واحتياجات دول المصب في الحفاظ على أمنها المائي، بعيداً عن التصعيد السياسي ودون تحويل كل مشروع تنموي إلى أزمة إقليمية جديدة؟
اقرأ أيضاً
الإمارات وسد النهضة.. هل كانت أبوظبي شريكاً في أزمة عطّشت مصر؟
مصر أمام اختبار مائي خطير.. إثيوبيا تلوّح بسدود جديدة والنيل الأزرق يدخل عصر النفوذ المائي

