وطن-خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن الولايات المتحدة ارتكبت جريمة حرب خلال ضربتين جويتين استهدفتا مدرسة ابتدائية ومنشأة رياضية في إيران في 28 فبراير 2026، في الأيام الأولى من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وركز التقرير، الذي من المقرر عرضه على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، على ضربة أصابت مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية في مدينة ميناب جنوبي إيران، وأدت، وفق السلطات الإيرانية، إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً، بينهم نحو 120 طفلاً. وخلص المحققون إلى أن الهجوم كان عشوائياً وأوقع قتلى وأضراراً في منشأة مدنية.
وأكدت البعثة أن نتائجها لا تمثل حكماً قضائياً، إذ إن بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة جهات تحقيق وليست محاكم، ولا تملك صلاحية فتح قضايا جنائية. لكنها أشارت إلى أن ما توصلت إليه يمكن أن يُستخدم في تحقيقات أو إجراءات قضائية وطنية ودولية لاحقاً.
مدرسة ميناب.. لم تكن مجرد صاروخ أخطأ هدفه
تكتسب نتائج التحقيق أهمية خاصة لأن الرواية السابقة بشأن ضربة مدرسة ميناب تحدثت عن احتمال إصابة المدرسة بالخطأ أثناء استهداف منشأة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني تقع بالقرب منها.
لكن المحققين الأمميين خلصوا إلى أن مبنى المدرسة نفسه كان «نقطة التأثير المقصودة»، وأن الأضرار التي لحقت به لم تكن ناجمة عن انحراف الصاروخ عن مساره أو عن أضرار جانبية لضربة استهدفت المجمع العسكري المجاور.
وبحسب التقرير، كانت المدرسة منشأة مدنية يمكن التعرف إليها بوضوح، مع وجود رسومات موجهة للأطفال ولافتات مدرسية وساحات لعب، فيما أشارت البعثة إلى أن صور الأقمار الصناعية قبل الهجوم أظهرت أيضاً أشخاصاً يمكن التعرف إليهم على أنهم أطفال داخل باحة المدرسة.
وقالت البعثة إن القوات الأميركية لم تتخذ الإجراءات اللازمة للتحقق من أن المبنى يمثل هدفاً عسكرياً مشروعاً، واعتبرت أن عدم تحديث المعلومات المتعلقة بموقع المدرسة في قواعد بيانات الاستهداف تجاوز مجرد الإهمال، في ظل وجود خطر كبير بإصابة منشأة مدنية.
صاروخ «توماهوك» ومعلومات استخباراتية قديمة
استخدمت الضربة التي أصابت مدرسة ميناب صواريخ «توماهوك»، وفق التحقيق الأممي.
وكانت المدرسة تقع بالقرب من مجمع بحري تابع للحرس الثوري الإيراني، وهو ما جعل التحقق من طبيعة الهدف أمراً بالغ الأهمية، بحسب البعثة. غير أن المحققين لم يجدوا دليلاً على استخدام المدرسة لأغراض عسكرية، وخلصوا إلى أن طبيعتها المدنية كانت واضحة.
وكانت تقارير صحفية أميركية قد أفادت في وقت سابق بأن تحقيقاً عسكرياً داخلياً رجح مسؤولية القوات الأميركية عن الضربة، بينما لم تنشر وزارة الدفاع الأميركية حتى الآن نتائج تحقيقها بصورة علنية.
وفي يونيو، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن «لا أحد» استهدف مدرسة للفتيات عمداً في إيران، مستنداً إلى التحقيق العسكري الجاري آنذاك. لكن التقرير الأممي خلص لاحقاً إلى أن المدرسة كانت الهدف المقصود للضربة، وليس مجرد منشأة أصيبت عن طريق الخطأ.
ضربة ثانية في لامرد
لم يقتصر التقرير على مدرسة ميناب، بل تناول أيضاً ضربة أميركية أخرى في مدينة لامرد جنوبي إيران استهدفت، بحسب المحققين، منشأة رياضية ومنطقة سكنية يمكن التعرف إليهما بوضوح.
وأدت الضربة إلى مقتل وإصابة 22 مدنياً، كما لحقت أضرار بمبانٍ سكنية ومدرسة قريبة. وخلصت البعثة إلى أن الهجوم كان عشوائياً وشكل، وفق تقييمها، جريمة حرب.
واستخدم في الهجوم صاروخ «بريسيجن سترايك» الباليستي، المعروف باسم صاروخ الضربة الدقيقة، وهو سلاح ينشر عند انفجاره كمية كبيرة من كرات التنغستن المعدنية.
وبحسب التقرير الأممي، أدى استخدام هذا النوع من الأسلحة في منطقة مدنية مأهولة إلى نشر نحو 180 ألف كرة من التنغستن، ما جعل من الصعب حصر آثار الانفجار في هدف عسكري محدد وتجنب إصابة المدنيين والأعيان المدنية.
لماذا اعتبرت الأمم المتحدة الهجمات عشوائية؟
استندت البعثة إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية من جهة والمدنيين والأعيان المدنية من جهة أخرى.
وخلص المحققون إلى أن طبيعة الهدفين في ميناب ولامرد كانت واضحة بما يكفي، وأن استخدام القوة في هذه الظروف لم يأخذ في الاعتبار بصورة كافية خطر سقوط ضحايا مدنيين.
وقالت البعثة إن لديها «أسباباً معقولة للاعتقاد» بأن الولايات المتحدة شنت هجمات عشوائية أدت إلى مقتل أو إصابة مدنيين وإلحاق أضرار بأعيان مدنية، وهو ما اعتبرته جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
واشنطن ترفض نتائج التقرير
لم تقبل الإدارة الأميركية نتائج التحقيق الأممي.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة «لم يحقق شيئاً» في مجال حقوق الإنسان، واتهمته بتبني مواقف معادية للولايات المتحدة.
كما قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها لا تمنح التقرير مصداقية، بينما أعلنت وزارة الدفاع أن تحقيقها الداخلي بشأن الضربة ما زال مستمراً، من دون الإعلان عن نتائجه.
وكانت القيادة المركزية الأميركية قد نفت في مارس أن تكون القوات الأميركية قد نفذت ضربات داخل مدينة لامرد في ذلك اليوم، ما يضيف خلافاً قائماً حول المسؤولية عن الضربة الثانية التي تناولها التقرير الأممي.
تقرير أممي يفتح باب المساءلة
أجرت بعثة تقصي الحقائق تحقيقها بالاعتماد على مقابلات مع عشرات الأشخاص، إلى جانب صور الأقمار الصناعية والصور ومقاطع الفيديو ومعلومات قدمتها منظمات وخبراء.
وقالت البعثة إن الحرب وقطع الإنترنت وعدم التعاون الكامل من الحكومتين الأميركية والإيرانية حدّت من قدرتها على جمع المعلومات، لكنها اعتبرت الأدلة المتاحة كافية للوصول إلى استنتاجاتها.
وبموجب طبيعة عملها، لا تستطيع البعثة إصدار أحكام قضائية بحق المسؤولين، لكن نتائجها قد تصبح جزءاً من ملفات تحقيقات لاحقة أمام محاكم وطنية أو جهات قضائية دولية.
ويضع التقرير واشنطن أمام اتهام أممي خطير يتعلق بطريقة اختيار الأهداف والأسلحة المستخدمة في مناطق مدنية، في وقت تؤكد فيه الإدارة الأميركية أن عملياتها العسكرية جرت وفق قوانين النزاع المسلح، بينما لم تنشر وزارة الدفاع نتائج تحقيقها الداخلي بشأن مدرسة ميناب حتى الآن.
وفي المقابل، لم يقتصر التقرير على الانتهاكات المنسوبة إلى الولايات المتحدة، إذ خلصت البعثة نفسها إلى وجود أسباب للاعتقاد بأن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال قمع الاحتجاجات التي بدأت أواخر 2025، بما في ذلك القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري.
وبذلك يرسم التقرير صورة مزدوجة لانتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب والأحداث التي سبقتها، مع دعوة الولايات المتحدة وإيران إلى وقف الانتهاكات وتقديم تعويضات للضحايا.
اقرأ المزيد
إيران تجمع الخليج والعراق في عُمان.. هل يبدأ احتواء أزمة مضيق هرمز؟
إيران تعلن تحويل 7.5 مليارات دولار من عائدات النفط إلى البنك المركزي رغم الحصار الأمريكي
حين تصبح الأقمار الصناعية سلاحاً للمعلومات.. أمريكا تضيّق الخناق على صور إيران وغزة
11 ليلة من النار بين واشنطن وطهران.. صواريخ إيران تهز قواعد أمريكا وأسواق النفط ترتجف

