وطن-تتجه روسيا إلى انتخاب أعضاء مجلس الدوما بين 18 و20 سبتمبر، في أول انتخابات برلمانية وطنية منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. وبينما يهيمن حزب «روسيا الموحدة» على المشهد السياسي، وتغيب المنافسة التي يعتبرها منتقدون حقيقية، يولي الكرملين هذه الانتخابات أهمية كبيرة، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية وتعب متزايد من الحرب.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات بالنسبة للسلطات الروسية على توزيع المقاعد داخل مجلس الدوما، بل ترتبط أيضاً بمحاولة إظهار مستوى من التأييد الشعبي للقيادة وسياساتها، في وقت تواجه فيه البلاد آثار الحرب والعقوبات الغربية والهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، إلى جانب مشكلات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتجرى الانتخابات على ثلاثة أيام، ويُنتخب خلالها أعضاء مجلس الدوما البالغ عددهم 450 نائباً؛ إذ يخصص نصف المقاعد للقوائم الحزبية، بينما يُنتخب النصف الآخر في دوائر انتخابية فردية. كما تتزامن العملية مع انتخابات محلية وإقليمية في عدد من المناطق الروسية.
«انتخابات» بلا منافسة متكافئة
يخوض «روسيا الموحدة»، الحزب الحاكم والداعم للرئيس فلاديمير بوتين، الانتخابات في موقع مهيمن. وكان الحزب قد حصل في انتخابات 2021 على أكثر من ثلثي مقاعد مجلس الدوما، فيما تتوقع مصادر إعلامية وتحليلية استمرار هيمنته على المجلس.
في المقابل، أزيل حزب «يابلوكو»، الذي يعلن موقفاً معارضاً للحرب، من القائمة الاتحادية للانتخابات بعد قرار للمحكمة العليا الروسية في أغسطس ألغى تسجيل قائمته. وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية لاحقاً تعديل بطاقة الاقتراع بعد دخول القرار القضائي حيز التنفيذ، ليصبح عدد الأحزاب المشاركة في الاقتراع الاتحادي عشرة أحزاب.
ويؤكد حزب «يابلوكو» أنه طعن في القرار، بينما قالت المحكمة إن إلغاء قائمته استند إلى أسباب قانونية تتعلق، من بين أمور أخرى، بتبرعات ومنشورات وحقوق نشر. ويقدم الحزب القرار باعتباره مثالاً على تقييد المنافسة السياسية، وهو توصيف يعكس موقف الحزب نفسه.
ورغم إخراج القائمة الاتحادية للحزب من المنافسة، لا يزال بعض مرشحيه يشاركون في دوائر انتخابية فردية، ما أبقى مساحة محدودة أمام المرشحين المناهضين للحرب.
لماذا يحتاج الكرملين إلى الانتخابات؟
يرى محللون أن الانتخابات تؤدي وظيفة تتجاوز مجرد اختيار أعضاء البرلمان، إذ تمنح السلطة الروسية إجراءً رسمياً يمكنها من تقديم نتائج الاقتراع باعتبارها تعبيراً عن إرادة الناخبين.
ويقول محللون سياسيون إن العملية الانتخابية توفر للكرملين نوعاً من «الشرعية الإجرائية»، حتى في ظل الانتقادات المتعلقة بالمنافسة والشفافية. كما يمكن للانتخابات أن تساعد السلطات على قياس مستوى المشاركة والتأييد، ورصد حجم الاستياء الاجتماعي، خصوصاً في ظل استمرار الحرب.
وبالنسبة لبوتين، تأتي الانتخابات في لحظة حساسة داخلياً. فقد ارتبطت الحرب بتكاليف اقتصادية وضغوط على السكان، فيما أدت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة إلى زيادة المخاوف في مناطق روسية بعيدة عن الجبهة.
وقد قدم بوتين الانتخابات بوصفها مؤشراً على وحدة المجتمع ودعمه للسياسات الروسية خلال الحرب، بينما يرى منتقدون أن محدودية المنافسة تجعل من الصعب اعتبار النتائج مقياساً مستقلاً للرأي العام.
أحزاب تنافس داخل النظام نفسه
إلى جانب «روسيا الموحدة»، تشارك أحزاب توصف عادة بأنها «المعارضة النظامية»، أبرزها الحزب الشيوعي، والحزب الليبرالي الديمقراطي، وحزب «روسيا العادلة»، وحزب «أناس جدد».
وتختلف هذه الأحزاب في خطابها وبرامجها، لكنها تدعم الحرب الروسية على أوكرانيا بدرجات مختلفة، فيما تشير تقارير وتحليلات إلى أن الأحزاب الممثلة في البرلمان تعمل ضمن حدود سياسية ضيقة ولا تقدم منافسة مماثلة لتلك الموجودة في الأنظمة التعددية المفتوحة.
أما الحزب الشيوعي الروسي، فيحتفظ بحضور تاريخي في مجلس الدوما ويُنظر إليه باعتباره أبرز المنافسين من حيث الحجم الانتخابي، لكنه لم يتبنَّ موقفاً معارضاً للحرب.
ويشارك كذلك الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، المعروف بخطابه القومي، إلى جانب «روسيا العادلة» و«أناس جدد»، الذي دخل البرلمان للمرة الأولى في انتخابات 2021 بعد تجاوزه عتبة الخمسة بالمئة.
الحرب حاضرة في قلب الحملة
تجري الانتخابات في أجواء يطغى عليها ملف الحرب. وقد ربط بوتين بين دعم الحزب الحاكم واستمرار الجهود العسكرية الروسية، بينما يضم عدد من مرشحي «روسيا الموحدة» أشخاصاً خدموا في الحرب.
في الوقت نفسه، تواجه السلطات تحدياً مختلفاً يتمثل في المشكلات اليومية التي تؤثر في حياة المواطنين، مثل الأسعار والدخل ونقص بعض السلع والوقود والضغوط الاقتصادية.
وترى تحليلات صحفية أن هذه القضايا قد تؤثر في المزاج الانتخابي، لكن محدودية الخيارات السياسية المتاحة تجعل تحويل الاستياء الاجتماعي إلى تغيير انتخابي أمراً معقداً.
التصويت الإلكتروني يثير الجدل
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل هو التوسع في التصويت الإلكتروني. فقد أصبح التصويت عن بعد متاحاً في عدد كبير من المناطق الروسية، وهو ما يمنح السلطات وسيلة إضافية لإدارة العملية الانتخابية، لكنه في المقابل يثير انتقادات من المعارضة التي تشكك في مستوى الشفافية وإمكانية التحقق المستقل من النتائج.
وكانت نتائج انتخابات 2021 قد أثارت اتهامات بالتلاعب، خصوصاً بعد ظهور فروق كبيرة في بعض المناطق بين النتائج الأولية ونتائج التصويت الإلكتروني. وتنفي السلطات الروسية اتهامات التزوير الواسع، فيما يواصل منتقدون ومراقبون مستقلون التشكيك في نزاهة أجزاء من العملية الانتخابية.
وتشمل الانتخابات الحالية التصويت الإلكتروني إلى جانب الاقتراع التقليدي، بينما يمتد التصويت لثلاثة أيام، وهي إجراءات تقول السلطات إنها تهدف إلى تسهيل المشاركة، في حين ترى المعارضة أن غياب مراقبة مستقلة كافية يزيد من صعوبة التحقق من النتائج.
إقصاء المعارضة وتضييق مساحة المنافسة
لا يقتصر الجدل حول الانتخابات على طريقة احتساب الأصوات، بل يبدأ قبل وصول الناخب إلى صندوق الاقتراع، إذ تعرض عدد من المعارضين والمرشحين لإجراءات قضائية حالت دون مشاركتهم.
ويبرز في هذا السياق قرار إبعاد القائمة الاتحادية لحزب «يابلوكو»، الذي كان الحزب السياسي الوحيد المسجل الذي يعلن بوضوح معارضته للحرب. وقد وصف الحزب القرار بأنه سابقة خطيرة، بينما تستند السلطات إلى أسباب قانونية قدمتها المحاكم في القضية.
كما أفادت تقارير بوجود دعاوى وإجراءات استهدفت بعض مرشحي الحزب في دوائر فردية خلال الأسابيع السابقة للانتخابات، ما يعكس حجم القيود المفروضة على المشاركة السياسية في هذه الدورة الانتخابية.
ماذا يفعل الناخبون المناهضون للحرب؟
مع تضييق مساحة المشاركة أمام القوى المعارضة للحرب، ظهرت دعوات مختلفة بين الناشطين والمعارضين الروس.
فبعض المؤيدين لحزب «يابلوكو» يدعون إلى إفساد بطاقة الاقتراع بدلاً من تركها فارغة، باعتبار ذلك وسيلة للتعبير عن الرفض. وفي المقابل، يدعو معارضون آخرون إلى التصويت لمرشح قادر على منافسة مرشح «روسيا الموحدة» في الدائرة التي يشارك فيها.
كما ظهرت مبادرات احتجاجية تدعو المواطنين إلى التوجه إلى مراكز الاقتراع في وقت محدد، بهدف إظهار وجود كتلة من الناخبين الرافضين للحرب والسياسات الحكومية.
لكن هذه الاستراتيجيات تختلف بين المعارضة نفسها، ولا يوجد موقف موحد بشأن الطريقة التي ينبغي للناخبين المناهضين للحرب اتباعها.
انتخابات محسومة أم اختبار للكرملين؟
رغم أن استمرار هيمنة «روسيا الموحدة» على مجلس الدوما هو السيناريو الذي تتوقعه معظم التغطيات والتحليلات الحالية، فإن أهمية انتخابات 2026 بالنسبة للكرملين لا تتوقف على عدد المقاعد التي سيحصل عليها الحزب الحاكم.
فالانتخابات توفر للسلطات فرصة لقياس نسبة المشاركة، واختبار مستوى الرضا الشعبي، ورصد تأثير الحرب والضغوط الاقتصادية على المجتمع، فضلاً عن تقديم صورة رسمية عن مستوى الدعم السياسي للقيادة الروسية.
وفي المقابل، فإن غياب منافسة متكافئة، وإقصاء القائمة الاتحادية لـ«يابلوكو»، والانتقادات الموجهة إلى التصويت الإلكتروني والرقابة على العملية الانتخابية، كلها عوامل تجعل تفسير النتائج باعتبارها مقياساً مستقلاً للرأي العام الروسي موضع خلاف كبير.
وبذلك، لا تكمن أهمية انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 فقط في معرفة من سيشغل المقاعد الـ450، وإنما أيضاً في ما ستقوله نسبة المشاركة والنتائج الرسمية عن علاقة الكرملين بالمجتمع الروسي بعد أكثر من أربعة أعوام على بدء الحرب الشاملة في أوكرانيا.
اقرأ المزيد
موسكو تشتعل.. مئات المسيّرات الأوكرانية تضرب قلب روسيا
روسيا تطارد مؤسس تيليجرام دوليًا.. لماذا أصبح بافيل دوروف خصمًا صعبًا للكرملين؟
الكرملين في سباق مع الوقت.. الحرب الأوكرانية تضع بوتين أمام أصعب اختبار سياسي

