وطن-لم تعد الحرب في قطاع غزة تعتمد فقط على الطائرات الحربية والصواريخ والقصف المدفعي. ففي سماء الأحياء السكنية ومخيمات النازحين، برز نوع آخر من الأسلحة الصغيرة التي تعمل على ارتفاعات منخفضة، وتستطيع الاقتراب من الأشخاص ومراقبتهم وتتبع تحركاتهم قبل إطلاق النار أو إسقاط الذخائر.
إنها طائرات «كواد كابتر» المسيّرة، التي يقول المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن الجيش الإسرائيلي وسّع استخدامها في غزة، محولًا إياها من أدوات للمراقبة والاستطلاع إلى وسائل قادرة على تنفيذ هجمات مباشرة ضد أشخاص وتجمعات مدنية.
وفي تقرير نشره المرصد في 12 سبتمبر/أيلول 2026، قال إنه وثق مقتل 60 مدنيًا فلسطينيًا على الأقل بنيران هذه المسيّرات أو بالذخائر التي ألقتها، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى أوائل سبتمبر/أيلول 2026. وأضاف أن الضحايا شملوا أطفالًا ونازحين ومزارعين ورعاة وأشخاصًا كانوا يحاولون تفقد منازلهم أو الوصول إلى أراضيهم.
من الاستطلاع إلى إطلاق النار
تختلف «كواد كابتر» عن الطائرات المسيّرة الكبيرة في حجمها وطريقة تشغيلها. فهي طائرات صغيرة متعددة المراوح يمكن تشغيلها عن بُعد، وتزويدها بكاميرات للمراقبة وأنظمة لتحديد الأهداف وتتبع حركتها، إلى جانب أسلحة نارية أو ذخائر متفجرة في بعض الحالات، وفق المرصد الأورومتوسطي.
وتمنح هذه الخصائص المشغّل قدرة على البقاء قريبًا نسبيًا من الأرض، ومراقبة الأشخاص والأماكن لفترة من الوقت، قبل اتخاذ قرار بإطلاق النار أو إسقاط ذخيرة. وبحسب المرصد، لم يعد استخدام هذه المسيّرات مقتصرًا على جمع المعلومات أو مراقبة التحركات، وإنما ظهرت ثلاثة أنماط رئيسية لاستخدامها خلال الفترة التي وثقها التقرير.
يتمثل النمط الأول في إطلاق النار المباشر على أشخاص يمكن لمشغّل الطائرة رؤيتهم وتمييزهم. أما النمط الثاني فيتمثل في إسقاط ذخائر متفجرة على تجمعات مدنية أو خيام تؤوي نازحين. بينما يتعلق النمط الثالث باستخدام هذه الطائرات لفرض نطاق من السيطرة بالنيران قرب ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، واستهداف فلسطينيين أثناء محاولتهم الوصول إلى منازلهم أو أراضيهم أو مصادر رزقهم.
60 مدنيًا منذ وقف إطلاق النار
يشكل الرقم الذي أورده المرصد الأورومتوسطي أحد أبرز المؤشرات على استمرار استخدام هذا النوع من المسيّرات بعد وقف إطلاق النار. وقال المرصد إنه وثق مقتل ما لا يقل عن 60 مدنيًا بهذه الطائرات أو بالذخائر التي ألقتها خلال الفترة الممتدة من 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أوائل سبتمبر/أيلول 2026.
ولا يشمل الرقم، وفق التقرير، فئة واحدة من الضحايا، بل أطفالًا ونازحين ومزارعين ورعاة وأشخاصًا كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم أو تفقد ممتلكاتهم. ومن بين الحالات التي وثقها المرصد مقتل الطفل عبد الله نور سعيد دواص، البالغ من العمر 12 عامًا، في 11 أبريل/نيسان 2026، بعدما فتحت مسيّرة من هذا النوع النار على نازحين في محيط مدارس أبو حسين ومركز الفاخورة الصحي في مخيم جباليا.
كما وثق المرصد مقتل فاطمة الزهراء رمزي أحمد المعني، البالغة 26 عامًا، بنيران مسيّرة شرق دير البلح في 21 مايو/أيار 2026، ومقتل نضال عيد سلمي أبو حليب، البالغ 62 عامًا، بعدما أطلقت مسيّرة النار عليه أثناء توجهه لتفقد منزل عائلته في القرارة شمال شرقي خان يونس.
خيام النازحين تحت المراقبة
لم تقتصر الحالات التي وثقها المرصد على إطلاق النار المباشر. فقد أشار التقرير إلى حالات أُلقيت خلالها ذخائر متفجرة من مسيّرات «كواد كابتر» على تجمعات مدنية وخيام للنازحين. ومن بين هذه الحالات مقتل ثلاثة مدنيين على الأقل في 6 ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد إسقاط ذخيرة متفجرة على مجموعة من المدنيين قرب دوار العطاطرة في بيت لاهيا.
كما وثق المرصد مقتل فادي عادل خليفة في 20 فبراير/شباط 2026، بعد إسقاط قنبلة على خيمته شمال قطاع غزة، ومقتل إنعام عبد الله العطار، البالغة 52 عامًا، في 17 يوليو/تموز 2026، بعد إسقاط قنبلة قرب مدرسة أبو تمام في بيت لاهيا. وتكشف هذه الحالات، وفق المرصد، عن تحول في طبيعة استخدام الطائرات الصغيرة، من وسيلة استطلاع إلى أداة قادرة على الجمع بين المراقبة والاستهداف في البيئة المدنية.
«عين مسلحة» فوق الأحياء
كان استخدام إسرائيل للمسيّرات الصغيرة في غزة معروفًا قبل الحرب الحالية، لكن تقارير حقوقية قالت إن نطاق استخدامها توسع بصورة كبيرة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي تقارير سابقة، وثق المرصد الأورومتوسطي استخدام هذه الطائرات للمراقبة وإصدار أوامر للمدنيين وبث أصوات مزعجة، إلى جانب إطلاق النار المباشر على أشخاص في مناطق مختلفة من القطاع.
وقالت «الجزيرة» في تقرير نشرته عام 2024 إن المرصد وثق حالات قتل وإصابة باستخدام «كواد كابتر»، مشيرة إلى أن هذه المسيّرات استُخدمت في المراقبة والتجسس وإصدار أوامر للمدنيين، فضلًا عن إطلاق النار وإلقاء القنابل.
ويكمن الخطر، بحسب المرصد، في قدرة هذه الطائرات على الاقتراب من الأشخاص ومراقبتهم وتتبع تحركاتهم قبل تنفيذ الهجوم، وهو ما يثير أسئلة قانونية بشأن طبيعة الأهداف التي يجري اختيارها والظروف المحيطة بكل عملية استهداف.
«الخط الأصفر».. منطقة أخرى للاستهداف
من أبرز الأنماط التي تحدث عنها التقرير استخدام «كواد كابتر» بالقرب من ما يعرف بـ«الخط الأصفر». ووفق المرصد، تعرض فلسطينيون للاستهداف أثناء محاولتهم الوصول إلى منازلهم وأراضيهم أو ممارسة أعمالهم في المناطق القريبة من هذا الخط.
ووثق المرصد مقتل الراعي رأفت عادل إبراهيم بريكة بنيران مسيّرة في منطقة الشاكوش شمال غربي رفح في 22 مايو/أيار 2026، كما وثق مقتل المزارع حمودة فايق العطار في 29 أغسطس/آب 2026 أثناء عمله في أرضه شرق قرية المصدر.
ويقول المرصد إن هذه الوقائع تعكس استخدام المسيّرات ليس فقط لتنفيذ عمليات قتل منفردة، وإنما لفرض منطقة خطرة تمنع المدنيين من الوصول إلى مناطق معينة أو العودة إلى ممتلكاتهم.
أسئلة قانونية حول الاستهداف
ويرى المرصد الأورومتوسطي أن تكرار هذه الحوادث بعد وقف إطلاق النار، واستهداف أشخاص يصفهم التقرير بالمدنيين، يثير مخاوف جدية بشأن الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. وتكتسب المسألة حساسية إضافية عندما تكون الطائرة قادرة على مراقبة الشخص وتتبّع حركته وتحديد هويته قبل إطلاق النار عليه، بحسب المرصد.
لكن تحديد ما إذا كانت واقعة بعينها تشكل جريمة حرب أو جريمة أخرى يتطلب التحقيق في كل حادثة على حدة، بما في ذلك هوية المستهدف، والظروف الميدانية، وما إذا كان الشخص يشارك في الأعمال العدائية، وطبيعة القرار الذي اتخذه المشغّل والجهة العسكرية المسؤولة.
وهنا تتحول «كواد كابتر» من مجرد تقنية عسكرية إلى جزء من سؤال أكبر يتعلق بكيفية استخدام التكنولوجيا في الحروب، خصوصًا عندما تصبح الطائرة الصغيرة قادرة على الرصد والتتبع ثم تنفيذ الهجوم في دقائق.
سلاح صغير يغيّر شكل المعركة
تكشف تجربة غزة عن تحول متزايد في طبيعة الحرب الحديثة: لم يعد السلاح الجوي بالضرورة طائرة كبيرة تحلق على ارتفاعات عالية. فطائرة صغيرة متعددة المراوح تستطيع، وفق التقارير الحقوقية، التحليق على ارتفاع منخفض، الاقتراب من الأحياء والمخيمات، مراقبة الأشخاص، ونقل الصور إلى المشغّل، وفي بعض الحالات إطلاق النار أو إسقاط الذخائر.
وهذه القدرة تمنحها دورًا مختلفًا عن الطائرات المسيّرة التقليدية، لأنها تعمل على مسافة قريبة من الأرض وفي بيئة عمرانية كثيفة.
وفي غزة، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين وسط دمار واسع ونزوح متكرر، يثير انتشار هذا النوع من الطائرات مخاوف حقوقية بشأن أثرها على المدنيين وقدرتها على تحويل السماء فوق المخيمات والأحياء إلى مساحة دائمة للمراقبة والخطر.
وبينما تواصل الجهات الحقوقية توثيق الحالات والدعوة إلى التحقيق فيها، يبقى السؤال الأوسع: هل أصبحت المسيّرات الصغيرة واحدة من أبرز أدوات الحرب الحديثة في مراقبة المدنيين واستهدافهم، وكيف يمكن إخضاع استخدامها لقواعد القانون الدولي؟
اقرأ أيضاً
السعودية أمام اختبار حرب على جبهتين مع الحوثيين.. وحلفاء الرياض يفضّلون الابتعاد
فيلسوف إسباني: إسرائيل “بقايا أسوأ ما في أوروبا”.. وغزة نقطة تحول حضارية
ترامب يجهّز إسرائيل بأضخم شحنة قنابل ثقيلة في السنوات الأخيرة.. 40 ألف قنبلة بقيمة 2.8 مليار دولار

