وطن-في قرية الغندورية بجنوب لبنان، لم ينتهِ الخوف بانتهاء القتال أو إعلان وقف إطلاق النار. فبين المنازل المدمرة والركام، لا يزال السكان يعيشون على وقع أصوات المسيّرات الإسرائيلية، في وقت يتزايد فيه الطلب على خدمات الدعم النفسي في القرى الحدودية التي لم تستعد شعورها بالأمان.
وفي هذه المنطقة الواقعة قرب ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، عاد بعض السكان إلى منازلهم رغم الدمار ونقص الخدمات الأساسية، لكن العودة لم تعنِ بالنسبة إليهم عودة الحياة الطبيعية. فصوت المسيّرات، واحتمال تجدد الضربات، والخوف من نزوح جديد، تحولت جميعها إلى جزء من الحياة اليومية.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي»، في تقرير ميداني من الغندورية، إن مريم إسماعيل بلوط، البالغة 66 عاماً، وصلت إلى عيادة طبية متنقلة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود للحصول على العلاج، بينما كانت المنازل المحيطة بالعيادة تحمل آثار الضربات السابقة.
تقول بلوط، وهي جدة لـ14 حفيداً، إن منزلها احترق بالكامل، ولم يبقَ فيه شيء تقريباً، قبل أن تغلبها الدموع وهي تتحدث عن الغسالة والثلاجة وموقد الغاز وغيرها من مقتنيات المنزل التي فقدتها.
وتلخص شهادتها واقعاً يعيشه سكان كثير من القرى الجنوبية، حيث لم يعد الدمار مقتصراً على المباني، بل امتد إلى الإحساس بالأمان والاستقرار، بعدما وجد العائدون أنفسهم أمام خيار صعب بين العودة إلى منازل متضررة أو تحمل أعباء النزوح والإيجار في مناطق أخرى.
العودة إلى قرية بلا خدمات
بحسب التقرير، تقع الغندورية جنوب بلدة فرون في محافظة النبطية، بينما يفصل وادي الحجير أجزاء من القرية عن مواقع عسكرية إسرائيلية في الجهة المقابلة.
وقال رئيس بلدية الغندورية محمد علي نادر إن نحو 228 عائلة عادت إلى القرية، رغم استمرار نقص المياه والكهرباء. ويعيش بعض السكان داخل ما تبقى من منازلهم، بينما يشارك آخرون مباني مع أقارب أو جيران بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف السكن في مناطق أخرى.
ويقول نادر إن المياه تمثل إحدى أكثر المشكلات إلحاحاً، ليس فقط بسبب تأثيرها على الحياة اليومية، وإنما أيضاً لأنها تعيق قدرة السكان على الزراعة وإنتاج جزء من غذائهم.
لكن نقص الخدمات ليس المشكلة الوحيدة. فحتى عندما لا تقع ضربات مباشرة، يبقى السكان في حالة استعداد دائم للفرار. ويشرح نادر أن الأهالي، عند وقوع هجوم، يتركون منازلهم ويتجهون إلى الوادي، حيث ينتظرون حتى يهدأ الوضع قبل العودة مجدداً.
أزيز المسيّرات يتحول إلى مصدر خوف دائم
في 28 أغسطس/آب، كانت بلوط داخل العيادة المتنقلة عندما كان صوت مسيّرة إسرائيلية مسموعاً فوق القرية. وتقول: «أنا أخاف من المسيّرات».
ولا يرتبط هذا الخوف فقط باحتمال وقوع ضربة، بل أيضاً بالصوت المستمر الذي يذكّر السكان بأن الخطر يمكن أن يعود في أي لحظة، حتى عندما تبدو القرية هادئة.
وتقول ألماس العنداري، المستشارة والأخصائية النفسية السريرية في منظمة أطباء بلا حدود، إن بعض الأشخاص الذين لم تكن لديهم سابقاً مشكلات واضحة في الصحة النفسية بدأوا يظهرون أعراضاً مرتبطة بالضغط النفسي الحاد.
وتضيف أن الفرق الطبية ترى كثيراً من هذه الحالات، لكن استمرار الأزمة يجعل من الصعب في بعض الأحيان إجراء تشخيص نهائي، لأن السكان لا يزالون يعيشون داخل الظروف التي تسبب لهم الضغط والخوف.
وتشمل الأعراض التي يرصدها العاملون الصحيون التوتر الشديد، وفرط اليقظة، والخوف والقلق المستمر، إضافة إلى اضطرابات النوم.
1326 جلسة للدعم النفسي في جنوب لبنان
بحسب البيانات التي نقلتها «ميدل إيست آي» عن منظمة أطباء بلا حدود، أجرى المستشارون النفسيون 1326 جلسة فردية للصحة النفسية في جنوب لبنان منذ بدء الحرب في مارس/آذار 2026، فيما قالت فرق المنظمة إن الطلب على الدعم النفسي في المنطقة يتزايد بصورة مستمرة.
وتنسجم هذه الصورة مع بيانات منظمة «إمبرايس» اللبنانية، التي تدير خط الدعم النفسي الوطني بالتعاون مع برنامج الصحة النفسية التابع لوزارة الصحة العامة. وتظهر تقارير المنظمة المنشورة ارتفاع حجم الاتصالات خلال حرب 2026 مقارنة بحرب 2024.
وأظهرت بيانات «إمبرايس» أن متوسط حجم الاتصالات خلال الشهر الأول من حرب 2026 كان أعلى بنحو 55 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة خلال حرب 2024، مع ارتفاع ملحوظ في نسبة المتصلين من جنوب لبنان.
ولا يعني ارتفاع طلبات المساعدة بالضرورة أن جميع المتصلين يعانون اضطرابات نفسية مشخصة، إذ يمكن أن يعكس أيضاً زيادة الوعي بخدمات الدعم النفسي وسهولة الوصول إليها. لكن العاملين في المجال الصحي يقولون إن حجم الطلب يعكس في الوقت نفسه الضغوط الكبيرة التي يعيشها السكان.
الخوف من نزوح جديد
في الغندورية، لا يتوقف الضغط النفسي عند الخوف من الضربات، فالعائلات التي عادت إلى منازلها تخشى أن تضطر إلى النزوح مرة أخرى، بينما يعيش كثير من السكان وسط فقدان المنازل ومصادر الدخل والأقارب، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية.
ويقول محمد غنيم، أحد سكان القرية، إنه عاد مع عائلته إلى الغندورية في يونيو/حزيران، وكان سعيداً لأن منزله ظل قائماً، لكنه لم يستعد إحساسه الطبيعي بالأمان.
وقال للصحيفة: «أمس لم ننم»، مضيفاً: «سئمنا بصراحة، سئمنا الحروب، لقد اكتفينا من الحروب». ولا يقتصر قلق غنيم على نفسه، إذ يخشى من الآثار التي يمكن أن تتركها أجواء الحرب على طفلتيه. فابنته الصغيرة اعتادت أصوات الانفجارات، لكنها لا تزال تشعر بالخوف عندما تسمع دوياً جديداً.
أطفال يكبرون وسط أصوات الحرب
بالنسبة للعاملين في مجال الصحة النفسية، فإن استمرار التعرض للخوف وعدم اليقين يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز اللحظة التي تقع فيها الضربة.
وتقول فرق الرعاية إن السكان يعيشون حالة من «فرط اليقظة»، إذ يبقى الجسم والعقل في حالة استعداد دائم لاحتمال وقوع خطر جديد.
وتشير منظمة «إمبرايس» إلى أن آثار الحرب لا تختفي بالضرورة بمجرد توقف القصف، إذ يمكن أن تظهر الضغوط النفسية أو تتفاقم بعد تراجع الخطر المباشر، خصوصاً مع استمرار النزوح والخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
وتؤكد تقارير سابقة للمنظمة حول الحرب في لبنان أن التعرض المطول لضغوط الحرب أدى إلى تفاقم أعراض نفسية لدى النازحين من الجنوب، مع استمرار الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية أثناء الحرب وبعدها.
العيادات المتنقلة تعالج ما وراء الجروح
في ظل تضرر البنية الصحية وصعوبة الوصول إلى الخدمات في بعض المناطق، أصبحت العيادات المتنقلة التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود جزءاً من شبكة الرعاية التي يعتمد عليها السكان.
وفي الغندورية، لا يأتي المرضى فقط للحصول على أدوية أو فحوص طبية، بل يصل بعضهم بحثاً عن مساعدة نفسية أيضاً.
وتقول القابلة ريم فرحات إن المرضى يصلون في كثير من الأحيان وهم في حالة توتر شديد، بينما تشير المثقفة الصحية المجتمعية فرح كرباج إلى انتشار مشكلات النوم بين السكان.
ويزيد من تعقيد الوضع عامل آخر يتمثل في الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، فضلاً عن صعوبة متابعة أوضاع العائلات التي تنقلت أكثر من مرة خلال الحرب.
وقف إطلاق النار لا يعني عودة الأمان
رغم إعلان وقف لإطلاق النار، لا يشعر سكان القرى الحدودية بأن الحرب أصبحت جزءاً من الماضي. فاستمرار التوتر والضربات والوجود العسكري في محيط المنطقة يجعل الهدوء هشاً، ويترك السكان أمام حالة من عدم اليقين المستمر.
وهذا يفسر، بحسب العاملين في المجال النفسي، لماذا يمكن أن يستمر الخوف حتى في الأيام التي لا تقع فيها ضربات مباشرة.
فالإنسان الذي عاش تجربة القصف أو النزوح قد يبقى في حالة تأهب أمام أي صوت غير مألوف، وقد يتحول صوت الطائرة المسيّرة إلى محفز يعيد إليه مشاعر الخوف التي عاشها خلال الهجمات السابقة.
بين الركام ومحاولة استعادة الحياة
وقبل انتهاء عمل العيادة المتنقلة في الغندورية، ظهر مشهد مختلف للحظات، مرت شاحنة صغيرة لبيع المثلجات بين المنازل المتضررة، بلون وردي باهت وزجاج أمامي محطم، بينما كانت تنشر نغمة طفولية في القرية.
كان المشهد أشبه بمحاولة عابرة لاستعادة الحياة الطبيعية في مكان لم يستعد بعد مقوماتها الأساسية، لكن مع ابتعاد الشاحنة بين التلال، عاد صوت المسيّرات إلى سماء الغندورية.
وهكذا، بالنسبة إلى سكان جنوب لبنان، لا تختصر آثار الحرب في المنازل التي تهدمت أو الخدمات التي انقطعت، بل تمتد أيضاً إلى الخوف الذي يستمر بعد توقف المعارك، وإلى أطفال يتعلمون التمييز بين أصوات الحياة اليومية وأصوات الحرب، وإلى عائلات لا تعرف ما إذا كانت عودتها إلى منازلها ستكون دائمة أم مؤقتة.
قد يعجبك
انفجار مرفأ بيروت.. ست سنوات على كارثة لم تنتهِ في ذاكرة اللبنانيين
قصف إسرائيلي بالفوسفور الأبيض يستهدف بلدات في جنوب لبنان ودمار واسع في بيت الصياد
“المناطق التجريبية” لإسرائيل في جنوب لبنان.. انسحاب على الورق واحتلال مستمر على الأرض

